استر هانم فهمى.. الطريق إلى الوطن

السبت، 27 أغسطس 2022 04:14 م
استر هانم فهمى.. الطريق إلى الوطن
حمدي عبد الرحيم

 
خالفت «استر» مذهب أبيها معلنة انتمائها لعموم الوطن وتزوجت فهمي بك ويصا الذي كان يحمل أفكارًا تناقض أفكار والدها المحامي الشهير أخنوخ فانوس
 
لا يكف هذا البلد العريق العظيم عن تذكيرنا ببطولات أجيال الأجداد والآباء الذين قدموا كل شيء فداءً لحريته واستقلاله.
 
من جيل الأجداد يبرز اسم استر فهمي ويصا، التي خاضت صراعًا أسريًا عنيفًا لكي تصل إلى بر الأمان، وما كان بر أمانها إلا الاحتماء بحضن الوطن وتقديم الغالي والنفيس قربًا لحريته.
 
ولدت استر هانم أخنوخ فارس بمحافظة أسيوط بصعيد مصر في التاسع عشر من فبراير من العام 1895، ورحلت عن دنيانا بعد أن عمرت طويلًا في الثامن والعشرين من أغسطس من العام 1990.
 
صدام استر الأول كان مع والدها، وهو لم يكن كغيره من الآباء فقد كان رجلًا مهتمًا بالشأن العام، يلعب دورًا مهمًا وخطيرًا على الساحتين السياسية والاجتماعية المصرية.
 
المعلومات الأساسية المتوفرة عن شخصيته تقول إن أخنوخ فانوس ولد في العام 1856 وتوفى في العام 1918 حصل على شهادته الجامعية من الجامعة الأمريكية ببيروت وعندما عاد إلى أرض الوطن قبيل سقوط مصر بين أنياب الاحتلال الإنجليزي أسس جمعية خيرية في أسيوط لمساعدة منكوبي الأزمة الاقتصادية ونقص المواد الغذائية. واشتغل بالمحاماة أمام المحاكم الأهلية. ومنحته الجامعة الامريكية درجة الدكتوراه الفخرية عام 1910، ورأس المجلس الإنجيلي العام بالقاهرة.
 
قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بدأت مصر تعرف الأحزاب السياسية، وكان المسيطر على الساحة حزبان كبيران هما الحزب الوطني الذي يقوده مصطفى كامل ومحمد فريد، وحزب الأمة الذي يقوده أحمد لطفي السيد. هنا فكر أخنوخ في إنشاء حزب يطرح به أفكاره على جماهير الشعب فدعا إلى تأسيس الحزب المصري.
 
فولد الحزب ميتًا، وذلك لأن المحتل الإنجليزي قد رحب بالحزب، وما يرحب به المحتل سيرفضه الشعب، ثم أن برنامج الحزب قد تطرف في علمانيته، وفي دعواه عن المصرية التي لم تكن تعني سوى تعليق البلاد في الفراغ الكوني، فلم يتحدث البرنامج عن أي انتماء أو امتداد لمصر عربيًا أو إفريقيًا أو إسلاميًا، فقد تحدث عن مصر فقط وكأنها بلدًا منبتًا لا أرضًا قطعت ولا ظهرًا أبقت، أما مصيبة المصائب فكانت النص على المحاصصة، والمصري قد يقبل بالعمى ولكنه لا يقبل بالمحاصصة، وهو يفر منها فرار السليم من الأجرب، لأنه يعرف بفطرته السليمة الصحيحة المستقيمة أن المحاصصة ما هي إلا جرب فكري لا يأتي بخير بل هو يفتح أبواب كل الشرور، وما استقام أمر بلد يعتمد المحاصصة الطائفية أو المذهبية.
 
يقول مقال بموقع المعرفة: قاطع الأقباط هذا الحزب كما قاطعه المسلمون ولم يدخله أحد غير مؤسسه، أي أن الحزب مات في المهد. وفي مقتبل الأيام كان "أخنوخ فانوس" محاصرا من الرموز القبطية ذات الاتجاه الوطني والقومي أمثال "واصف غالي" وويصا واصف وسنوت حنا".
 
العادي أن تكون استر على مذهب أبيها، ولكنها خالفته مخالفة صريحة واضحة معلنة انتمائها لعموم الوطن وليس لملة أو مذهب أو طائفة، هذا الموقف قبل مئة عام من عامنا هذا كان موقفًا خطيرًا ولا يجرؤ عليه إلا قلة تكاد لا تذكر، في العام 1913 حسمت استر أمرها وتزوجت من فهمي بك ويصا الذي كان يحمل أفكارًا تناقض أفكار والدها المحامي الشهير أخنوخ فانوس، وقطعت كل علاقة لها بفترة طفولتها وأول صباها معلنة أن اسمها هو استر فهمي ويصا !
والدها "أخنوخ" كان له دور في الحياة الحزبية المصرية في عام 1908. وبعد أن نتحدث عن زوجها "فهمي بك ويصا" الذي كان وزير "الوقاية المدنية" في 2 يوليو 1943، في التعديل الذي طرأ على وزارة "مصطفى النحاس باشا" السادسة. وكان فهمي بك ويصا وقت ذاك عضوا بمجلس الشيوخ.
 
زوج استر فهمي بك ويصا كان حاصلًا على تعليم شهادته الجامعية من جامعة أكسفورد العريقة، وكان مثلها منتميًا لعموم الوطن، ولذا فقد شاركها في الانضمام لحزب الوفد فور إعلان تأسيسه، وشاركها في محبة سعد باشا زغلول زعيم الوفد والإخلاص له، وبعد رحيل سعد باشا تعاونا بالمحبة ذاتها مع مصطفى باشا النحاس، وظل فهمي ويصا يترقى في العمل الساسي حتى أصبح وزيرًا لوزارة الوقاية المدنية في حكومة الوفد التي تشكلت في العام 1943.
 
بالعودة إلى جهاد استر الوطني فقد كانت في الصفوف الأولى الداعمة لثورة الشعب في العام 1919، دعت استر إلى اجتماع في الكاتدرائية المرقسية، فلبت نساء الوطن دعوتها، فكان على رأس الحاضرات أسماء لها وزنها مثل هدى شعراوي، وحرم محمد بك على المحامي، وبرلنتي ويصا واصف ونعيمة أبو اصبع، وحرم الدكتور إبراني المنياوي، وعائشة أبو شادي، وحرم محمد بك نجيب". وغيرهن من المصريات البارزات.
 
وعندما قام المحتل بنفي سعد باشا وثلاثة من قيادات الوفد لم تتراجع استر بل كتبت لقيادة الاحتلال: "لقد أرسلنا إليكم أربعة رجال ونستطيع إرسال أربعين رجلًا بل نستطيع إرسال أربعمئة بل نستطيع إرسال أربعة مليون مصري".
 
وبعد أن هدأت عاصفة الثورة لم تهدأ استر فقد كانت من أبرز عضوات لجنة الوفد المركزية للسيدات وكانت تتصدى لكل مظاهر الثورة المضادة ولقيادة الاحتلال نفسه وظلت قابضة على إيمانها بوطن واحد لشعب واحد إلى أن رحلت عن دنيانا.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة

الأكثر تعليقا