إحياء الآداب المنسية.. أدب الزيارة
السبت، 21 فبراير 2026 04:03 م
شيرين سيف الدين
حين تكون الأخلاق دينًا يُعاش لا شعاراتٍ تُقال..
في زمنٍ ازدحمت فيه الكلمات وقلَّ فيه الأثر، نحتاج أن نعود إلى الأصل والمنبع الصافي الذي شكَّل وجدان هذه الأمة، وربّى أجيالها، وأقام حضارتها ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
فما أحوجنا لاستعادة المعنى الحقيقي للأخلاق، لا بوصفها ترفًا اجتماعيًا أو مجاملاتٍ عابرة، بل باعتبارها عبادةً خالصة، ودينًا يُتقرَّب به إلى الله، وسلوكًا يوميًّا يُترجم الإيمان لواقع نعيشه.
وقد جاء الحديث الشريف «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» ليلخّص رسالة النبي الكريم في اعتبار حسن الخلق جوهر الدعوة وروحها.
فلنبدأ معًا رحلة مراجعة صادقة لأنفسنا، لا لنُدين الآخرين، بل لنقوم اعوجاجنا، ونُحيي في قلوبنا تلك المساحة البيضاء التي أرادها الله لنا مساحة الرحمة، والحياء، والعدل، والإحسان، فما أحوجنا اليوم إلى دينٍ يُرى في سلوكنا، قبل أن يُسمع في كلماتنا.
وأود أن أبدأ اليوم بقضية أخلاقية وذوقية هامة يتغافل البعض عن أصولها وتفاصيلها التي ذكرها الله في كتابه الكريم وهي آداب الزيارة.
شاهدتُ قبل أيام مقطعًا ساخرًا نشرته صديقة لي عبر تطبيق تيك توك، تمزح فيه قائلة: إذا دقّ جرس الباب، فاحملي معكِ جاكيت خروج قبل أن تفتحي، فإن كان الزائر مرحبًا به قولي إنك عدتِ للتو من الخارج، وإن لم يكن كذلك اعتذريِ بأنك على وشك الخروج لموعد مهم!
كانت دعابة خفيفة، لكن ما أثار دهشتي ليس الفيديو، بل سيل الانتقادات التي انهالت عليها، فقد اتهمها البعض بأنها تخالف السنة، وبأنها بعيدة عن أخلاق الإسلام في إكرام الضيف، بل اعتبر بعضهم أن الزيارة دون استئذان مسبق "حق أصيل"، وأن الاعتذار عن الاستقبال أمر مرفوض شرعًا!
هنا توقفت طويلًا.. هل اختلطت المفاهيم إلى هذا الحد؟.. القرآن حسم الأمر.. يقول الله تعالى في سورة النور: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا … فَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾.
آيات واضحة وصريحة، لا تحتمل ليًّا ولا تأويلًا حسب الأهواء، فالاستئذان قبل الدخول أدب قرآني، وأمرٌ إلهي، بل إن الله تعالى أمر بالرجوع إن لم يُؤذن للزائر، وبيّن أن ذلك "أزكى" وأطهر للقلوب.
كلمة (تَسْتَأْنِسُوا) فسّرها أهل اللغة بمعنى تستأذنوا، أي أن الأصل في الزيارة أن تكون بطلب إذنٍ واضح، لا بافتراض حق الدخول، فكيف أصبح الاعتذار عن استقبال زيارةٍ مفاجئة تُهمَة؟ وكيف صار تطبيق النص القرآني خروجًا عن الأخلاق؟..
في زمن النبي عليه الصلاة والزمان وفي العقود الماضية، كان الاستئذان بطرق الباب لأنه لم تكن هناك وسيلة أخرى، أما اليوم فوسائل الاتصال متاحة في كل يد، مكالمة هاتفية لا تستغرق دقيقة، رسالة قصيرة، أو حتى سؤال مسبق "هل يناسبك أن أزورك؟".. فلماذا نُصرّ على المفاجأة، ثم نغضب إن لم يُفتح الباب بالترحاب الكامل؟.
ليس كل بيت مستعدًا في كل وقت، قد يكون لدى أهله موعد مهم، أو عمل عاجل من المنزل، أو ضيوف آخرون، أو مناسبة خاصة لا يرغبون في إعلانها بعد، وقد يكون البيت غير مرتب، أو أهل المنزل في حالة نفسية لا تسمح بالاستقبال، وربما ببساطة يحتاجون إلى بعض الراحة والخلود للنوم، أليس من الذوق أن نمنحهم هذا الحق؟..
حكت لي صديقة واقعة محرجة حدثت مع أسرة من معارفها كانت تستقبل عريسًا وأهله للتعارف الأولي والاتفاق على الخطوط العريضة، وأعدّت الأم عشاءً يكفي الأسرتين وبعد ربع ساعة من جلوسهم، دقّ الباب فإذا بأسرة أخرى من الأقارب قررت زيارتهم "بالمحبة" دون ترتيب، مما وضع أهل البيت في موقف بالغ الحرج، بداية من الإضطرار لإخبارهم أن هناك عريسًا – وهو أمر لم يكن قد أُعلن بعد – ولم يعد الطعام يكفي الجميع، وتوتر الجو، وانصرف أهل العريس دون اتفاق واضح.
فبالله عليكم، هل هذا من الأدب؟.. وهل كان يقبل أولئك الزائرون أن يُفاجَؤوا بالموقف نفسه في بيوتهم؟..
الاستئذان يحفظ الكرامة للجميع والأمر ليس تعقيدًا اجتماعيًا، بل حماية للخصوصية، وصون للبيوت من الإحراج، وحفظٌ للعلاقات من التوتر، فهو يمنع الزائر من الوقوع على ما لا ينبغي، أو أن يدخل في لحظة شجار، أو حزن، أو ظرف خاص، بل إن الله تعالى لم يكتفِ بالأمر بالاستئذان، بل قال: ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.. أمرٌ صريح لا مجادلة فيه ولا عتاب ولا إحراج. فالرجوع عبادة، كما أن الضيافة عبادة.
الآثم هنا ليس من اعتذر بأدب، وإنما من رفض الامتثال لأمر الله، أو اتهم غيره بالتقصير لأنه طبّق النص.
إن إكرام الضيف خلق عظيم، نعم. لكن الضيف في الأصل هو من أُذِن له، أما من يضع الناس أمام الأمر الواقع، ثم يطالبهم بواجب الإكرام، فهو يخلط بين الكرم والضغط الاجتماعي.
لا أفهم كيف أزور أحدًا دون اتصال مسبق في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل أقرب إلينا من أنفاسنا، ولا أفهم كيف ألوم شخصًا لم يكن مستعدًا لاستقبالي بدلا من أن أخجل من تصرفي الذي يفتقر للذوق ويبعد عن أصول الدين؟.. أليست العلاقات تقوم على التراحم، لا على فرض الحضور والاستحقاق الغير مبرر؟!.
نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن الاستئذان فرض، وأن الاعتذار ليس قطيعة، وأن الخصوصية ليست عيبا، بل هي جزء من أخلاق الإسلام التي أمرنا الله بها.
ليت مناهج التربية الدينية من المراحل الدراسية الأولى تُركّز على هذه الآداب القرآنية العملية، لأن أخطر ما في الأمر أن يظهر "الرويبضة" كما وصفهم الحديث فيتحدثوا في شؤون العامة بغير علم، فيشوّهوا الفهم الصحيح، ويحوّلوا الأدب إلى اتهام.
في النهاية، الزيارة وُدّ، لكنها أيضًا مسؤولية، وللبيوت حُرمات وحقوق، والاستئذان ليس إجراءً شكليًا، بل عبادة نصّ عليها القرآن تفصيلًا، فلنُحيِ هذا الأدب الضائع. اتصال قبل زيارة. قبول للاعتذار دون غضب، وإدراك أن "الرجوع أزكى لنا".
بهذا نحفظ بيوتنا، ونحفظ علاقاتنا ونحفظ ديننا من أن يُقال فيه ما ليس منه.