الترع والوعي الشعبي

الأحد، 14 مارس 2021 10:00 ص
الترع والوعي الشعبي
حمدي عبد الرحيم

 
كتبت الأسبوع الماضي مقالًا عن مشروع تبطين الترع في مصر، وقد كررت الإشادة بالمشروع العملاق الذي تصل كلفته إلى مئة مليار جنيه، وحذرت في المقال من عبث العابثين الذين لا تردعهم عقولهم ولا قلوبهم، ولا تردعهم إلا سيوف القانون الصارمة.
بعد نشر المقال هاتفني صديق يعيش في ريف الدلتا، وصب على رأسي كل غضبه واتهمني بالتشاؤم وبتصدير الطاقة السلبية وبالاستهتار بوعي الشعب!.. تركته حتى نفدت شحنة غضبه وسألته: ما كل هذا الغضب؟.
ما كتبته لا يستحق هذا الصراخ، لقد كتبت مشيدًا بالمشروع وكاشفًا عن مخاوفي بشأن مستقبله، فكل ما أخشاه أن يواصل العابثون عبثهم ويصرون على إلقاء القمامة والمخلفات في قلب الترع التي تم الانتهاء من تطويرها وتبطينها. قاطعني غاضبًا: هذا لن يحدث، ولو حدث فستكون حالات فردية، ثم في البلد قانون سيقطع يد العابث.
قلت له: أتمنى أن تضع الحكومة مشروعها تحت عينيها ولا تغفل عنه، فما أكثر المرات التي خاب فيها رهاننا على الوعي الشعبي.
بعد ذلك الاتصال بيومين شاهدت الأستاذ محمد شردي على فضائية مصرية يعرض صورًا بل تسجيلات لترعة عظيمة أصبحت مدفنًا فاخرًا للقمامة. سارعت إلى مهاتفة صديقي الغاضب وقلت له: شاهد محمد شردي الآن، وبعد المشاهدة نتحدث.
طبعًا شاهد صديقي الحلقة ولكنه سارع بإغلاق هاتفه!
القصة يقول مختصرها الحزين: إن نشطاء على مواقع التواصل الإعلامي قد نشروا صورًا لترعة عظيمة تم الانتهاء من تطويرها قبل شهور قليلة ولكن الأهالي (الذين نراهن على وعيهم) واصلوا ما انقطع وقاموا بإلقاء عشرات الأطنان من القمامة في جوف الترعة حتى اختفت الترعة تمامًا وأصبحت جسرًا من النفايات!
قام نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بنشر صور للترعة وأرسلوا بعض الصور إلى وسائل الإعلام، فقام برنامج الأستاذ شردي بالتحقق من صحة الصور، فأعاد نشرها مدعمة بتسجيلات حية، وهنا قامت قيامة الحكومة!
من ناحيته أقر المهندس المهندس شحتة إبراهيم، رئيس مصلحة الري بصحة الصور ونفى التلاعب بها، وقال غاضبًا: إن الترعة المقصودة هي ترعة سقارة البحرية بمحافظة الجيزة، وقد تم الانتهاء من تطويرها قبل أربعة أشهر فقط، وقد كلف تطويرها خزانة الدولة أربعين مليون جنيه، وأنه سيرسل معدات الوزارة إلى الترعة لإعادة تطويرها مرة ثانية!
هل سيقرأ صديقي الدلتاوي هذا الكلام؟
هل حقًا تتمتع الدولة بقانون يجرم العبث بالترع؟
أثناء بحثي عن إجابة حقيقة وجادة وجدت إجابتين واحدة مضحكة والثانية تمثل كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معاني.
الإجابة الأولى وجدتها لدى المهندس محمد غانم المتحدث الرسمي باسم وزارة الري الذي قال لوسائل الإعلام: إن تكلفة تطهير الترع من القمامة والنفايات تصل الي 500 مليون جنيه سنويا، وينص القانون على معاقبة المتسبب في إلقاء القمامة بالترع والمصارف بالغرامة 10 اَلاف جنيه.
نتحدث عن خسائر تتجاوز المليارات ثم يحدثنا قانوننا عن غرامة تصل إلى عشرة آلاف جنيه، أليس هذا مضحكًا بل مضحكًا جدًا.
أما الإجابة الثانية فقد وجدتها لدى الأستاذ هشام حسين، أمين سر لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب، الذي (كما يقولون جاب من الآخر) فقال: عند مراجعته لنصوص مشروع قانون الري، لم نجد نصوصا تحظر إلقاء القمامة في الترع والمجاري المائية أو تنص على عقوبة مغلظة لتلك الأفعال، وكذلك العقوبة الواردة في قانون البيئة بشأن الحفاظ على مياه النيل، ليست كافية لمواجهة تلك الظاهرة.
معنى كلام الأستاذ هشام أن العشرة آلاف حنيه ليست موجودة أساسًا، وتلك هي الكارثة.
والحال كما ترى هل نجلس للبكاء على اللبن المسكوب وعلى الترع المدفونة تحت أطنان من القامة؟
البكاء والندب والعويل لم يكونوا يومًا حلًا لمشكلة أي مشكلة، والحل تقدم به الأستاذ هشام فقال: نعمل في مجلس النواب على إعداد تعديل تشريعي لمواجهة ظاهرة إلقاء المخلفات والقمامة بالمجاري المائية والترع.
وسأتقدم بهذا التعديل خلال الجلسات العامة المقبلة بمجلس النواب التي من المقرر خلالها مناقشة مشروع قانون الموارد المائية والري.
والتعديل المقترح يهدف إلى إضافة مادة جديدة بمشروع قانون الري الجديد المقدم من الحكومة والذى وافق عليه البرلمان من حيث المبدأ الأسبوع الماضي، والتي تنص بوضوح على حظر إلقاء كافة أشكال المخلفات والقمامة التي من شأنها الإخلال بالمظهر الحضاري أو إعاقة أو تلوث أو ردم أي مجرى مائي، كما تتضمن المادة النص على عقوبة مغلظة لمن يخالف ذلك تصل إلى الحبس أو الغرامة المالية بقيمة ٢٥٠ ألف جنيه، حتى تكون بمثابة رادعا شديدا لمن تسول له نفسه القيام بأي فعل من شأنه تشويه المظهر الحضاري أو تلويث المجاري المائية والترع.
هل في تلك القصة الحزينة درسًا وعظة وعبرة؟
الدرس الأولى سيجبرنا على التذكير بمقولة خالدة منسوبة لأمير المؤمنين الخليفة السخي عثمان بن عفان الذي قال" إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، والمعنى هنا أن بعضهم لا يردعه القرآن على عظمة قدره ولكن يردعه السلطان الذي هو هنا القانون، أما الحديث عن الوعي الشعبي فقد ثبت أنه خرافة من الخرافات وأسطورة من أساطير الأولين.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا