يوسف أيوب يكتب: أنت مراقب.. ما الجديد؟

السبت، 31 يوليه 2021 09:00 م
يوسف أيوب يكتب: أنت مراقب.. ما الجديد؟

وسائل التواصل الاجتماعى حولتنا إلى كتاب مفتوح وجعلت التجسس على الهواتف "دقة قديمة"

لا حديث اليوم في الأوساط الدولية يعلو فوق قضية التجسس على هواتف الرؤساء، التي فجرتها تقارير دولية، أشارت إلى تورط شركة في تزويد بعض الدول بنظام لمراقبة وتتبع بعض الهواتف، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تغيير هاتفه ورقمه الشخصى، وتعديل بروتوكولات الأمان الخاصة بمسئولين فرنسيين، بالإضافة إلى فتح تحقيقات داخلية في العديد من الدول خاصة بمراقبة هواتف مسئوليها، والبحث عن الثغرات التي يمكن من خلالها ان تتمكن دولة او منظمة او شركة في الوصول إلى الهواتف المحمولة، والتجسس عليها.

قضية التجسس على الهواتف، ليست وليدة الكشف الأخير، وإنما سبق طرحها للنقاش أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وزاد الاهتمام بها تحديداً منذ ان سيطرت وسائل التواصل الاجتماعى علينا، وزاد معها اعتمادنا عليها، واعتبارها مكون اساسى من حياتنا اليومية، فتحولت هذه الوسائل ومعها الكثير من التطبيقات الالكترونية الموجودة على هواتفنا إلى أسهل طريقة يستطيع الغير-أيا كان هذا الغير- مراقبتنا والتجسس علينا، وتحولت حياتنا إلى كتاب مفتوح لمن يريد ان يقرأ تفاصيله كاملة.

وتابعنا على مدار الأعوام الماضية أزمات تسببت فيها قواعد الخصوصية بوسائل التواصل الاجتماعى، وصلت إلى درجة ان وقف مسئولي بعض من هذه الوسائل مثل "فيس بوك" في جلسات أشبه بالمحاكمة أمام الكونجرس الأمريكي، والسبب كان اختراق خصوصية المستخدمين، وتبقى قصية التلاعب في الانتخابات الرئاسية الامريكية في 2016 هي القضية الأكبر التي كشفت للجميع، كيف يمكن لوسائل التواصل الاجتماعى ان تتحول إلى وبال على المستخدمين، اذا لم نحسن استخدامها ونضعها في نطاقها الصحيح.

والأمر الكارثى في وسائل التواصل الاجتماعى والتطبيقات التي تملأ هواتفنا أنها لا تقتصر فقط على إمكانية التجسس، لإن هناك بعض الشركات يكون مصدر دخلها من بيع معلومات المستخدمين، على سبيل المثال الاسم والبريد الإلكتروني ورقم الهاتف وتواريخ الميلاد وحتى الاهتمامات الشخصية والهوايات، مثل النادى اذى تشجعه، واللون المفضل لك، ومطربك الذى تفضله، وغيرها من الهوايات الشخصية التي من خلالها يمكن استخدامها من جانب شركات الأبحاث أو أي شركة أخرى مهتمة بجمع البيانات والمعلومات الشخصية لإعادة بيعها لشركات أخرى تستفيد من هذه الدراسات والأبحاث في تسويق منتجاتها، وما أكثر هذه الشركات التي لديها اهتمام بمثل هذه المعلومات حتى تتمكن من استهداف العملاء والوصول إليهم بشكل أسرع، لذلك لا تستغرب إذا تلقيت في اليوم اتصالات متتالية من شركات عقارية أو غيرها تعرض عليك بعض منتجاتها، لإنها ببساطة حصلت على هاتفك وبياناتك ومعلوماتك من خلال التطبيقات التي تتعامل معها او وسائل التواصل الاجتماعى.

وهنا تكمن الخطورة، فالمسلة من وجهة نظرى أكبر من فكرة التجسس على هاتف شخصى، وتسجيل المكالمات أو رصد الرسائل المرسلة أو المستقبلة، لكنها تحولت إلى استهداف شخصى للمستخدم نفسه، من خلال إعداد قاعدة بيانات متكاملة عن الأشخاص المستهدفين، يتم استخدامها في أغراض شتى، منها ما هو تجارى كما سبق وأوضحت، وهناك أغراض أخرى اغلبها أمنى.

وتبرز هنا أيضاً مسألة أخرى لا تقل أهمية عن فكرة الاستهداف التجارى او الامنى من خلال التليفون وتطبيقاته او وسائل التواصل الاجتماعى، فكثيراً ما يتم استخدام هذه الإمكانيات لتوجيه الرأي العام، او تشكيل رأى عام تجاه قضية محددة، قد تكون في الغالب سياسية، لذلك نرى نشاط كبير لهذه الوسائل في المناطق التي تشهد انتخابات سواء رئاسية أو برلمانية، أو حتى في بؤر التوترات، وتقوم هذه الوسائل من خلال بعض المستفيدين بقراءة ميول المستخدمين في نطاق جغرافى محدد، والعمل على التأثير عليهم، ببث مواد إعلامية وترويجية تتناسب مع الميول والرغبات التي تم استقائها من خلال مراكز الأبحاث التي تولت اعداد تقارير تفصيلية للمستهدفين في هذه المنطقة او تلك.

والأكثر من ذلك، انه من خلال تطبيقات بسيطة يمكن لاى شخص معرفة مكانك وتحركاتك، خاصة إذا كان تليفونك مرتبط بخاصية تحديد المكان، أو بالخرائط.

المحصلة النهائية أننا بانفسنا وبإرادتنا حولنا حياتنا إلى كتاب مفتوح لمن يريد ان يقرأه في أي وقت، من خلال التفاعل المستمر مع التطبيقات الكثيرة التي يتم تحميلها على هواتفنا، او مع وسائل التواصل الاجتماعى التي باتت مسيطرة علينا بالكامل، وهنا مكمن الخطورة، فالمسألة لم تعد مقتصرة على مراقبة تليفون للاستماع إلى المكالمات الواردة او الصادرة أو حتى الرسائل المتبادلة، وإنما تعدت إلى ما هو أخطر من ذلك، من خلال رصد كل ما يتعلق بشخصية أيا منا، وهنا تحولنا من فكرة الوقوع تحت خط المراقبة إلى التجسس الكامل علينا، الذى سيتحول بمرور الوقت إلى تحكم بالكامل في شخصيتنا، خاصة إذا اتيحت هذه البيانات والمعلومات لمن لديهم القدرة على استخدامها بشكل يمكنها من السيطرة على الشخصية المستهدفة.

أذن ما هو الحل؟.. هل في مقاطعة التكنولوجيا الحديثة بالكامل، وقطع التواصل مع الخير من خلال هجرة وسائل التواصل الاجتماعى!.. بالتأكيد لم أقل ذلك ولا أستطيع، لإن هذه الوسائل باتت ضرورية في ظل العالم الذى تحول إلى قرية واحدة، وفى ظل التطورات التكنولوجية المستمرة والتي لن يكون لكها مدى، لكن الحل ببساطة شديدة أن ندرك اولاً خطورة الوسيلة التي نتعامل معها، ونعرف مزايا كل منها وعيوبها، ونعظم من المزايا ونبتعد قدر الإمكان عن العيوب، والا نجعل هذه الوسائل تتحكم فينا، وان يكتفى استخدمنا لها على الضروريات فقط، لإن ان تكون هي كل شئ في حياتنا.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق