114 سنة.. لماذا الأهلي بمن حضر؟

السبت، 24 أبريل 2021 09:33 م
114 سنة.. لماذا الأهلي بمن حضر؟
شعار التاسعة يا أهلي
كتب- السعيد حامد

يسأل مذيع القناة السويسرية ضيفه المدير الفني: الأهلي لديه 12 مليون متابع على فيسبوك، و6 ملايين على إنستجرام، وأيضا تويتر 6 ملايين، كل هذه الأعداد من المتابعين! ما حجم هذا النادي، يرد المدرب: لأن النادي الأهلي كبير جدا، وهذا شيء غير معقول!، يواصل المذيع حديثه عن رحلة ضيفه التدريبية القصيرة، في مصر، قبل أن يسأله مجددا: هناك معايير وقواعد للتعامل مع اللاعبين، وهذا أمر متعارف عليه، ما هي الطريقة التي تعاملت بها مع اللاعبين (يقصد لاعبي الأهلي)؟ ليرد المدرب: اللاعبون فخورون جدا بما قدموه معي، وأنا كذلك، وأنا كنت دائما أحب التحدي، اللاعبون في الفريق موهوبون بشكل لايصدق، سأخبرك بشيئا على سبيل المثال، صلاح لم يكن موهوبا بشكل كاف عندما كان يلعب في بازل، ولكننا اليوم نرى موهبته، إنه قوي جدا في النواحي الفنية والبدنية، اللاعبون- أي لاعبي الأهلي- لديهم فخر كبير بعدد المتابعين لهم في السوشيال ميديا، وعدد الإعجابات لهم، ولكنهم أقوياء على المستوى الفنى ولديهم الموهبة. إذن لقد كانت نزهة على حبل مشدود، يرد المذيع.
 
ربما يفسر هذا الجزء من مقابلة المدرب السويسري رينيه فايلر، مدرب فريق الأهلي السابق، مع قنوات بلاده، بعد رحيله عن تدريب الفريق، لماذا دائما كان الأهلي بمن حضر، حتى في أحلك وأصعب الأيام التي مرت على الفريق الأحمر، إذ يبدو الأهلي وقد اختار- ومنذ زمن بعيد- أن يصنع هوية وشخصية، لا تشجع ولا تنتمي سوى للفريق؛ فالقميص الأحمر هو من يصنع المجد ويكتب التاريخ.. الأهلي بمن حضر، لأن شخصيته حاضرة دوما لإنقاذ الفريق، حين تشتد معاركه وتضعف قوته.. الأهلي بمن حضر، لأن جماهيره وإدارته، لا ترضى الأهلي، سوى أن يكون: بمن حضر.
 
لكن، لماذا حقا الأهلي بمن حضر؟ يبدو سؤالا مهما، في وقت يرى فيه خصوم الفريق الأحمر، أن هذه أكذوبة وشائعة أهلاوية، ترددها وسائل الإعلام الحمراء فقط، مقدمين مباريات ومواجهات فاصلة خسرها الفريق، حين غابت عن قائمته، أسماء لاعبيه اللامعة، دليلا دامغا على أن الأهلي بمن حضر، ليس أكثر من شعار، بل وأنهم الأحق بكل ألقاب وأمجاد القميص الأحمر، غير أن أرقام الشامبيونزليج الإفريقي وحدها، تنصف الأهلي، وتظهر صدق مقولته، فمن بين 13 نهائيا إفريقيا- في دوري أبطال أفريقيا بمسماها الجديد والقديم- لعبها الأحمر، خسر 4 مواجهات فقط، محققا 9 ألقاب، بينها 4 ألقاب خارج الديار، ولقب على أرض محايدة، كان أمام الجار، نادي الزمالك في استاد القاهرة.

المعرفة سلاح بناة الأهلي
 
حين شرع بناة الأهلي لأول مرة في تأسيس النادي، كانت المعرفة هي سلاحهم الأقوى، الذي استخدموه ليضعوا النادي في مصاف الأندية الكبيرة والمتطورة، ولو بالقدر القليل، ليصبح بالأخير سلوكا ومنهجا، حافظ عليه كل من تعاقب على إدارة النادي، مهما تغيرت الأسماء، وظلت المعرفة، والتطلع إلى ما هو أفضل، قانونا ودستورا يحكم النادي، حتى أن كل أجنبيا عمل داخل جدران الأهلي، عده ووضعه في مصاف الأندية الأوروبية، بسبب احترافيته ونظامه، مهما كان بهما من عيوب، لكن بقى الأهلي أفضل من يطبق الاحتراف، في رأيهم.
 
الأهلي لم يستفد فنيا فقط من من المدربين أو الشركات الأجنبية، الذين تعامل معهم، طوال تاريخه، بل استفادا ثقافيا وفكريا، بشكل ما أو بأخر، لقد كانت تجارب المدارس الكروية المختلفة في الأهلي مدخلا مهما لاستقدام كل الأفكار والتجارب الأوربية والغربية الناجحة إلى غرفة ملابس الفريق الأحمر، والطريق الذي مهد للنادي انطلاقته، وصبغه بهوية وشخصية، جديرة بالتقدير، تختلف كليا عما يتواجد في السوق المحلي.
 
مثلما كان الأهلي، أول نادٍ للمصريين في مصر، كان هو أول ناد أفريقي يسعى خلف التطور والحداثة، ينظر بعيدا عن قدميه، حيث موطن كرة القدم وسحرها، يعقد بروتوكلات وتؤامات، لاستلهام تجارب الأندية الكبيرة، كل هذا جعل من الأهلي يسير على الطريق الصحيح، وقادته معرفته الكبيرة والمتنوعة لتحقيق كل المجد والانتصارات المدوية، ومنحته القدرة ليكون أكثر هدوء وحكمه، حين تعصف به الأزمات، وتتخبطه المشكلات.
 
لقد كانت المعرفة ووسع أفق القائمين على النادي، هي من أوجدت لقاء القمة لأول مرة قبل سنوات طويلة، وتحديدا في عام 1917، بعد أن أبدى الأهلي ترحابه لإظهار قوة الأندية المصرية أمام فرق الحلفاء العسكرية، التي أسستها بريطانيا في مصر، ووافق على التعاون مع نادي المختلط (الزمالك حاليا)، الذي كان تحت سيطرة الأجانب آنذاك، من خلال إِقامة مباراة على أرض كل فريق، تنافس فيها الفريقان، وكانت المباراة الأولى في يوم 9 فبراير عام 1917 على ملعب الزمالك، وفاز الأهلي بهدف نظيف، سجله عبد الحميد محرم؛ ليخلد اسمه في تاريخ سجلات الكرة المصرية، كأول هداف للقمة.
 
«الأهلي فوق الجميع» منذ نشأته
 
يعتقد كثيرون أن شعار «الأهلي فوق الجميع» بدأ مع أسطورة الأهلي والكرة المصرية صالح سليم، لكن في الحقيقة الأهلي كان فوق الجميع، منذ اللحظة الأولى لانطلاق أو مشاركة رسمية له في عام 1918، فبعد أن رفض الأهلي التنافس مع أندية الحلفاء الأجنبية على بطولة كأس السلطان حسين في نسختها الأولى عام 1917، عادت وقررت إدارة النادي مشاركة الفريق في بطولة عام 1918، وقبل انطلاق البطولة تقدم 6 لاعبين بطلب لترك النادي للانضمام إلى فريق آخر، فما كان من إدارة الأهلي بقيادة عبد الخالق ثروت، إلا قبول الاستقالة الجماعية، مع قرار بمنع اللاعبين الستة من دخول النادي لمدة عام، وكانت النتيجة أن تراجع 4 لاعبين من الستة عن الطلب، مع تقديم اعتذار لإدارة النادي، التي سمحت بعودتهم إلى صفوف الفريق.
 
اختار الأهلي منذ ولادته على ما يبدو، أن لا تعلو مصلحة فوق مصلحة النادي، هكذا قدم نفسه إلى جمهوره وخصومه، فصار الشعار حقيقة وعقيدة تتوارثها أجيال وأجيال، وبات الأهلي قطار سريعا لا ينتظر أو يتوقف سوى عند الوصول إلى وجهته مهما كثر ركابه أو رحاله، يتمرد عليه لاعبون ويرحل عنه نجوم، ويبقى هو فوق الجميع، ومهما لاطمته أمواج المستطيل الأخضر، يقف الأهلي شامخا دون أن تنكسر رايته، وربما ظهر هذا جليا في أزماته الأخيرة مع اللاعبين الراحلين، تذبذب أداء الأهلي وضعف، لكن خرج كالعادة منتصرا لذاته محققا كل الألقاب المتاحة أمامه.
 
في الأهلي يعلم ويدرك الجميع، أن النادي الأحمر هو صاحب الفضل الأول والأخير، أو كما قال أسطورته الخالدة، محمود الخطيب: «الأهلي خيره على أي حد»، ومهما انشق عنه لاعب أو مدرب، كبير كان أو صغير، يرفض جمهوره الغفير إلا أن يكون الأهلي فوق الجميع، بينما ظل خصومه، ينسبون أنفسهم إلى أشخاص تارة أو إلى مناطق جغرافية تارة أخرى، يفتشون عن الحجج لتبرير هزائهم وانكساراتهم.
 
نظام راسخ وكوادر ملهمة
 
دائما ما صنع النادي الأهلي كوادر إدارية تناوبت على خدمته وتشرفت بقيادته على مر العصور، ولعل المايسترو صالح سليم، خير شاهد، على إفراز القلعة الحمراء لشخصيات إدارية أثرت في الكرة المصرية عبر تاريخها، إذ كان النظام والتقاليد الأهلاوية جزء من شخصيتها وبوابتها لتحقيق الإنجازات والبطولات مع الفريق الأحمر، ويمكن أيضا تفسير هيمنة الأهلي على البطولات المحلية والإفريقية بأن إمكانياته المادية والبشرية والمعنوية كانت أعلى باستمرار من المنافسين، وهذا مكنه- أي الأهلي- من بناء شعبية جارفة ونفوذ واضح مقارنة بباقي الأندية.
 
يقول طه إسماعيل، أحد أبرز نجوم الأهلي في خمسينيات القرن الماضي، في أحد تصريحاته الصحفية، إن كرة القدم تعتمد على التنظيم قبل التكتيك واللياقة البدنية، والأهلي منذ نشأته يمتلك نظاما مؤسسيا صلبا غنيا بالكوادر الإدارية المُتميزة، التي نجحت في فرض الانضباط وبث الحماس في اللاعبين. ويضيف إسماعيل: «تبحث بيئة الأهلي دائما عن المثالية والكمال، وتتخذ من العمل الجماعي ركيزة لها. هذه السمات تفسر سيطرة النادي على بطولة الدوري التي تمتد لأسابيع طويلة وتحتاج لاستقرار إداري وعمل جاد ومستمر».
 
طوال الوقت كان يمتلك منافسو الأهلي أكثر من جيل موهوب، لكن آفتهم الدائمة- كمال يقول طه إسماعيل- كانت هي عدم الاستقرار الإداري، ففي منتصف التسعينيات، تقدم فريق الأحلام للزمالك على الأهلي بفارق 13 نقطة، لكنه خسر الدوري في نهاية المطاف، شعار روح الفانلة الحمراء لم يأت من فراغ، جاء من التخطيط وفرض النظام، قد يخسر الأهلي بطولة أو مواجهة، لكنه لم يخسر أبدا جمهوره أو نظامه أو مبادئه، حافظ الأهلي على أسلوبه وطريقته في الإدارة، فامتلك كل البطولات وصال وجال في كل ملاعب القارة السمراء، دون أن يبالي.
 
لا وقت للمؤامرة
 
في وقت غط فيه منافسو الأهلي في سبات عميق وتلكؤ بالمؤامرات، مضى الفريق الأحمر متسلحا بالعلم والإرادة الحرة ليشق طريقه بنفسه، مدركا أن التحديات الكبيرة والصعبة هي ما تصنع الفرق وتحدد الهوية، وبينما استطاع «الفاشلون» أن يقنعوا جمهور الفرق المنافسة، أن «المؤامرة الكونية» والأسباب الخارجية، هي من صنعت اسم الأهلي ومجده وتاريخه، وعصفت في المقابل بفرقهم، كانوا في الحقيقة هم من فشلوا في إدارة أنديتهم، دون أن يحققوا أي مجد يذكر، غير التلاعب بمشاعر الجماهير وإطالة أمد الجلوس على كراسي الإدارة.
 
الأهلي، حافظ طوال مشواره على كل ثوابت الآباء المؤسسين، الفنية والإدارية والمالية، وأولها تحمل المسئولية بشجاعة، دون الحاجة لتبرير الفشل أو اتخاذ قرارات سيئة، بحجج واهية وغير حقيقية، ولعل هذا هو سر نجاح منظومة القلعة الحمراء، وأيضا السر وراء حصده عديد من البطولات، «فالأهلي ليس له علاقة بنظرية المؤمراة والتحكيم» كما يقول نجوم الكرة، إذ ظل التحكيم شماعة قديمة ودائمة الحضور بالنسبة للمنافسين، الذين يمتلكون قواعد جماهيرية كبيرة، لكنهم لا يحسنون الإدارة، بل أن أندية منافسة للأهلي تصنع من بعض نجومها آلهة وأساطير فوق اسم ومصلحة أنديتهم نفسها، بينما في الأهلي النجم الأوحد والأسطورة الوحيدة هو الفريق الأحمر، مهما بلغ احترام وتقدير الأهلي وجمهوره، لنجومه وأساطيره.
 
حقق الأهلي بطولاته وألقابه، بالتخطيط والعمل المتواصل ومجهود اللاعبين، إذ يفرض الأحمر نظاما وانضباطا والتزاما، على كل العناصر في النادي، ومهما بلغت أخطاء هذا النظام، فإنه لا شك الأفضل والأنجح إن لم يكن في الشرق الأوسط، ففي مصر والقارة السمراء، لذلك يفوز الأهلي بالبطولات والمواجهات الصعبة التاريخية والتحديات الكبيرة، وحين يخسر الفريق المباريات ويشتد الصعاب، يثبت القيمص الأحمر، أن الأهلي حقا بمن حضر.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق