مصر تنتصر لثقافة التنوع وقبول الآخر

الأربعاء، 30 ديسمبر 2015 11:02 ص
مصر تنتصر لثقافة التنوع وقبول الآخر

أثارت الاستجابة السريعة للرئيس عبد الفتاح السيسي لمطلب مواطنة عراقية تنتمي للطائفة الأزيدية بلقائه ارتياحا كبيرا بين المثقفين المصريين والعرب وسط اتفاق على ان هذا الموقف يعبر في جوهره عن "انتصار مصر لثقافة التنوع وقبول الآخر".

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أكد في سياق اللقاء مع المواطنة العراقية الازيدية نادية مراد على ادانة مصر القاطعة لكافة أشكال وصور الإرهاب والممارسات الآثمة التي يقوم بها تنظيم داعش الارهابي باسم الدين الاسلامي وهو منها براء مشددا على إعلاء الدين الاسلامي لقيم الرحمة والتسامح وقبول الآخر.

ولن يغيب عن الأذهان مغزى طلب الفتاة العراقية نادية مراد زيارة مصر ولقاء رئيسها الذي يتخذ اقوى وانبل المواقف في مواجهة الارهاب الأسود والتطرف الظلامي فيما اعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي للأذهان ان الحضارة الاسلامية استوعبت كافة المواطنين من مختلف الديانات والأعراق وقدرت اسهاماتهم في شتى مناحي الحياة واعتمدت على النابغين منهم في الادارة وغيرها لتقدم للبشرية نموذجا واقعيا للتعايش السلمي بين مختلف الأديان والمذاهب والأعراق.

وباسم مواطنيها العراقيين من الأزيديين اعربت نادية مراد عن خالص شكرها وتقديرها لاستجابة الرئيس عبد الفتاح السيسي لطلبها الالتقاء به مؤكدة على تقديرها لدور مصر الكبير في العالم الاسلامي وفي مكافحة الارهاب والفكر المتطرف.

وكانت هذه الفتاة العراقية الايزيدية التي استطاعت التخلص من أسر الدواعش لها، فقد تعرضت لفظائع إبان محنة اختطافها واسرها من جانب تنظيم داعش الارهابي فيما اعرب الامام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور احمد الطيب خلال لقاء معها عن تعاطف الأزهر الشريف مع مآساتها الانسانية.

وشدد الدكتور أحمد الطيب على أن الممارسات والأفعال الاجرامية لتنظيم داعش الارهابي تخالف كافة الشرائع والأديان السماوية وكذلك المواثيق الدولية والأعراف الانسانية "التي تحرم الاعتداء على النفس البشرية ايا كان معتقدها او لونها او جنسها".

فليس القصد ولايجوز ان يكون الدخول في سجالات فقهية حول عقائد اقتنع بها اصحابها وانما المطلوب والمرغوب عدم السماح في راهن المشهد الاقليمي بضياع الأمة وتمزيق الأوطان في متاهات الطائفية وصراعات الملل والنحل والعقائد والمذاهب والأديان.

وحفلت الصحف ووسائل الاعلام المصرية والعربية بتقارير وتعليقات حول زيارة الفتاة العراقية الايزيدية نادية مراد للقاهرة فيما قال وزير التعليم العالي الدكتور اشرف الشيحي ان مانشهده اليوم من تطرف وارهاب اساسه مشكلة التعلم والتعليم معتبرا ان تطوير التعليم يحمي الأفراد من الأفكار الهدامة.

وأشارت نادية مراد في سياق سردها لمحنتها ومحنة الطائفة التي تنتمي لها والتي تعد جزءا تاريخيا وعضويا من النسيج العراقي الى ان تنظيم داعش الارهابي اختطف الآلاف من الفتيات والسيدات في العراق وان كانت "الاحصائية النهائية" غير معلومة بعد، فيما خاطبها الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة قائلا :"صرخاتك اصبحت في ضمير كل انسان حر".

وأعاد الدكتور جابر نصار للأذهان ان مصر حملت هم الأمة العربية والاسلامية ايا كان الوقت والمكان لافتا الى ان جامعة القاهرة ستعمل جاهدة لكي تحمل هذه الرسالة للعالم كله فيما اعرب عن اعتقاده بأن "مايحدث الآن قد حدث قبل ذلك" وتابع قائلا :" هؤلاء الدواعش يعيشون بغير شرف وغير دين وغير هدى" .

ويأتي ذلك فيما تتوالى الكتب في الغرب حول الأقليات في المنطقة العربية ومن بينها كتاب جديد صدر بعنوان" ورثاء ممالك منسية" لجيرارد راسل الذي يتناول فيه مايصفه "بمحنة الأقليات في الشرق الأوسط" ويتحدث فيه بنظرة لاتخلو من "استشراقية عجائبية"عن مشهد الأقليات في المنطقة بما في ذلك الصابئة او الطائفة المندائية في العراق.

ومؤلف الكتاب جيرارد راسل كان دبلوماسيا بريطانيا في بغداد وشهد هناك مرحلة مابعد الاطاحة بنظام صدام حسين الذي كان يحمي الصابئة فاذا بهم يتعرضون لصنوف من الاضطهاد بعد سقوطه بفعل الغزو الأمريكي للعراق عام 2002 حتى باتت الطائفة كلها راغبة في الهجرة للغرب!.

وبالطبع هذا مجرد مثال في كتاب حافل بالحديث عن الأقليات في العالم العربي وتأثير ركوب قوى التطرف والظلام لموجة الربيع العربي بما يؤدي لتغيير الخرائط وشطب فئات سكانية تحقق التنوع وهو مصدر ثراء حضاري وثقافي لمن يعقلون !.

والحقيقة أن جيرارد راسل كان منصفا في كتابه الى حد كبير حيث اكد على ان الاسلام كدين متسامح مع اتباع الأديان الأخرى ولايضيق على الأقليات او يدعو لاضطهادها لكن المشكلة تبقى في تلك الجماعات الظلامية التي لاتتورع عن "خطف الاسلام ذاته لتحقيق مآربها الشريرة".

والكتاب ممتع كسرد الى حد كبير وان كان مؤلفه الدبلوماسي البريطاني جيرارد راسل وقع في الخطأ الغربي المتكرر وهو اعتبار المسيحيين من الأقباط "أقلية" في مصر مثلهم مثل الصابئة والايزيديين في العراق او الدروز في سوريا ولبنان.

وعندما نتحدث عن المصريين ممن يدينون بالمسيحية والذين يستعدون للاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح فالحديث يكون عن مكون مصري اصيل بكل ماتعنيه الكلمة حتى انه لايجوز الحديث عما يسمى "بعنصري الأمة المصرية لأن المصريين في الحقيقة والتاريخ والواقع عنصر واحد".

فالمسيحيين في مصر جزء لايتجزأ من نسيجها العضوي وقد يكون ماقاله المفكر الراحل العظيم جمال حمدان في عمله الثقافي الخالد "شخصية مصر" حول دور مصر في نشر المسيحية افضل تعبير عن هذه المسألة

من هنا لم يكن "بابا العرب الراحل شنودة" مبالغا بأي حال عندما قال ان "مصر وطن يعيش فينا" وكذلك البابا الحالي تواضروس عندما قال :"ان وطنا بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن" مؤكدا على انه "لو احترقت الكنائس سنصلي في المساجد".

ولئن كان المسيحيون في مصر لايجوز بأي حال من الأحوال وصفهم بالأقلية فان مخطط الشر الذي تتوالى شواهده المشئومة في المنطقة العربية تولي للأقليات دورا واضحا في عملية تفتيت الدول وتقسيم الأوطان بينما تمضي جماعات الظلام العميلة في استهداف تلك الأقليات كجزء من هذا المخطط كما هو واضح في حالة تنظيم داعش الدموي بالمشرق العربي.

وإذا كانت الاسئلة تتواتر حول امكانية اقامة تركيبة جديدة للمشرق العربي يطلق عليها البعض خرائط ساسكس-بيكو 2 ودور تنظيم دموي متطرف مثل داعش في هذا المخطط فيبدو ان مخطط الشر لاينحصر في المشرق العربي وانما يمتد ليشمل ليبيا الشقيقة تمهيدا لرسم خارطة جديدة لمنطقة المغرب العربي .

وواضح ان مصالح الخارج تأخذ الى اعتماد "تصغير الكيانات القائمة" فيما لم تعد الأحاديث او حتى التقارير الرسمية عن محاولة تقسيم سوريا الى كيانات على قاعدة طائفية او مذهبية سرا وهكذا فالباب مفتوح امام مشاريع انفصالية على قواعد متعددة من بينها بالتأكيد القاعدة الطائفية الى جانب التقسيمات على اسس عرقية وقبائلية وجهوية كما يبدو في الحالة الليبية .

وإذ مرت مؤخرا الذكرى ال41 لرحيل الفنان الكبير فريد الأطرش والذي كان ينتمي للطائفة الدرزية في سوريا فان التاريخ الثقافي والفني سيذكر لمصر انها احتضنت هذا الفنان الذي بات احد اعظم المطربين والملحنين في العالم العربي بقدر مايعيد ذلك للأذهان من منظور تاريخي ان مصر انتصرت دوما لثقافة التنوع وقبول الآخر.

والدروز عرب اقحاح ومن الأسماء الدرزية الشهيرة عربيا المطرب فريد الأطرش وشقيقته اسمهان وسلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925 والزعيم اللبناني كمال جنبلاط والابن وليد جنبلاط والصحفي اللبناني الشهير أمين الأعور والقيادي البعثي شبلي العيسمي والمطرب السوري فهد بلان والشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم.

وفي كتاب "لبنان :تاريخ ,600-2011" يتناول المؤلف ويليام هاريس من منظوره الثقافي الغربي اوضاع الطوائف في لبنان عبر 14 قرنا من الزمان فيما كان من الطبيعي ان يتعرض للطائفة الدرزية وتحول احد ابرز قادتها السياسيين وهو وليد جنبلاط لموقف مناهض لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وربما ساعد الطابع المغلق مذهبيا لهذه الطائفة في تغذية بعض الأساطير أو التصورات التي تفتقر للدقة بشأن الدروز الذين يقدرعددهم في العالم كله حسب بيانات معلنة وتقديرات تقريبية بنحو مليوني نسمة من بينهم 700 الف نسمة في سوريا و400 الف نسمة في لبنان ويلقب رئيس مجلسهم المذهبي "بشيخ العقل".

والملاحظ ان ويليام هاريس ربط في كتابه عن لبنان مابين المشهدين اللبناني والسوري حتى انه ذهب الى ان وجود ديمقراطية يعتد بها في لبنان انما يتوقف على التعددية في "سوريا الجديدة" غير ان سوريا "كدولة" باتت في مهب الريح ولم تعد المسألة تتعلق بالنظام الحاكم فحسب.

ومن الواضح ان الدروز يتجمعون في المشرق العربي وبصورة اكثر تحديدا في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن اما عن مصر فعلاقتهم بها وجدانية وتاريخية كما ان وجودهم يمتد حتى نيجيريا وغرب افريقيا فضلا عن بلاد المهجر للبنانيين والسوريين في الأمريكتين .

ولئن أثرت الأوضاع المضطربة في المشرق العربي بوضوح على الأقليات مثل الأزيديين والصابئة والدروز في تلك المنطقة فهناك حاجة لدراسات ثقافية معمقة حول اشكاليتي الهوية والعنف بينما تتوالى الأنباء مشيرة لمحن الأقليات في سياق هذا المشهد المضطرب وخاصة في العراق وسوريا الجريحة.

ولاريب ان الثقافة العقلانية العربية مدعوة للاسهام في محاربة صناعة الكراهية واطفاء حرائق التعصب التي تكاد تلتهم اجزاء عزيزة من الوطن العربي بقدر انحياز هذه الثقافة للتنوع والتعدد كمصدر ثراء حضاري للأمة.

ثمة حاجة لمزيد من الدراسات الثقافية العربية حول الأقليات في العالم العربي وتأثير ركوب قوى التطرف والظلام لما عرف بموجة الربيع العربي بما يؤدي لتغيير الخرائط وشطب فئات سكانية تحقق التنوع وهو مصدر ثراء حضاري وثقافي لمن يعقلون !..وللتاريخ ان يتوقف طويلا امام دور مصر في الانتصار لثقافة التنوع وقبول الآخر..هذا قدرها وطرف من مجدها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق