فتنة آمنة نصير.. أستاذ العقيدة والفلسفة بين مطرقة «لا اجتهاد مع النص» وسندان «النص القرآني صريح»

الأحد، 22 نوفمبر 2020 10:00 م
فتنة آمنة نصير.. أستاذ العقيدة والفلسفة بين مطرقة «لا اجتهاد مع النص» وسندان «النص القرآني صريح»
آمنة نصير- أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر
محمد الشرقاوي

"هناك نص قرآني صريح"..  "لا اجتهاد مع النص".. قواعد فقهية يدرسها طلاب المعاهد الأزهرية في بداية المرحلة الإعدادية، لترسخ قاعدة لا خلاف ولا جدال فيها، لكن مع تقدم المراحل، تصبح هناك علوم التفاسير واختلافات العلماء، جميعها تدور حول النص القرآني والنبوي –إن تأكد سنده وصحته- شرط ألا تختلف معه وإلا تصير باطلة.

بين الحين والآخر، يتفنن البعض في إثارة المسكوت عنه أو ما حسمه الدين ولم يعد هناك خلاف فيه بين الفقهاء، تارة بحسن نية حول فتح باب الاجتهاد مرة، وأخرى كتقديم رؤية جديدة للنص، وكثيراً يرد النص القرآني تلك الاجتهادات وتغلق مجدداً.

مؤخراً، أثارت أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، آمنة نصير، جدلاً واسعا، بعد تصريحات تلفزيونية قالت فيها: "لا يوجد نص شرعي يمنع زواج المسلمة من شخص من أهل الكتاب (مسيحي أو يهودي)، وأن: "غير المسلم، المسيحي واليهودي، وهم أهل الكتاب، والقرآن إلى سماهم كده، يعني مهماش عباد أصنام يعني مهماش منكرين لله سبحانه وتعالى لكن لهم ديانة أخرى تختلف عننا".

وأضافت: "في مثل هذه الحالة إذا هو (الزوج) طبق ما يطبقه المسلم عندما يتزوج بالمسيحية أو باليهودية بأنه لا يكرهها على تغيير دينها ولا يمنعها من مسجدها ولا يحرمها من قرآنها ولا يحرمها من أداء صلاتها"، مستطردة: "الأولاد في هذه الحالة يتبعوا مين؟.. الأولاد يتبعوا الأب.. ولذلك كان رأي الفقهاء بأنهم يرفضون زواج المسلمة من غير المسلم من الكتابي خشية بأن تتسرب البنات المسلمات ويذهبن إلى المسيحي واليهودي وهنا سيتناقص عدد المسلمين".

الأمر في ظاهرة يخالف النص القرآني الصريح، والمتعدد في مواضع في القرآن الكريم، على رأسها، ما جاء في سورة البقرة: "وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ".

النص القرآني حدد القاعدة، واجتهد العلماء في التفاسير والعلل، فأجمع علماء الأمة على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مهما كانت ديانته، وذلك لقوله تعالى- السابق ذكره- ولقوله تعالى في سورة الممتحنة: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ".

فند ابن قدامة في المغني في شرح قول الخرقي، علل حرمة الزواج: "ولا يزوج كافر مسلمة بحال. قال: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم، منهم: مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. ولذا فكون النصراني يعتقد أن عيسى ليس ابن الله لا يجعله مسلماً، بل لا يكون مسلما ًإلا إذا نطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام مع الإقرار بمقتضاهما والعمل به. وما لم يفعل ذلك فهو كافر غير مسلم، ولا يجوز زواج المسلمة منه بحال.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، جاء في كتاب الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224 ]، قيل أن المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام "، وهو ما وافقه الإمام الرازي: "فلا خلاف ها هنا أن المراد به الكل-أي جميع غير المسلمين- وأن المؤمنة لا يحل تزوجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة ". [ التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير: ج1 ص 258].

ويقول الإمام الشافعي في كتابه [ أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189 ]، إن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان يعني قوله عز وجل: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين وما لم يختلف الناس فيما علمته".

وتطرق الإمام الكاساني في كتابه [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271]، إلى أمر ولاية غير المسلم على المسلم، فقال: "لا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: { أولئك يدعون إلى النار }. [ سورة البقرة: 221 ]. لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراماً. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }. [ سورة النساء: 141 ]. فلو جاز نكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز".

كل ما سبق شرح لعلل التحريم، إن غابت عن البعض، إضافة لأخرى من مرجعية الولد لوالده، فالأب غير المسلم قد يجبر ابنه من المسلمة على الخروج من الإسلام ويهودّه وينصرّه وهذا في الشرع محرم، حيث يشترط في زواج المسلم من كتابية أو مشركة عدم وقوع الضرر بألا تخرجه من دينه أو تحارب شعائره أو تجعل أبناءه على دينها، وهذه شروط يجب توفرها قبل الزواج.

وخلال عام 2016، وتحديدًا في مارس، أجاب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، عن عدد من أسئلة أعضاء البرلمان الألماني "البوندستاج"، عقب إلقاء كلمة وجهها إلى العالم، من مقر البرلمان الألماني، وتحدث فيها عن زواج المسلمة بغير المسلم، قال فيها: "الزواج في الإسلام ليس عقدًا مدنيًا كما هو الحال عندكم، بل هو رباط ديني يقوم على المودة بين طرفيه، والمسلم يتزوج من غير المسلمة كالمسيحية مثلا؛ لأنه يؤمن بعيسى عليه السلام، فهو شرط لاكتمال إيمانه، كما أن ديننا يأمر المسلم بتمكين زوجته غير المسلمة من أداء شعائر دينها، وليس له منعها من الذهاب إلى كنيستها للعبادة، ويمنع الزوج من إهانة مقدساتها؛ لأنه يؤمن بها؛ ولذا فإن المودة غير مفقودة في زواج المسلم من غير المسلمة، بخلاف زواج المسلمة من غير المسلم، فهو لا يؤمن برسولنا محمد، ودينه لا يأمره بتمكين زوجته المسلمة- إن تزوجها- من أداء شعائر الإسلام أو احترام مقدساتها؛ لأن الإسلام لاحق على المسيحية؛ ولذا فهو يؤذيها بعدم احترام دينها والتعرض لرسولها ومقدساتها، ولذا فإن المودة مفقودة في زواج المسلمة من غير المسلم؛ ولذا منعها الإسلام".

يرد البعض بأنه طالما يحل للرجال الزواج من غير المسلمات، فهناك شبهة يرد عليها بالأحكام التي تطرق لها العلماء، حيث يحل للمسلم أن ينكح غير المسلمة إن كانت نصرانية أو يهودية، ولا يحل له أن ينكح امرأة من غير المسلمين تدين بغير هاتين الديانتين والدليل على ذلك قوله تعالى : (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان .. ) في سورة المائدة.

وعلق الإمام الطبري في (تفسير الطبري 6/104)، في تأويل هذه الآية: "(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) يعني : والحرائر من الذين أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم أيها المؤمنون بمحمد من العرب وسائر الناس أن تنكحوهن أيضاً ، ( إذا آتيتموهن أجورهن ) يعني : إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتكم ومحصناتهم أجورهن وهي مهورهن "

ولكن لا يحل له أن ينكح المجوسية ولا الشيوعية ولا الوثنية أو ما يشبههم، والدليل على ذلك قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم)، وحال وقوع غير ذلك في هو زنا، وتحايل على الشرع.

وبعد موجة كبيرة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بررت أستاذ العقيدة والفلسفة آمنة نصير، تصريحات التي تم طرحها على لسانها خلال الساعات القليلة الماضية وذلك حول إباحتها زواج المسلمة من غير المسلم، بأن إجابتها على السؤال كانت رد على واقعة حقيقة موجودة في أمريكا حيث تزوجت فتاة مسلمة من شخص غير مسلم من أهل الكتاب حيث يباح الأمر عند الضرورة فقط وليس بوجه عام.

وأضافت انه يجب أن يتم التفريق بين الكافر الوثني وبين أهل الكتاب حيث أنه يوجد تفرقة عقائدية فالمسيحي واليهودي من أهل الكتاب وليسوا وثنين، وهذا كان ردي على تلك الواقعة الخاصة بالمسلمة الأمريكية التي تزوجت من المسيحي هناك. فهي لم تتزوج وثني بل تزوجت شخص من أهل الكتاب وتكون تلك الواقعة موجودة ويجب الرد عليها ويعتبر هذا زواج وليس زنا كما يردد البعض حيث أن الزواج من أهل الكتاب مباح عند الضرورة وليس إنكار ولا أؤيده ولكن الرد على واقعة حدثت بالفعل.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق