دروس من كتابة الكبار

الأحد، 19 ديسمبر 2021 10:00 ص
دروس من كتابة الكبار
حمدي عبد الرحيم يكتب:

قال بعض النقاد عن صنعة أبي العتاهية الشعرية: إن صنعته تقوم على السهولة المفرطة في اختيار الألفاظ والعبارات؛ حتى لتقترب من لغة الناس اليومية، بل حتى ليصيبها أحيانًا ضرب من الابتذال، ومن أجل ذلك كان الأصمعي يقول: "شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى".

ما قاله الأصمعي عن صنعة أبي العتاهية هو ما يجب علينا قوله عن كتابات وحسابات وصفحات الفيس بوك، ففيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى، بل فيها الأذى الكثير.

ومن جوهر وذهب الفيس بوك أن جماعة من عارفي فضل الشيخ الإمام الأستاذ محمود محمد شاكر قد أطلقوا مجموعة عامة تحت عنوان "أبو فهر محمود محمد شاكر شيخ العربية"، وقد فازت المجموعة بإعجاب الكثيرين فأصبح الآلاف يتابعونها وبعضهم يثريها بكتاباته.

الشيخ شاكر اسم كبير ضخم لا يمكن اختزاله في سطور ولا حتى في كتاب كبير، لكن لأسباب خارجة عن إرادته فُرض عليه حصار خانق في حياته وتواصل حتى بعد رحيله حتى قيض الله لاسمه بعض المحبين من عارفي فضله، فأطلقوا تلك المجموعة التي كأنها بعثته شابًا يملأ الدنيا ويشغل الناس.

ومع استحالة اختزال الشيخ الإمام فلا بأس من إيراد البيانات الأساسية الخاصة بشخصه الكريم.

ولد الأستاذ الإمام في العام 1909 بمدينة الإسكندرية لوالده الشيخ الأستاذ محمد شاكر وكيل الأزهر الشريف، وأسرة شاكر يصل نسبها إلى الإمام الحسين ابن الإمام علي رضى الله عنهما.

حفظ شاكر الابن القرآن في طفولته وسجل توفقًا عظيمًا في دراسة الرياضيات والإنجليزية، ثم عرف الأدب العربي وتعلق بشاعر العربية الأكبر المتنبي فحفظ ديوانه كله، وعندما دخل الجامعة كان الأمر يحتاج إلى توسط الدكتور طه حسين والدكتور أحمد لطفي السيد لكي يدرس شاكر في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وذلك لأنه كان من دراسي القسم العملي في الثانوية.

في الجامعة سمع شاكر التلميذ من أستاذه طه حسين، ما أنكره، بل ما زلزل مقام ومكانة الجامعة في نفسه وقلبه، كان الدكتور طه يلقي على طلابه محاضراته التي عرفت باسم "في الشعر الجاهلي".

كان شاكر يؤكد لكل المحطين به أن الدكتور طه قد سطا سطوًا عريانًا على مقالة كتبها المستشرق مرجليوث تشكك في الشعر الجاهلي.

كبرتْ قضية الشعر الجاهلي كأنها كرة النار، فترك شاكر الجامعة بل مصر كلها وذهب إلى الجزيرة العربية ليعيد ترتيب بيته من الداخل ولكي يصل إلى يقين في قضايا تهم عروبته وإسلامه.

عاد شاكر فواصل القراءة والبحث حتى ظهر على الناس وهو في السادسة والعشرين من عمره عندما كتب كتابه عن المتنبي احتفالًا بذكرى مرور ألف سنة على رحيل المتنبي، ومن يوم ذلك الكتاب الذي خصصته له مجلة المقتطف عددًا كاملًا، والناس تعرف شاكرًا بوصفه واحدًا من أكابر علماء العربية.

بعد معركته مع طه حسين وقعت الواقعة بينه وبين الدكتور لويس عوض، فقد دخل لويس ساحة ليست من ساحاته وكتب عن أبي العلاء المعري فجاء بالأعاجيب شأن كل الذين يتحدثون عن فن ليسوا من أهله، فرد عليه شاكر وأظهر عورات ما جاء به لويس، وكان ختام المعركة دخول شاكر إلى السجن!

ما بين المعركتين وبعدهما أخرج شاكر كنوزًا التراث أو الميراث العربي محققًا مصححًا، وفتح بيته لكل طالب علم حتى أصبح بيته قبلة لطلاب العلم من شتى بقاع العالم الإسلامي المترامي الأطراف.

معركة شاكر ولويس جعلت بعضهم يتهم شاكر بالطائفية، وهو اتهام باطل لا يقوم على أساس، وقد وجدت شهادة أدلى بها الكاتب الكبير الأستاذ وديع فلسطين عن الشيخ شاكر قال فيها: "أرشح محمود محمد شاكر للجائزة التقديرية، لأن هذا العالم الفذ قد وقف كل عمره على الحفاظ على تراث الضاد، وكأنه ديدبان شاكي السلاح يذب عن حياض الضاد كل متحرش، أو ، أو متطاول، وأتصور بعين الخيال أن محمود شاكر يقيم في قلعة حصينة في داخل أسوارها كل مقدسات الضاد، وهو الحارس اليقظ الذي يحمل تبعة مزدوجة؛ هي الدفاع المتصل عن التراث الذي هو به منوط، والتنبيش الدائم في هذا التراث لاستخراج مفاخره وإعلانها في كتاب محقق، أو مقال مكتوب، أو محاضرة ملقاة، أو حديث مرتجل".

ويقول الأستاذ وديع في رسالة إلى صديقه الدكتور حسن على محمد: «إن المرء لتعروه الدهشة إذ يرى هذه القمة المسماة محمود محمد شاكر خافية عن عيون مجتمعه، إلا فيما يسيء، وقليلة على محمود شاكر عضوية المجامع، بل قليلة عليه جائزة التقدير، ولكن لسان الحق الذي تنطق به العدول من الخلف، في إلحاح إلى إنصاف هذا العالم الأستاذ الذي يجلس في محضره أكابر الباحثين وكأنهم من تلاميذه النجباء، ويطمع كل منهم أن يحسب في عداد حوارييه".

أما الأستاذ الجامعي المرموق والناقد الشهر ونائب رئيس مجمع اللغة العربية الأستاذ الدكتور محمد الربيعي فقد كتب على مجموعة شاكر: "شكرا جزيلا على السماح لي بالانضمام الي دوحة محمود شاكر الظليلة. معرفتي بكتاباته قديمة جدا تعود الي اربعينيات القرن الماضي، واول ما طرقت بابه واهل على وجهه الصبوح كان ذات صباح خريفي من سنة ١٩٥٩. كتبت عنه قليلا في مجلتي " الهلال" المصرية و "العربي" الكويتية وفي كتابي" في الخمسين عرفت طريقي"، وقرأت بين يديه قصيدة المثقب العبدي "أفاطم قبل بينك متعيني " واسهمت ببحث عنها في كتاب "دراسات عربية واسلامية" الذي اهدي اليه في عيده السبعين. بقي حلمي معي بان اكتب عن " القوس العذراء" طويلا، لكنه لم يتحقق. وانا اعشق هذا العمل الشعري الدرامي الفريد في تاريخ الابداع الشعري العربي، وادور حوله كثيرا، ولكنني حتى الان اهاب الكتابة عنه. ويبقي حلمي معي، كما يبقي اجلالي لهذا العلم الشامخ في الثقافة العربية محمود شاكر".

حقًا هذه هي أخلاق الكبار عندما يكتبون عن واحد من الكبار.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا