حكم التنازل عن قضية منظورة أمام القضاء مراعاة لحرمة شهر رمضان المبارك

الثلاثاء، 06 فبراير 2024 04:00 م
حكم التنازل عن قضية منظورة أمام القضاء مراعاة لحرمة شهر رمضان المبارك
منال القاضي

أوضحت دار الافتاء خلال اجابتها على سؤال يقول ، ما حكم التسامح بالتنازل عن قضية منظورة أمام القضاء مراعاة لحرمة شهر رمضان؟ فنحن مقبلون على أيام كريمة في شهر رمضان، وعندي قضية مرفوعة أمام إحدى المحاكم على بعض الأفراد بخصوص أرضٍ بيني وبينهم، وقال لي بعض المقربين بأنه لن يُتقبل لي صيام، ولن يُغفر لي إلا بعد التنازل عن هذه القضية، فهل هذا صحيح؟ وهل يجب عليَّ التنازل عن القضية وعن حقوقي أو على أقل تقدير ما أظنه حقي من باب التسامح؟ وما التسامح الذي يحصل به القبول والمغفرة؟

الجواب
لا ينقص من أجر صيام شهر رمضان المبارك ومن فضائله الكثيرة وجود قضية منظورة أمام القضاء للفصل فيها؛ طالما أن صاحبها متحلِّيًا بآداب التقاضي، ومُدَّعِيًا لحقٍّ مشروعٍ، غير ظالمٍ أو متعدٍّ على حقوق الآخرين، فإن لم يتحلَّ بذلك أو كان ظالمًا لغيره نقص ذلك من أجر صومه على قدر ظلمه ومعصيته.
 
وهو فيما يتعلق بحقه في القضية المنظورة مخير بين التنازل وعدم التنازل عنها، إلا أن المستحسن في حقه إذا كان الأمر يقبل الصلح أو العفو ولا يترتب عليه أمرٌ محرَّمٌ شرعًا ولا مخالف للنظام العام -أن يبادر بأحدهما مراعاة لحق الأخوة في المجتمع، وتعظيمًا للشهر الكريم؛ وامتثالًا للأمر الإلهي بالعفو والمسامحة.

الحكمة من مشروعية القضاء في الإسلام
نصَّبَ الشرع الحنيف القضاة للفصل بين العباد، ورفع الضرر عن المتضررين؛ فبه تحمى الحقوق، وتصان عن الانتهاك، ويزال بوساطته تعدي البعض على الآخرين؛ فيتحقق العدل بين الناس في أقضيتهم، ويتم الفصل في خصوماتهم في دار الدنيا، وإلا فبين يدي الله سبحانه وتعالى تستوفى كلُّ الحقوق، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُم ۝ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: 6-8].

كيفية استيفاء الحقوق عند التنازع
من المعلوم أن الواجبات على قسمين: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد: أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة؛ لأنه تعالى غنيٌّ عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها؛ كما في "تفسير الفخر الرَّازِي" (1/ 204، ط. دار إحياء التراث العربي)، وكما في "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" للإمام النَّيْسَابُورِي (ص: 100، ط. دار الكتب العلمية).
 
والأصل في استيفاء الحقوق أن يتم برضا واختيار مَن عليه الحق، فإذا رفض الأداء أو أنكره؛ كان لصاحب الحقِّ أن يلجأ لرفع دعواه أمام القضاء للفصل في هذا التنازع، وهو حقٌّ مصونٌ ومكفولٌ للكافة؛ بنص الدساتير المصرية المتعاقبة، والمعدل آخرها في 2019م في المادة(98). والقضاء في أصله عنوان للحقيقة، لا يلزم مِن لجوء الأفراد إليه وجود المشاحنة والبغضاء في كثيرٍ من الأحيان بينهم؛ حيث قد يلجأ الأفراد إليه لتقرير أمرٍ أو تقسيم حقٍّ.. مع وجود الاحترام والتقدير بينهما.

الرد على دعوى عدم قبول صيام رمضان مع وجود الخصومة مع الآخرين
ليس في اللجوء إليه -أي القضاء- سواء مع وجود الخصومة والمشاحنة أو عدمه إثمٌ من الناحية الشرعية ولا قطيعة رحمٍ أو خصام في ذلك، خصوصًا مع إحسان التقاضي والتحلي بآدابه، بغية الوصول إلى إنهاء الخصومة القائمة أو تقرير حقٍّ ونحوه.
 
وصيام شهر رمضان واجبٌ على كل مسلمٍ مكلَّفٍ صحيحٍ مُقيم، وله فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ جزيلٌ؛ وهو من أسباب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات؛ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.
 
قال الإمام بدر الدِّين العيني في "عمدة القاري" (10/ 274، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: (إيمانًا)، أي: تصديقًا بوجوبه. (واحتسابًا) أي: طلبًا للأجر في الآخرة. وقال الجوهري: الحسبة، بالكسر: الأجر احتسبت كذا أجرًا عند الله، وقال الخطابي: أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة لإتمامه] اهـ.
 
ولا يقلل من هذا الثواب العظيم وتلك المنزلة الرفيعة وجود قضية منظورة أمام القضاء للفصل فيها؛ طالما أن صاحبها متحلِّيًا بآداب التقاضي، ومدعيًا حقًّا مشروعًا، غير ظالمٍ أو متعدٍّ على حقوق غيره، فإن لم يتحلَّ بذلك أو كان ظالمًا لغيره نقص ذلك من أجر صومه على قدر ظلمه ومعصيته؛ وذلك لأن كلَّ معصية يرتكبها الصائم تنقص من أجر صيامه، ولا يزال يعصي وينقص أجره بفعل معاصيه، حتى يضيع ثوابه من الصيام بالكلية؛ يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ» أخرجه ابن ماجه في "سننه" والنسائي في "السنن الكبرى"، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
 
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (6/ 224، ط. مكتبة دار السلام): [(رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع) محمول على من لم يخلص النية، أو لا يتجنب قول الزور والكذب والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي، فيحصل له الجوع والعطش ولا يحصل له الثواب] اهـ.
 
وفي لفظ آخر: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.
 
قال العلامة المُناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (2/ 29، ط. مكتبة الإمام الشافعي): [يعني أنه لا ثواب له لفقد شرط حصوله من نحو إخلاصٍ أو خشوعٍ، أما الفرض فيسقط طلبه] اهـ. أي أنه يوجد فرق بين أداء فرض الصيام وقبوله؛ بمعنى أن أداء أيٍّ من فروض العبادات الواجبة يسقط فرض أدائها عمن قام بها، فمن صام ولم يخلص في صومه، أو يخشع في صلاته، سقط عنه أداء الفرض، فلا بد أن نفرق بين الأداء والقبول؛ الذي يحصل به الأجر والثواب.

حث الشرع الشريف على العفو عن المسيء ومسامحته عند القدرة
هذا، وقد رغَّب الشرع الحنيف في العفو عن المسيء ومسامحته عند القدرة؛ فإن كانت المعاقبة هي جوهر العدل والإنصاف، فإن العفو هو قمة الفضل والإحسان، وهذا الخلق الكريم هو سمة من سمات وأخلاق الإسلام الذي دعا إليه ورغب فيه في مواضع متعددة؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾ [الحجر: 85]، وقال سبحانه: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 89]، وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ [الشورى: 40].
 
قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (27/ 607، ط. دار إحياء التراث العربي): [﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ [فصلت: 34]، فأجره على الله، وهو وعد مبهمٌ لا يقاس أمره في التعظيم] اهـ.
 
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (16/ 40، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ قال ابن عباس: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو؛ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة] اهـ.
 
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].
 
قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (6/ 57، ط. دار هجر): [قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم، وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم. وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السماوات والأرض، والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها] اهـ.
 
وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (4/ 207): [قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ العفو عن الناس أجلُّ ضُروبِ فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يَعفو وحيث يَتجِهُ حقُّهُ، وكل من استحق عقوبةً فتركتْ له فقد عُفِيَ عنهُ] اهـ.
 
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم؛ قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/ 59، ط. دار الوفاء): [قوله: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": فيه وجهان: أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو، ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه. الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك] اهـ.
 
وقال العلامة ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 586، ط. دار الوطن): [وقوله: "وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": وذاك لأن العافي في مقام الواهب والمتصدق، فيعز بذلك] اهـ.
 
وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" (2/ 693، ط. دار الحديث): [وفي قوله: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا": حث على العفو عن المسيء وعدم مجازاته على إساءته وإن كانت جائزة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، وفيه أن يجعل الله تعالى للعافي عزًّا وعظمة في القلوب؛ لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظم ويصان جانبه ويهاب، ويظن أن الإغضاء والعفو لا يحصل به ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يزداد بالعفو عزًّا] اهـ.
 
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ» أخرجه البيهقي في "الشعب"، والطبراني في "مسند الشاميين" و"مكارم الأخلاق".
 
قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 474، ط. المكتبة التجارية الكبرى): ["واغفروا يغفر لكم": لأنه سبحانه وتعالى يحب أسماءه وصفاته التي منها الرحمة والعفو، ويحب من خلقه من تخلق بها] اهـ.
 
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة يطول المقال بذكرها، وحسبنا ما ذكرناه عبر هذه اللمحات السابقة التي تبين منهج الشرع الحنيف ودعوته إلى العفو والتسامح والتحلي بهما، بما يعود بالنفع على الجميع أفرادًا ومجتمعات؛ إلا أن العفو المأمور به هنا شرعًا هو العفو الذي لا يترتب عليه أمر محرم شرعًا.
 
وفي المقابل فإن صور العفو متعددة؛ ليست قاصرة على العفو عن الظالم الذي يُتمكن منه، وكان بمقدور المرء أن يقاضيه ويأخذ حقه منه، بل يمتد ليشمل كافة زلات المسيئين من أقارب وغيرهم، والحليم من يعفو عند المقدرة، ولو أن الجميع أدركوا هذا الأمر فعفوا عمن أساء إليهم، أو قصروا في حقهم؛ لعاش الجميع في صفاء ومحبة، وهدوء واستقرار، ووجدوا للعمر معنًى، وللحياة طعمًا، وعاش الجميع في سعادة؛ مما ينعكس على المجتمعات بالازدهار والارتقاء.

العفو والتسامح عن الحقوق مع دخول شهر رمضان
إذا كان العفو والتسامح عن الحقوق -فيما يقبل التنازل والتسامح- أمرًا مستحبًّا ومندوبًا إليه مطلقًا في جميع الأوقات؛ كان مع دخول الشهر الكريم -شهر رمضان- أولى وأفضل؛ لتهيئة القلوب، وتصفية النفوس، وإزالة البغضاء والشحناء، وبالتالي الإقبال على العبادة بقلب نظيف، وعقل سليم خالٍ من الوساوس والضغناء؛ عقل لا يشغله شاغل، ولا يمنعه مانع من القيام بالعبادة على أتم وجه وأكمل حال، وبالتالي تحصيل فضيلة الشهر الكريم؛ والتي يأتي في مقدمتها غفران الذنوب وتكفير السيئات.

حثَّ الشرع الشريف على الصلح بين الناس
كما حثَّ الشرع الشريف على الصلح بين المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]؛ قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 406): [قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف: خير على الإطلاق] اهـ.
 
وقال العلامة السرخسي في "المبسوط" (16/ 61، ط. دار المعرفة) في بيان أدب القاضي: [والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، وهذا أيضًا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه دليل جواز الصلح، وإشارة إلى أن القاضي مأمور بدعاء الخصمين إلى الصلح؛ وقد وصف الله تعالى الصلح بأنه خير فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾] اهـ.
 
وقد عرَّف العلامة الحصكفي الصلح بالأثر المترتب عليه فقال في "الدر المختار" (5/ 628، ط. دار الفكر): [(هو) لغة: اسم من المصالحة، وشرعًا: (عقد يرفع النزاع) ويقطع الخصومة، (وركنه الإيجاب) مطلقًا، (والقبول) فيما يتعين] اهـ.
 
وقال العلامة أبو الحسن علاء الدين الطرابلسي الحنفي في "معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام" (ص: 172، ط. دار الفكر) -في باب القضاء بالصلح بين الخصمين-: [الصلح مشروع؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.. ولأن الصلح سبب لدفع الخصومة وقطع المنازعة والمشاجرة، والمنازعة متى امتدت أدت إلى الفساد فكان الصلح دفعًا لسبب الفساد، وإطفاءً لثائرة الفتن والعناد، وشقيقًا لسبب الإصلاح والسداد، وهو الألفة والموافقة فكان حسنًا مندوبًا إليه شرعًا، وركنه الإيجاب والقبول؛ لأنه معارضة] اهـ.
 
ولذا فقد أجاز القانون الصلح بين الخصوم في الدعوى أمام القضاء في أيِّ مرحلة كانت عليها الدعوى، وجعل أثر ذلك الصلح هو الحكم بإنهاء الخصومة القائمة، وذلك بشرط ألَّا يكون الصلح على أمر يخالف النظام العام، كما أفادته المادتان رقم (549) ورقم (553) من القانون المدني المصري.

الخلاصة
بناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه لا ينقص من أجر صيام شهر رمضان المبارك ومن فضائله الكثيرة وجود قضية منظورة أمام القضاء للفصل فيها؛ طالما أن صاحبها متحلِّيًا بآداب التقاضي، ومُدَّعِيًا لحقٍّ مشروعٍ، غير ظالمٍ أو متعدٍّ على حقوق الآخرين، فإن لم يتحلَّ بذلك أو كان ظالمًا لغيره نقص ذلك من أجر صومه على قدر ظلمه ومعصيته.
 
وهو فيما يتعلق بحقه في القضية المنظورة مخير بين التنازل وعدم التنازل عنها، إلا أن المستحسن في حقه إذا كان الأمر يقبل الصلح أو العفو -بالضوابط السابقة- أن يبادر بأحدهما مراعاة لحق الأخوة في المجتمع، وتعظيمًا للشهر الكريم؛ وامتثالًا للأمر الإلهي بالعفو والمسامحة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة