إثيوبيا تدخل نفق الحرب الأهلية

السبت، 31 يوليو 2021 08:00 م
إثيوبيا تدخل نفق الحرب الأهلية
طلال رسلان

آبي أحمد يصر على تصعيد الصراع العراقي ويسلح مليشيات خاصة لإيقاف انتصارات شعب التيجراي

مسؤول بمنطقة جوجام يعترف: أرسلنا أكثر من ألفي عنصر من الميليشيات إلى جبهة القتال.. ومنظمات دولية توثق انتهاكات الحكومة في تقرير

 

مع تصاعد النزاع في الداخل الإثيوبي يوما تلو الآخر، بات واضحا أن البلاد على أعتاب حرب أهلية أكثر من أي وقت مضى.

وأكد مراقبون دوليون أن الساحة الإثيوبية تشهد مؤخرا عمليات حشد واسعة لعناصر مليشيات مدججة بالأسلحة، ترتبط بشكل أو بآخر بحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، في مناطق تابعة لإقليم تيجراي المتوتر، فيما ينذر بدخول البلاد في دوامة جديدة من العنف العرق ويدفعها إلى مشارف حرب أهلية.

لم يجد آبي آحمد أمامه سوى توسيع رقعة الصراع في الإقليم المضطرب ودفع البلاد إلى الهاوية أكثر، للتغطية على خسائره أمام مواطني التيجراي الذين حققوا انتصارات على أرض الواقع في الزحف نحو العاصمة أديس أبابا، ونزيف حاد في القوات الحكومية الإثيوبية.

على مدار الأيام الماضية، تناقلت وسائل إعلام عالمية مشاهد لوقوع عدد كبير من قوات آبي أحمد في الأسر لدى قوات من التيجراي، إضافة إلى آلياته العسكرية التي ظهرت بحوذتهم واستولوا عليها، بعد إصراره على تأجيج الصراع في الإقليم الذي يعاني مواطنيه ويلات الحرب والقمع والتشريد.

على أرض الواقع، عمل آبي أحمد على ضم مليشيات من ست مناطق أخرى إلى قواته لم تكن منخرطة من قبل في الصراع في تيجراي، ومنها منطقة أوروميا وهي الأكثر اكتظاظًا بالسكان في إثيوبيا، وكذلك منطقة سيداما والمنطقة التي يُطلق عليها "المنطقة الصومالية" فضلا عن منطقة "الأمم والجنسيات والشعوب الجنوبية".

وبات واضحا أن آبي أحمد يهدف من وراء خطوة تصعيد حرب المليشيات في إثيوبيا نحو التيجراي، إلى دخول البلاد في حرب أهلية، في محاولة لإيقاف انتصارات شعب التيجراي، وخاصة مع إعلانهم قطع الطريق الدولي الذي يربط إثيوبيا بدولة جيبوتي، ومن ثم حصار أديس أبابا وإسقاط نظام آبي أحمد رئيس.

قبائل عرقية وصراع مشتعل

من المعروف أن نظام الحكم في إثيوبيا ذات طابع فيدرالي، وتنقسم البلاد إلى عشر ولايات إقليمية على أسس عرقية تتمتع بالحكم الذاتي إلى حد كبير، فيما يملك كل إقليم قواته الخاصة وصارت جميعها الآن تتجه نحو الاستقلال، إضافة إلى ميليشيات محلية تشبه إلى حد كبير وحدات الحراسة.

وفي آخر تصريح يدل على دخول على مشارف الحرب الأهلية، ما نقلته وكالة بلومبرج عن سيمينهي أياليو - مسؤول في منطقة جوجام في أمهرةـ قوله "لقد أرسلنا أكثر من ألفي من عناصر الميليشيات إلى جبهة القتال".

وفق لمؤشرات دولية، لجأ آبي أحمد للمليشيات ومرتزقة الحروب للزج بهم كوقود للحرب بعد نزيف الخسائر الذي لحق بقواته أمام قوات التيجراي، وتم تزويد عناصر ميليشيات رئيس الوزراء الحائز على نوبل للسلام ببنادق كلاشينكوف وربما حصلوا على تدريب بدائي للغاية، لكن المأساة أن أفراد هذه الميليشيات ربما يُنظر إليهم باعتبارهم وقودا للحرب، ومن ثم يتوقع خبراء عسكريون سقوط عدد كبير من الضحايا إذا لم تلجأ هذه المليشيات إلى عمليات الانتحار الجماعي أو الاستسلام أمام قوة التيجراي.

وتأتي خطوة آبي أحمد بحشد الميليشيات تزامنا مع ما كشفته تقارير من الداخل الإثيوبي تؤكد توغل قوات تيجراي في مناطق تحتلها مجموعات من عرقية الأمهرة في الإقليم، إضافة إلى توغلهم أيضا في منطقة عفر المجاورة للإقليم وتحديدا من الشرق.

ونقلت وسائل إعلام دولية عن أحمد كلويتا المتحدث باسم إقليم عفر الإثيوبي، قوله إن "مقاتلين من تيجراي عبروا إلى الإقليم السبت الماضي ولا تزال قوات الإقليم تشتبك معهم حتى الإثنين".

ومنطقة عفر ذات أهمية استراتيجية بسبب أنه يمر خلالها طريق وخط للسكك الحديدية (يربط العاصمة أديس أبابا بدولة جيبوتي). وإذا تمكنت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من قطع خط السكك الحديدية، فإن مليشيات آبي أحمد لن يكون بمقدورها الوصول إلى الميناء.

آبي أحمد يتورط في جرائم ضد الإنسانية

على مدار الأيام الماضية، لم تتوقف دعوات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى الانسحاب السريع للقوات الموالية لآبي أحمد وحلفائه وإلى وقف فوري لكافة انتهاكات حقوق الإنسان في تيجراي.

وخلال الشهور الثمانية الأولى من الصراع، حصلت منظمات حقوقية على العديد من الشهادات بشأن وقوع ما وصفته بجرائم الحرب وفظائع واسعة النطاق شملت جرائم اغتصاب جماعية ومذابح وأعمال نهب وسرقة بمباركة آبي أحمد، ضد شعب التيجراي.

ومنذ ذلك الحين، وتحذر المنظمات الدولية من أن القتال المستعر في تيجراي يعرض مئات الآلاف من سكان الإقليم إلى خطر المجاعة فضلا عن أنه يعوق إيصال المساعدات إلى الإقليم.

وفي خطوات لإشعال الصراع والانتهاكات، عمد آبي أحمد مجددا إلى قطع تام للاتصالات بما في ذلك خطوط الهاتف وخدمة الإنترنت منذ انسحاب قواته من إقليم تيجراي للتعتيم على جرائمه هناك، ويفرض قيودا صارمة على عمل الصحافيين ويلاحقهم بالاعتقالات والاغتيالات.

وتهدد خطوة آبي آحمد بالزج بالمليشات في الصراع مع تيجراي بتعرض الإقليم لكارثة المجاعة وللمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان بل وخروج الأمر عن نطاق السيطرة، جراء تداعيات انخراط ميليشيات آبي أحمد في الصراع.

وأشار محللون دوليون إلى أن الوضع في الداخل الإثيوبية يشتعل بالصراع العرقي، ويتطور بشكل خطير للغاية إذ إن هناك العديد من الجماعات تقاتل، وتمهد هذه الأوضاع الطريق أمام وقوع كارثة حقيقة قد يزيد ضحاياها على ما وقع في رواندا من أعمال العنف عام 1994 بين قبائل الهوتو والتوتسي أسفرت في حصيلتها عن مقتل نحو 800 ألف شخص في غضون مائة يوم فقط.

فيما يستمر رئيس الوزراء الإثيوبى في تأجيج الصراع بتصريحاته اليومية، إذ استخدم كلمات مثل "المخدرات" و"السرطان" و "المرض" في الإشارة إلى جبهة تحرير تيجراي، وتمثل تصريحاته خطابا خطيرا للغاية يرقى إلى خطاب الإبادة الجماعية.

سد النهضة.. فشل لعبة آبي أحمد

ومن الواضح أن الضجة الكبرى في لعبة أزم سد النهضة الإثيوبي التي افتعلها آبي أحمد واستخدم فيها سياسة التعنت لتضييع حقوق دول المصب، فشلت بعدما راحت محاولات رئيس الوزراء الإثيوبي في مهب الريح التغطية على فشله في إدارة أزمات البلاد، وأولى هذه الأزمات هى الديون الضخمة بسبب التضارب في القرارات الاقتصادية والانخراط في حروب أهلية كبدت البلاد ديوناً طائلة.

وسط الأزمات التي غرقت فيها إثيوبيا، ظهرت كارثة اقتصادية أخرى على البلاد، عندما طالب آبي أحمد بإعادة هيكلة مليار دولار إضافي من الديون الخارجية لفترة سماح تصل إلى ست سنوات وتمديد أجل الاستحقاق عشر سنوات، وتم تأجيل دفع 2.5 مليار دولار من أصل الدين والفوائد لمدة 5 سنوات من قبل الدائنين التجاريين بموجب أول خطة لإعادة هيكلة الديون الخارجية.

لم يستطع آبي أحمد إخفاء أن البلاد فقدت 2.3 مليار دولار منذ اندلاع الصراع فى تيجراى فى نوفمبر 2020، لكن هذه التكلفة لم تأخذ فى الاعتبار الإنفاق العسكرى أو فقدان سبل العيش والوفيات والإصابات بين المدنيين، فضلا عن فقدان ساعات من الإنتاجية الاقتصادية بسبب قرار المدنيين من الخطر.

الكارثة الأكبر في إثيوبيا كشفتها تقارير أمريكية حول نفاد الطعام والوقود في عاصمة منطقة تيجراي، وهزيمة الجيش الأثيوبى، كما أدى انقطاع الاتصالات في المنطقة، منذ انسحاب القوات الإثيوبية وإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، إلى صعوبة تحديد الوضع في تيجراي وعاصمتها ميكيلي.

وأفادت تقارير دولية بأن القتال ونقص الغذاء يبدد الآمال بوقف إطلاق النار، موضحة أن جبهة التحرير الشعبي فى تيجراى طالبت حكومة أديس أبابا، بأن تسحب الحكومة الفيدرالية كل قواتها وقوات حلفاء من المنطقة الشمالية، ودعت إلى إجراء تحقيق مستقل فى الفظائع التى ارتكبتها قوات إثيوبيا وإعادة حكومة جبهة التحرير فى تيجراى.

 لم تكن الحالة المزرية لحقوق الإنسان، وفق تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، حديثة أو مرتبطة ارتباطا وثيقا بإقليم التيجراي لكنها كانت مستمرة على مدار سنوات طوال بصورتها المنهجية المرتبطة بالصراعات العرقية بطريقة مباشرة، وطالما كانت وقودا لحروب المليشيات المسلحة على مدار سنوات مضت.

حجم معلومات ضخم يتعلق بالأرقام والتقارير التي تناهض الأوضاع المزرية لملف حقوق الإنسان في إثيوبيا، ناهيك عن تقارير المعارضة في البلاد، لكن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المعتمدة سجلت الكثير، منها ما صرحت به ميشيل باشيليت المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بأن الأوضاع فى إثيوبيا مغلقة وملتهبة، وبالتالى فهناك حاجة ملحة لمراقبة وضع حقوق الإنسان من جهة مستقلة.

حكومة آبى أحمد قطعت الاتصالات عن إقليم تيجراى ومنعت الإعلام من تغطية ما يجرى، وبالطبع فإن كل المجازر التى وقعت، لم يعرف أحد عنها شيئا، باستثناءات قليلة مثل الهجوم الذى خلف 204 قتلى فى هجوم شنه مسلحون فى بنى شنقول، والضحايا قتلوا أثناء نومهم.

وبعيدا عن التيجراى فإن منظمة العفو الدولية أصدرت العديد من التقارير ويوثق أحدها ــ وعنوانه «أبعد ما يكون عن إنفاذ القانون» ــ لعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والاعتقال والاحتجاز التعسفى والاغتصاب وحرق المنازل من جانب قوات الأمن خلال الصراعات الداخلية فى العديد من مناطق البلاد، وحتى حينما حاولت قوات الأمن فض الصراعات العرقية، فإنها فعلت ذلك بطريقة وحشية، أما السجون فهى غاية فى السوء وقمع حرية الإعلام فى البلاد يشهد به الجميع، وتم استخدام القوة المفرطة فى قمع المظاهرات. وهناك استغلال جنسى للأطفال واتجار بالبشر وعمل قسرى، وتم إعلان حالة الطوارئ فى العديد من المناطق، وهناك قوانين تجرم الاتصال الصوتى عبر الإنترنت، وتقيد حرية الوصول للإنترنت، وحظرت العديد من القنوات التليفزيونية. هناك عنف جنسى وعادات اجتماعية غريبة تجعل الزواج عن طريق الاختطاف يمثل ٦٩٪ من نسب الزواج، وخضعت ٧٤٪ من النساء بين سن ١٥ ــ ٤٥ لشكل من أشكال تشويه الأعضاء التناسلية والبتر، وهناك تهجير قسرى لآلاف الإثيوبين فى منطقة جامبيلا فقط.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق