يوسف أيوب يكتب: خط "سرت الجفرة" كان كاشفاً لأطماع تركيا في البترول الليبي

الأحد، 09 أغسطس 2020 12:00 ص
يوسف أيوب يكتب: خط "سرت الجفرة" كان كاشفاً لأطماع تركيا في البترول الليبي

 

مناوشات أنقرة في منطقة شرق المتوسط شاهدة على حقيقة الرغبة التركية في تعويض خسائرهم الاقتصادية بسرقة غاز المتوسط وأموال الليبيين
 
 
ما تفعله تركيا حالياً في منطقة شرق المتوسط، هو مناورة جديدة من المناورات السياسية التي أدمن أردوغان القيام بها، للهروب من الأزمات التي تلاحقه في الداخل التركى أولاً، وفى المحيط الأقليمى الذى تسبب أردوغان بسياساته العدائية في خسارة الكثير من الدول التي كانت حتى وقت قريب من الدول الصديقة، لكن لأنه لا ينظر الا لنفسه، فقد خسر الأصدقاء وبنى حول تركيا سور من الكراهية للجميع.
 
خسر اردوغان الدول العربية الا قطر فقط التي تسير معه في ذات الخط التخريبى والتدميرى الذى يستهدف أمن واستقرار المنطقة، فبخلاف مصر التي يعتبرها عدوه الأول اليوم، لأنها أفشلت مخططه الاستعمارى للمنطقة، فقد خسر إردوغان دولتان هما الأكبر استثماراً في تركيا، خسرهما بغباءه المعهود، وهما السعودية والإمارات، بل وصل الغباء التركى درجة أن يهدد وزير دفعها خلوصي أكار، الإمارات بالمحاسبة "لارتكابها أعمالا ضارة في ليبيا وسوريا"، وهو ما ردت عليه أبو ظبى من خلال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، الذى لقن الاتراك دروساً في التعامل مع الدول بقوله أن "منطق الباب العالي والدولة العليّة وفرماناتها مكانه الأرشيف التاريخي، فالعلاقات لا تدار بالتهديد والوعيد، ولا مكان للأوهام الاستعمارية"، معتبراً أن "التصريح الاستفزازي لوزير الدفاع التركي سقوط جديد لدبلوماسية بلاده"، مشيرا إلى أنه "من الأنسب أن تتوقف تركيا عن تدخلها في الشأن العربي".
 
وبالعودة إلى المناورات السياسية التركية في منطقة شرق المتوسط، فبعدما مُنيت تركيا بهزيمة ساحقة في ليبيا، وعدم قدرتها على مواجهة مصر، لم يجد أردوغان من مخرج لهذه الهزيمة سوى العودة مرة أخرى إلى شرق المتوسط، من خلال المناوشة فقط، لأنه يدرك أنه لا يستطيع تجاوز خط المناوشة، كما لم يستطع تجاوز خط "سرت-الجفرة" الذى حددته له مصر في ليبيا.
 
الأسبوع الماضى طيرت وكالات الانباء خبر عن تنفيذ السلطات التركية مسح سيزمي في منطقة شرق المتوسط بالتداخل مع المنطقة الاقتصادية المصرية الخالصة، وهو ما ردت عليه مصر من خلال بيان صدر عن وزارة الخارجية حظر تركيا من هذه الاعمال، حيث قال البيان أنه "تعليقاً على الإنذار الملاحى الصادر من دولة تركيا، بقيام سفينة تركية بتنفيذ أعمال مسح سيزمى فى الفترة من 21 يوليو إلى 2 أغسطس، أعرب أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، اليوم السبت، عن اعتراض مصر على تداخل النقطة رقم (8) الواردة بالإنذار الملاحى مع المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية، مؤكداً على أن ذلك الإجراء لا يتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ويخالف أحكام القانون الدولي، بل يشكل انتهاكاً واعتداءً على حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة فى البحر المتوسط، مشدداً على أن مصر لا تعترف بأي نتائج أو آثار قد تترتب على العمل بمنطقة التداخل، ونوه المتحدث باسم الخارجية إلى أن جمهورية مصر العربية قد أودعت إعلاناً لدى الأمم المتحدة بشأن ممارسة مصر لحقوقها فى المياه الاقتصادية الخالصة وفق المادة 310 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فى 11 يوليو 1983".
 
المؤكد في كل ما يحدث أن تركيا تعمد في الوقت الراهن إلى انتهاج سياسة الاستفزاز مع مصر، والهدف واضح، وهو تشتيت تصورات مصر ومحاولة إبعادها عن ليبيا على الأقل ولو مؤقتا، بعدما بات واضحاً للجميع أن مصر استطاعت أن توقف الاطماع التركية في الثروات الليبية، وأن تجمع القبائل وشيوخ ليبيا تحت راية واحدة في مواجهة هذه الأطماع.
 
الإعلان التركى الأخير الخاص بالمسح السيزمى في شرق المتوسط، يؤكد ما سبق قوله بإن تركيا تعانى من أزمات اقتصادية طاحنة، وهو ما دفعها بجانب أطماعها الخارجية إلى البحث عن مصادر للثروات في محاولة للسيطرة عليها، فكانت ليبيا هي محور اهتمامها الأول، ومن بعدها منطقة شرق المتوسط، فحينما قرر أردوغان القاء كل ثقله خلف ميليشيات الوفاق ورئيسها فائز السراج لم يكن هدفه فقط السيطرة على الغرب الليبى، وإنما كان كل تركيزه على منطقة الهلال النفطي الخاضعة الأن لسيطرة الجيش الوطنى الليبى والبرلمان الليبى المنتخب، وهو ما فطنت إليه القيادة المصرية جيداً، ونبهت اليه الاشقاء الليبيين والمجتمع الدولى، ومن هنا جاء تحذير خط "سرت الجفرة".
 
فالقاهرة تدرك منذ البداية حقيقة الأطماع التركية في ليبيا، فالهدف لم يكن سياسياً قدر ما هو اقتصادى، نعم هناك رغبة تركية في أن تكون ليبيا تحت إمرتها من خلال حكومة موالية لأنقرة على شاكلة "السراج وأعوانه"، لإنقاذ جزء من الهيبة التركية التي سقطت على صخرة الإرادة المصرية في 30 يونيو 2013، لكنه البترول الذى جعل أردوغان يضع ليبيا ف مقدمة حساباته السياسية والاقتصادية، خاصة أن كل مناوراته تجاه العراق باءت كلها بالفشل، كما أن الثروات السورية لم تكفيه، فكان الحل في ليبيا، ومنها إلى منطقة شرق المتوسط.
 
منذ البداية كان هناك يقين مصري بهذه الحقيقة، أن أردوغان تحركه أطماع اقتصادية بالدرجة الأولى، خاصة بعد سقوط تابوه النموذح الاقتصادى التركى، الذى لم يستطع الصمود وسط التقلبات الاقتصادية العالمية، ولم يعد هناك من مفر أمام أنقرة سوى الدعم الخارجي، فكان بترول ليبيا وشرق المتوسط هو ذلك الهدف الذى يسعى إليه إردوغان، مع استغلالهم لمحاولة استفزاز مصر، عله يحقق جزء من أهدافه، وهو إنهاك الدولة المصرية خارجياً، بعدما فشل الإرهاب في أن يوقف المسيرة المصرية بالداخل.
 
ففي ليبيا كان الموقف المصرى الواضح والحاسم هو السبب في أيقاف التحركات التركية التي كانت تدعم سيطرة الميليشيات المسلحة إلى ما بعد سرت والجفرة وصولاً إلى الهلال النفطي في الشرق الليبى، ليكون لدى انقرة مفتاح النفط.
 
وفي منطقة شرق المتوسط سعت مصر إلى تطويق الاطماع التركية من خلال تشكيل تكتل قوي يضم إلى جانبها اليونان وقبرص، ثم منتدى إقليمي حشر تركيا في زاوية بعيدة، وأصبحت معزولة عن المحيط المعني بالثروة البترولية في هذه المنطقة الحيوية اقتصادياً، ولم تفعل مصر ذلك من أجل محاصرة تركيا اقتصادياً، وإنما لمواجهة الاطماع التركية غير المشروعة في هذه المنطقة، فأنقرة تنظر إلى اليونان وقبرص على أنهما من حق تركيا، وليس لهما أية حقوق في ثروات شرق المتوسط وشهد العامين الماضيين مجموعة من الاستفزازات التركية للدولتان، وأخرهم المسح السيزمي الذى أدى إلى تصاعد حدة التوتر بين تركيا وكل من اليونان وقبرص، ودخلت ألمانيا ودول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة على الخط، وهو ما اضطرت معه أنقرة إلى وقف عمليات التنقيب انتظارا لإجراء محادثات بعد إعلانها التخطيط للقيام ببحث زلزالي في أجزاء من الجرف القاري اليوناني في منطقة تقع بين قبرص وكريت في بحر إيجه والبحر المتوسط.
 
ووفقاً للارقان، يتراوح احتياطي الغاز في منطقة شرق المتوسط بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعب من الغاز، و3.4 مليار برميل بترول، وكم كبير من السوائل الغازية، ويقدر إجمالي قيمتها المالية بنحو 2.5 إلى 3 تريليون دولار، ما يجعل هذه المنطقة تحتل المركز الثاني عالميًا من حيث احتياطيات الغاز، وكل ما تم اكتشافه مجتمعًا في قبرص وإسرائيل ومصر حتى الآن هو 70 تريليون قدم مكعب فقط، وتسيل هذه الأرقام الامانى في عقول اللقيادة التركية، التي تحلم بالحصول على نسبة جيدة منها، وهو ما يبرر لجوئها إلى تحركاتها المشبوهه في المنطقة، لأن إردوغان لا يتخيل أن يخرج خالي الوفاض، لذلك نراه يلجأ إلى تنويع ألاعيبه، والرهان على قضم جزء من الكعكة.
 
وما يؤكد أن هناك أطماع تركية في سرقة ثروات الآخرين، أن الخرائط الدولية تشير إلى أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بتركيا في البحر المتوسط بعيدة تماماً عن منطقة الأحواض الرسوبية الغنية بالغاز، لذلك تتبنى طريقة ترسيم على خلاف قواعد القانون الدولي، بحيث تمكنّها من الوصول إلى مربعات رقم 10، و11 من المنطقة الاقتصادية القبرصية التي قسمتها إلى نصفين، ليصبح النصف الأيمن من المنطقة تابعا لقبرص، كما أن الاتفاقية غير الشرعية التي وقعتها أنقرة العام الماضى مع حكومة "الوفاق" الليبية كانت تهدف إلى تثبيت هذه السرقات التركية في شرق المتوسط.
 
نحن أذن أمام جعبة مليئة بالمناورات السياسية والعسكرية التركية التي تستهدف في المقام الأول سرقة ثروات المنطقة، ومحاولة استفزاز القاهرة، لإنها الوحيدة التي تقف حائلاً امام نجاح انقرة في تحقيق مكاسب لها، لذلك فإن المطلع على المواقف المصرية الأخيرة سيجد أنها تتعامل بحكمة شديدة، نعم هي حاسمة في رسائلها ورددوها ومواقفها، لكناه لم تنجرف أبداً إلى منطقة الاستفزازات، بل تتعامل معها بالمنطق والحكمة، وهو ما يزيد من أرق الاتراك الذين يخسرون يوماً وراء الأخر أراضى في المنطقة، في حين تربحها القاهرة لأنها تقف على أرض صلبة، عكس الاتراك الذين يقفون على أرض أغلبها مسروق.
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا

مسجل خطر!

مسجل خطر!

السبت، 17 أكتوبر 2020 06:00 م