تونس تلاحق الجهاز السرى للنهضة الإخوانية
السبت، 18 يوليو 2026 11:00 م
مشروع قانون لتصنيف حركة النهضة تنظيماً إرهابياً وحلها وتجميد الأصول المالية والحسابات البنكية، ومصادرة المقرات
النائبة فاطمة المسدي مقدمة المشروع لـ«صوت الأمة»: هدفنا حماية الأمن القومي ومنع استغلال الأحزاب والجمعيات كواجهات لتنظيمات مرتبطة بالإرهاب
اتهامات تلاحق عناصر إخهوانية تونسية بإدارة ملف "تسفير الشباب إلى بؤر الصراع" وقيادة جهاز سرى لتصفية المعارضة
تتجه الساحة السياسية في تونس إلى مرحلة جديدة من التصعيد تجاه حركة النهضة الإخوانية، بعد تقدم النائبة في البرلمان التونسي فاطمة المسدي، برفقة عدد من النواب، بمقترح قانون يقضي بتصنيف الحركة تنظيماً إرهابياً وحلها بشكل فوري، في خطوة تمثل تحولاً تشريعياً مهماً في آلية تعامل الدولة مع التنظيمات المرتبطة بالإرهاب، بينما ينتظر المشروع مساره البرلماني قبل أن يحسم مصيره داخل مجلس نواب الشعب.
ويأتي المقترح في وقت تشهد فيه تونس استمراراً للجدل حول مستقبل حركة النهضة، في ظل تراكم ملفات قضائية وأحكام صدرت بحق عدد من قياداتها خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الحركة، ومدى إمكانية انتقال التعامل معها من المسار القضائي التقليدي إلى مسار تشريعي يمنح الدولة صلاحيات مباشرة لتنفيذ إجراءات الحل والتصنيف.
حماية الأمن القومي
وفي تصريحات مع "صوت الأمة"، قالت النائبة فاطمة المسدي، إن مشروع القانون يتكون من 6 فصول، ويستهدف حماية الأمن القومي والسيادة الوطنية والنظام الجمهوري، إلى جانب منع استغلال الأحزاب أو الجمعيات كواجهات لأنشطة أو تنظيمات مرتبطة بالإرهاب.
وترى المسدي أن التشريع المقترح يأتي استجابة لما وصفته بتراكم المعطيات والملفات القضائية التي ظهرت خلال السنوات الماضية، معتبرة أن الدولة أصبحت بحاجة إلى إطار قانوني أكثر حسماً في التعامل مع الكيانات التي يثبت ارتباطها بتنظيمات مصنفة إرهابية أو ذات امتدادات تنظيمية خارج الحدود، موضحة أن القانون لا يستهدف العمل الحزبي في حد ذاته، وإنما يركز على مواجهة التنظيمات التي يثبت ارتباطها ببنى تنظيمية أو مالية أو وظيفية تتعارض مع مقتضيات الأمن الوطني والقوانين المنظمة للحياة السياسية في تونس.
وينص الفصل الثاني من المشروع، وفق تصريحات النائبة مقدمة المقترح، على اعتبار حركة النهضة الامتداد السياسي والتنظيمي للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية داخل تونس، مع تصنيفها تنظيماً إرهابياً إذا تمت المصادقة على القانون.
ولا يقف المشروع عند حدود حركة النهضة فقط، بل يمتد ليشمل كل جمعية أو منظمة أو هيكل يثبت ارتباطه التنظيمي أو المالي أو الوظيفي بالحركة أو بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وفق ما تحدده أحكام القانون وآليات تطبيقه.
ويرى مقدمو المشروع أن هذا التوسع في نطاق القانون يهدف إلى سد أي ثغرات قد تسمح باستمرار النشاط عبر واجهات أخرى، مؤكدين أن الإجراءات المقترحة تستهدف البنية التنظيمية بأكملها، وليس الحزب باعتباره كياناً سياسياً فقط.
ومن أبرز النقاط التي يتضمنها مشروع القانون أنه يعتمد على مسار تشريعي مباشر، إذ أوضحت فاطمة المسدي، أن إقرار المشروع داخل البرلمان سيؤدي إلى اعتبار الحركة منحلة ومصنفة تنظيماً إرهابياً بمجرد نشر القانون في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، دون الحاجة إلى انتظار صدور أحكام قضائية جديدة بشأن الوضع القانوني للحركة.
وترى المسدي أن هذا التوجه من شأنه اختصار الإجراءات القانونية، ومنح مؤسسات الدولة أدوات مباشرة لتنفيذ القانون فور دخوله حيز النفاذ، بما يسمح بالتعامل السريع مع الكيانات التي يشملها التشريع.
ولا يقتصر مشروع القانون على تصنيف الحركة فقط، بل يتضمن مجموعة واسعة من الإجراءات التي تدخل حيز التنفيذ حال إقراره، فوفقاً للنائبة، ينص القانون على الحل الفوري للتنظيمات والهياكل المشمولة بأحكامه، إلى جانب إسقاط الصفة النيابية أو التمثيلية عن القيادات التي يثبت انتماؤها أو تورطها وفقاً لأحكام القانون، مع منعها من الترشح للانتخابات أو تولي أي مسؤولية عامة لمدة عشر سنوات، كما تمتد الإجراءات إلى الجوانب المالية، إذ يشمل المشروع تجميد الأصول المالية والحسابات البنكية، ومصادرة المقرات والأملاك لفائدة الدولة، باعتبارها من النتائج القانونية المترتبة على تصنيف التنظيمات المشمولة بالقانون.
ويرى مؤيدو المشروع أن هذه الإجراءات تمثل منظومة متكاملة تستهدف منع أي إمكانية لاستمرار النشاط عبر قنوات تنظيمية أو مالية بديلة، في حين تبقى جميع هذه البنود رهناً بموافقة البرلمان على النص النهائي للقانون.
«الجهاز السري» في صدارة المبررات
واعتبرت فاطمة المسدي أن ما كشفته قضية "الجهاز السري" يمثل أحد أهم المرتكزات القانونية التي يستند إليها المشروع، مشيرة إلى أن تطورات القضية والأحكام الصادرة فيها عززت، من وجهة نظرها، الحاجة إلى تبني إطار تشريعي جديد للتعامل مع الحركة والكيانات المرتبطة بها.
وتعد قضية "الجهاز السري" من أبرز الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً داخل تونس خلال السنوات الماضية، بعدما تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في النقاشين السياسي والقضائي، في ظل الاتهامات التي تضمنتها والتحقيقات التي أجريت بشأنها.
ويقول أصحاب المشروع إن هذه القضية، إلى جانب ملفات أخرى، تشكل الأساس الذي دفعهم إلى تقديم المبادرة داخل البرلمان، معتبرين أن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً من مجرد المتابعات القضائية إلى إجراءات تشريعية أكثر شمولاً، إذا ما حظيت بموافقة المؤسسة التشريعية.
ويرى مراقبون أن تقديم هذا المشروع يعكس تصعيداً سياسياً وتشريعياً جديداً في العلاقة بين الدولة التونسية وحركة النهضة، خاصة في ظل التحولات التي شهدها المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى تراجع نفوذ الحركة مقارنة بما كانت عليه بعد عام 2011.
كما يلفت متابعون إلى أن مجرد طرح المشروع داخل البرلمان يعكس تغيراً في طبيعة النقاش السياسي، إذ لم يعد يقتصر على القضايا القضائية المنظورة أمام المحاكم، وإنما امتد إلى البحث عن أدوات تشريعية جديدة للتعامل مع الملفات المرتبطة بالحركة، وهو ما يجعل الجلسات البرلمانية المقبلة محط اهتمام واسع من الأوساط السياسية والقانونية.
أحكام قضائية أعادت الملف إلى الواجهة
يتزامن طرح مشروع القانون مع استمرار نظر القضاء التونسي في عدد من القضايا التي ارتبط اسم حركة النهضة الإخوانية بها خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها القضية المعروفة إعلامياً باسم "الجهاز السري"، وقد حظيت هذه القضية باهتمام سياسي وإعلامي واسع، بالنظر إلى طبيعة الاتهامات الموجهة فيها وما ترتب عليها من أحكام قضائية بحق عدد من المتهمين.
وبحسب ما أعلنته الجهات القضائية، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس أحكاماً تراوحت بين السجن لسنوات طويلة والسجن المؤبد بحق عدد من المتهمين في القضية.
ومن بين تلك الأحكام، حكم بالسجن المؤبد مع ثلاثين عاماً إضافية بحق راشد الغنوشي، إلى جانب أحكام أخرى بحق متهمين آخرين، من بينهم مصطفى خذر، الذي ارتبط اسمه بالقضية، فضلاً عن متهمين آخرين شملتهم الأحكام الصادرة في الملف.
ويرى مقدمو مشروع القانون أن هذه الأحكام تعزز وجهة نظرهم بضرورة وجود إطار تشريعي يمنح الدولة أدوات قانونية مباشرة للتعامل مع الكيانات التي يشتبه في ارتباطها بالإرهاب.
ومن بين الملفات التي لا تزال تحظى باهتمام في النقاش السياسي والقضائي داخل تونس، ملف "تسفير الشباب إلى بؤر الصراع"، الذي ورد ذكره أيضاً ضمن المبررات التي استند إليها أصحاب مشروع القانون.
وبحسب ما ورد في النص، جاءت التحقيقات في هذا الملف عقب شكاوى قضائية تقدمت بها النائبة فاطمة المسدي، وأسفرت عن فتح تحقيقات شملت عدداً كبيراً من الأشخاص، على خلفية اتهامات تتعلق بتسهيل انتقال تونسيين إلى مناطق النزاع في سوريا خلال الفترة التي شاركت فيها حركة النهضة في الحكم.
ولا تزال هذه القضية من الملفات التي أثارت نقاشاً واسعاً في تونس، نظراً لما تحمله من أبعاد أمنية وسياسية وإنسانية، في وقت يستمر فيه القضاء في النظر في مختلف القضايا المرتبطة بها وفق الإجراءات القانونية.
من المسار القضائي إلى المسار التشريعي
ويعتبر عدد من المتابعين أن مشروع القانون يمثل تحولاً في طريقة التعامل مع الملف، إذ يقوم على فكرة منح البرلمان دوراً تشريعياً مباشراً في تحديد الوضع القانوني للحركة والكيانات التي قد يشملها القانون، بدلاً من الاكتفاء بالمسارات القضائية المعتادة.
ووفقاً لما طرحه مقدمو المشروع، فإن دخول القانون حيز التنفيذ سيترتب عليه تطبيق الإجراءات المنصوص عليها فيه فور نشره في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، وهو ما يعني مباشرة الآثار القانونية التي يحددها النص، دون الحاجة إلى دعاوى جديدة تتعلق بوضع الحركة القانوني.
ويتضمن المقترح، بحسب ما أُعلن عنه، إجراءات تشمل حل التنظيمات التي ينطبق عليها القانون، وتجميد الأصول المالية والحسابات البنكية، ومصادرة المقرات والأملاك وفقاً لأحكامه، إضافة إلى إجراءات تتعلق بالصفة النيابية أو التمثيلية لبعض الأشخاص إذا انطبقت عليهم الشروط التي يحددها التشريع.
كما ينص المشروع على منع الأشخاص الذين يشملهم من الترشح للانتخابات أو تولي مسؤوليات عامة لمدة زمنية محددة، وهو ما قد ينعكس على المشهد السياسي في حال إقرار القانون ودخوله حيز التنفيذ.
ويبقى مستقبل المشروع مرتبطاً بمساره داخل البرلمان، إذ يحتاج إلى استكمال الإجراءات التشريعية والحصول على الأغلبية المطلوبة قبل أن يصبح نافذاً، كما قد يشهد المشروع نقاشات أو تعديلات خلال المداولات البرلمانية، وفقاً للآليات المنظمة لسن القوانين في تونس.
رحلة القضاء على الجماعة
اتخذ الرئيس قيس سعيد عدة إجراءات للقضاء على الجماعة الإرهابية وفسادها خلال السنوات الماضية، فبعد حوالي عامين من توليه السلطة وجه عدة رسائل لكافة الأطراف السياسية وتحذيرات لحزب النهضة والكتل البرلمانية الموالية له والتي اتهمها بمحاولة تفجير الدولة من الداخل ونهبها المال العام والعمل على تقسيم التونسيين وهدم استقرار الدولة.
وفي 25 من يوليو 2021، أنهى سعيد عقدا من حكم الإخوان وأسدل الستار على سنوات مظلمة أعادوا فيها البلاد عقودا للوراء، بعدما اختار الأخذ بزمام الأمور بنفسه وخوض المعركة مع هذه الجماعة في العلن وبجرأة لا توصف مسنودا بدعم شعبي لا محدود، من خلال تجميد عمل البرلمان وتجريد أعضائه من الحصانة وإعفاء رئيس الحكومة، مستخدما في ذلك فقرات أعلى قانون في البلاد، وما يسمح به الفصل 80 من الدستور.
وفى 25 من يونيو 2024 استكملت الدولة التونسية آخر مراحل القضاء على حركة النهضة وفسادها، حيث قضت محكمة تونسية، بسجن رئيس حركة النهضة وخضوعه للمراقبة الإدارية.
وأثناء الانتخابات الرئاسية من نفس العام، شددت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قبضتها على مصادر تمويل الحملات الانتخابية حتى لا تتسلل الجماعة الإرهابية بمحاولات دعم مرشح بعينه .