العلمين الجديدة

الثلاثاء، 23 أغسطس 2022 02:18 م
العلمين الجديدة
شيرين سيف الدين

 
دعونا نفكر ونتحدث معاً بهدوء ودون اتهامات أو مزايدات\.
 
انتشر مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي وبين روادها الكثير من اللغط والأحاديث حول مدينة العلمين الجديدة واعتبارها مدينة للأغنياء فقط، والإيحاء بأن الفقير ليس له مكان في وطنه !
 
في الحقيقة حتى الآن أعجز عن استيعاب السبب وراء نبرة الحسرة وشعور البعض بالقهر، وكأن مصر لا تمتلك شواطئ أخرى وأنه لا يوجد شاطئ أو متنزه سوى في العلمين الجديدة، مع أن مساحة سواحل مصر كبيرة ومتسعة باتساع البحرين الأبيض والأحمر، ولن تتوقف حياة أي مواطن ومتعته إذا لم يقضي مصيفه في تلك المنطقة أو المدينة الجديدة لارتفاع أسعارها، ولو أنه فكر قليلا لوجد أن المسافة بينها وبين مدينة مرسى مطروح ليست كبيرة .
 
أما فكرة إنشاء مدن وتخصيص شواطئ لمستوى معين من الرواد فهي فكرة موجودة في جميع دول العالم ولا يجب استنكارها وكأن الأمر مقتصر على مصر فقط !
 
علماً بأن مدينة العلمين بها شاطئ مفتوح وممشى مجاني للمواطنين، ومول تجاري يستطيع أياً من كان دخوله والتجول به مجانا، وحتى وإن اعتبرناها مدينة سياحية تستهدف فئة محددة تستطيع دفع تلك المبالغ الطائلة للتملك بها وبخاصة المستثمرين العرب فأين هي المشكلة؟
 
هل توجد دولة في العالم جميع مدنها وأحياءها تناسب أسعارها جميع الطبقات والفئات؟.. وهل مثلا الولايات المتحدة الأمريكية أو دول أوروبا ومختلف الدول المتقدمة لا توجد بها مدن وشواطئ وأماكن متنوعة في مستواها بحسب مقدرة كل طبقة، ومنها ما هو مخصص لكبار رجال الأعمال والفنانين ولاعبي كرة القدم وغيرهم من المشاهير والأثرياء؟
 
كل من زار أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مثلا شاهد بعينيه الفارق في المستويات المعيشية بين مواطنيها، ومن لم يزرها فبالطبع شاهد أفلامها السينمائية ولاحظ على سبيل المثال لا الحصر أن هناك بعض الولايات والأحياء السكنية في الولايات المتحدة الأمريكية تشتهر بمنازلها الفخمة وقصورها ومتنزهاتها وأماكن السهر الخاصة بالأثرياء والسيارات الفارهة التي تملأ شوارعها، فيما يفترش الفقراء بعض الأرصفة، والبعض الآخر يعيش داخل سيارته الخاصة لأنه لا يمتلك ثمن إيجار شقة، وكمثال آخر توجد في بعض المدن الفرنسية مثل "نيس" أو "كان" منتجعات سياحية خاصة بفئات محددة، حيث تشتهر بشواطئ الأغنياء التي يتوجه إليها أثرياء العالم كي يستمتعوا بالخصوصية بعيدا عن العامة، وغيرها من نماذج لمدن ذات مستوى معيشي مرتفع في دول العالم المختلفة، وهو ما يفيد تلك الدول اقتصاديا بشكل كبير ويدر عليها الأموال سواء أموال أثرياء الداخل أو الخارج، ويسعد جميع المواطنين بوجود مثل هذه المناطق السياحية لعلمهم بفائدتها التي تعم على الجميع سواء بشكل فردي أو على المستوى العام، فإذا كان أصحاب المشروعات ورجال الأعمال يستفيدون فالمواطن العادي يستفيد أيضا، فالسائق والبائع وعامل الفندق والعاملين في تلك الشواطئ وغيرهم من أصحاب المهن حتى البسيطة المرتبطة بتلك الأماكن ينتظرون موسم الصيف لعلمهم بأن عملهم سينتعش ودخلهم سيزيد، وأنهم سيحققون المزيد من المكاسب كلما ازداد عدد السياح ورواد تلك المناطق، هذا هو حال العالم وفكر مواطنيه وبالطبع مصر ليست أعجوبة وهي غير منفصلة عن العالم بل هي جزء منه يسري عليها ما يسري عليه.
 
ومن هنا وبنظرة متفائلة ومتسعة تنظر للأمور بمنطق المكسب والرغبة في الاستفادة من خبرات الآخرين كان لابد لنا من البدء باستثمار ما لدينا من كنوز طبيعية، وإذا كانت العديد من الدول استفادت من بعض شواطئها واستثمرتها بشكل يجذب أموال أثرياء العالم فلماذا لا تحذو مصر حذوهم وتستفيد اقتصاديا بشكل جديد من بعض شواطئها المقابلة لشواطئ أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط؟
 
من وجهة نظري كدارسة للاقتصاد فإن النظرة لأي عائد يجب أن تكون نظرة شاملة لمعرفة الأثر والفائدة المباشرة التي تعود على المواطن والفائدة الغير مباشرة أيضا .
 
فإذا اعتبرنا أن الهدف هو الاستفادة المباشرة بقضاء العطلة في تلك المنطقة فنحن هنا أصحاب منظور ضيق جدا، لأن الهدف الأهم هو المكسب المادي من وراء المشروع ومن وراء رواده، والمستفيد الأول هم أصحاب المشروع والعاملين فيه ثم الدولة التي تحصل على الضرائب والعملة الصعبة التي تمكنها من القيام بالتزاماتها تجاه مواطنيها وبالتالي فالجميع مستفيد .
 
دعونا نشير إلى معلومة هامة وهي أن أغلب مواطني دول الخليج العربي يستثمرون أموالهم في شراء عقارات في دول أوروبية كي يستمتعوا بطقس أوروبا اللطيف وشواطئها الراقية، حيث يقضون فيها معظم عطلاتهم في فصل الصيف، ومنهم من كان يفضل دولة لبنان الشقيقة لانخفاض أسعارها نسبيا وقرب مسافتها وتقاربها الثقافي من حيث اللغة وأسلوب الحياة، ومن المعروف جيدا لدى الجميع أن أكثر السياح إنفاقا للأموال هم سياح دول الخليج، لذا فهم يعتبروا من الشعوب المستهدفة في خطط الجذب السياحي العالمي، وينتظرهم مواطنو الدول السياحية المختلفة بشغف ويرحبون بوجودهم ويقدمون لهم جميع وسائل الراحة والرفاهية، كما تسمح لهم أغلب دول العالم بزيارتها دون شروط مجحفة للحصول على تأشيرة الدخول باعتبارهم مصدر كبير للدخل وللأموال ولانتعاش الأسواق .
 
 إذا فلماذا لا نفتح أبواب المنافسة ونجذب أشقاءنا من دول الخليج الذين بدأوا بالفعل الاتجاه للتملك في الساحل الشمالي ومدينة العلمين الجديدة بعد انبهارهم بجمالها ومنافستها للمنتجعات الأوروبية .
 
في اعتقادي أن الظروف العالمية الحالية والأجواء السياسية المضطربة والأزمات الاقتصادية التي تمر بها الدول الأوروبية ونقص الغاز والسلع والإضرابات التي تحدث في بعض المدن من آن لآخر، بالإضافة للأوضاع الصعبة في لبنان، وأيضا مع ما تشهده دول أوروبا من تغيرات مناخية في الفترة الأخيرة كل تلك الأمور تمنح مصر فرصة ذهبية للمنافسة في اقتحام أسواق الاستثمار العقاري والجذب السياحي يجب عليها اقتناصها، والترويج بكل السبل للبديل المصري ، مع وضع خطط مناسبة لجذب المستثمر والسائح الخليجي تحديدا .
 
من المؤكد أنه في حال نجحت خطة الجذب المصرية في تحقيق هدفها بتحويل مدينة العلمين لمدينة سياحية عالمية كما حدث سابقا مع مدينة شرم الشيخ التي تعتبر مصيف ومشتى لسياح دول أوروبا، ستتحول العلمين أيضا لمصيف خاص بسياح الخليج الباحثين عن طقس وشواطئ صيفية ترحمهم من أجواءهم الحارة، بالإضافة لوجود جامعة يمكنها أن تجذب طلبة تلك الدول أيضا لتصبح العلمين مدينة صالحة للحياة المستدامة طوال العام، ومن هنا ستبدأ  الفائدة المباشرة والغير مباشرة تعم على الجميع بداية من أصحاب المشروعات العقارية وجيش العاملين لديهم ومعهم ، وأصحاب المشروعات السياحية والعاملين لديهم أيضا، وأصحاب المحلات والمطاعم وغيرها ، أضف إلى ذلك زيادة الدخل القومي من العملة الصعبة الواردة لمنطقة كانت منطقة ألغام ميتة لا فائدة منها للمواطن سواء كان غنيا كان أو فقيرا.
 
 أرجوك يا عزيزي المواطن حاول أن تتفهم دور وضرورة جذب الاستثمارات الخارجية التي تعود على الدول بالفائدة، وبالتالي على شعوبها، وابحث عن فوائد الاستثمارات العقارية تحديدا التي لعبت دورا كبيرا في تغيير أحوال الكثير من الدول والمدن مثلما حدث في دبي التي فتحت باب الاستثمار العقاري للأجانب ما ساهم في ضخ أموال كثيرة في خزانتها وانتعاش أسواقها، وتحولها لعاصمة اقتصادية يتجه إليها أصحاب المشروعات، وانظر وتمعن في تجارب العديد من الدول الأوروبية التي تمنح امتيازات متعددة لمن يستثمر لديها في شراء عقار، كمنحه إقامة دائمة أو جواز سفر ومنها من يمنح كل من يشتري عقار مرتفع الثمن الجنسية وغيرها من الامتيازات، وبالطبع لا تمنح تلك الدول كل هذه الامتيازات للأجانب إلا لعلمها بأهمية دور الاستثمار العقاري في رفعة الاقتصاد، وفي إنعاش السياحة والأسواق وفتح أبواب رزق وعمل للمواطنين الذين يدعمون ويرحبون بشدة بخطوات حكوماتهم في هذا الاتجاه .
 
حقيقة أتصور أن يسعد المواطن المصري البسيط عندما يرى مثل تلك المشروعات على أرض وطنه، وأن يوسع فكره ويأمل بأن يكون عنصر من العناصر العاملة والمستفيدة من تلك المشروعات، ومن المؤكد أن له من الأقارب أو المعارف من استفاد بالحصول على فرصة عمل في تلك المشروعات استطاع من خلالها الحصول على راتب أمن له معيشته وأمكنه فيما بعد من اصطحاب أسرته لقضاء عطلة الصيف في أحد المدن الساحلية المناسبة لدخله وليس بالضرورة أن تكون مدينة العلمين الجديدة .
 
في اعتقادي أنه حين يعلم المواطن البسيط الفوائد العامة من هذا المشروع الكبير، سيصبح همه الأكبر هو أن يتم على خير كي تبدأ مصر في جني الفوائد التي تعم على الجميع، ولن تظل نظرته ضيقه ومقتصرة على الرغبة في الاستمتاع وقضاء عطلة في هذا الشاطئ تحديدا دونا عن شواطئ مصر، بل أنه سيتمنى أن تكرر مصر التجربة في أماكن مختلفة .
 
ومن هذا المنطلق أتمنى من الحكومة ومن وسائل الإعلام أن تقوم بحملات توعية بأهمية مثل تلك المشروعات ، وأن تفند للمواطن البسيط الفوائد التي ستعود على حياته وعلى المجتمع ، وأن تدحض كل الأفكار المنتشرة التي تشعره بأن حياته جحيم لأنه لن يستمتع بشواطئ وشقق وفيلات مدينة العلمين، وأن تحارب الأقلام التي توجهه لاعتبار البلد ليست بلده كي تسلبه الشعور بالانتماء لوطنه، وهو ما يسعى البعض لترويجه كي يمرر عيشته ويملأه بالسواد الداخلي وكره البلد دون سبب منطقي أو حقيقي .
 
لذا فلندعو الله جميعا أن يكلل تلك الجهود بالنجاح وأن تحظى مدينة العلمين الجديدة برواج كالذي حظيت به الدول السياحية الكبرى وأن نحقق ما حققته تلك الدول من وراء مشروعاتها المماثلة، وألا نسمع عن عاطل واحد على أرض المحروسة يبحث عن فرصة عمل، فالمشروعات الكبرى هي الأمل في تحسين وضعه المالي والمعيشي وهي التي ستساعده مستقبلا على الاستمتاع وامتاع أسرته ببلده الجميلة .
 

 

تعليقات (1)
نقطة مهمة جداً
بواسطة: Mirette Elsaadany
بتاريخ: الثلاثاء، 23 أغسطس 2022 06:21 م

مهم جداً لفت الانتباه الى نقطة جذب الاستثمارات وتنبيه المواطنين لفائدة ذلك..شكراً للكاتبة المتميزة شيرين

اضف تعليق


الأكثر تعليقا