الغزالي والنجاة من نفق الجماعة

الأحد، 08 مارس 2026 02:55 م
الغزالي والنجاة من نفق الجماعة
حمدي عبد الرحيم

مرشد الإخوان حسن الهضيبى فصل الشيخ محمد الغزالى بعد خلافهما فكان رد الأخير: ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون
 
سمعتُ الأستاذ عمر عبد الكافي يحكي عن والد الشيخ محمد الغزالي فيقول: إن والد الغزالي كان بقالًا بسيطًا يمتلك بقالة متواضعة في قرية من قري محافظة البحيرة، وكان يدخر ربحه ليتمكن من السفر إلي الإسكندرية لكي يجلب البضاعة الجديدة التي تحتاجها بقالته، وفي يوم من الأيام وصلت مدخراته إلي عشرة جنيهات، وهذا مبلغ خرافي حسب أسعار ذلك الوقت، وضع الرجل العشرة جنيهات (وكانت ورقة واحدة) في حافظة نقوده وصعد القطار المتجه إلي الإسكندرية، وعند هبوطه في محطة الوصول تمكن لص خفيف اليد من سرقة حافظته منه، وعندها انهار التاجر البسيط جالسًا علي مقعد من مقاعد المحطة يشكو إلى الله ضياع كل ثروته، اللص خفيف اليد فتش الحافظة فلم يجد بها شيئًا وذلك لأن والد الشيخ الغزالي كان قد خبأ ثروته في جيب سحري من جيوبها، وظل يدعو الله أن يعيد عليه ثروته، هنا يأس اللص من أن يجد في الحافظة شيئًا ينتفع به، فقذف بها علي رصيف المحطة في ذات اللحظة التي كان فيها التاجر البسيط يدعو الله بأن يعيد إليه حافظته، فوجئ التاجر بالحافظة على بعد خطوة منه فصاح وقد ذهب عنه تحفظه مخاطبًا المولي عز وجل: "يا رب هات إيدك أبوسها".
 
تلك القصة على طرافتها يمكنها أن تقدم لنا تصورًا عامًا عن الوسط الذي نشأ فيه الشيخ محمد الغزالي، هذا الوسط المصري المحب للدين المكافح في الدنيا، صاحب التعبيرات التي تخرج منه عفو الخاطر فتكشف عن مدي تغلغل الرحمة الإلهية بين جوانبه.
 
وعلى ما سبق فليس مستبعدًا أن تكون رؤية في المنام سببًا لتسمية الشيخ باسمه المركّب الذي أصبح أشهر من نار على علم.
 
يقولون إن والد الشيخ سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة منه بالتيمن بالإمام أبي حامد الغزالي (صاحب إحياء علوم الدين) فلقد رأى الوالد التاجر البسيط في منامه أبا حامد الغزالي الذي قال له "أنه سوف ينجب ولدا ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه".
 
ولد الشيخ محمد الغزالي في قرية نكلا العنب، بمحافظة البحيرة في العام 1917، أتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول عن نفسه: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي".
 
بعد مرحلة الكتاب وحفظ القرآن وتعلم مبادئ الحساب التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة 1937والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وتخرّج بعد أربع سنوات، متخصصُا في الدعوة والإرشاد.
في فترة دراسته نال الشيخ إعجاب أساتذته الذين يأتي على رأسهم الشيخ الإمام محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة.
 
انضم الغزالي في شبابه إلى جماعة الإخوان. بدأ الغزالي الكتابة في مجلات وصحف الإخوان حتى تم تصعيده في هيكل التنظيم ليصل على عضوية مكتب الإرشاد، وبعد حل الجماعة بعد قيامها باغتيال محمود فهمي باشا النقراشي رئيس وزراء مصر، جرى اعتقال الشيخ وباقي قيادات الجماعة وأمضي معهم فترة الاعتقال كاملة في سجن الطور.
 
ما الذي حدث بينه وبينهم خلال فترة الاعتقال؟
ليس ثمة إجابة شافية، ربما كانت فترة الاعتقال فترة مراجعات فكرية، وربما تكشف له من أمر الجماعة ما كان خافيًا عنه، بصفة عامة سيبدأ خلاف الشيخ مع الجماعة بعد تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام.
 
وعن هذه الحادثة المهمة جدًا في تاريخه يقول الغزالي: "إنَّ الذين يحسبون أنفسهم 'جماعةَ المسلمين' يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضرباً من مخالفة الله ورسوله، وطريقاً مُمَهِّدة إلى النار، وبئس القرار! وقد كنتُ أسيرُ مع زميلي الأستاذ/ سيد سابق قريباً من شُعبة المَنيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشُّبّان المفتونين، وأَبَيا إلاَّ إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم'!
 
إنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداء المُرَّ، والأوامرَ التي أوحتْ به، فعزَّ عليَّ أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدَّد سياسةُ الخوارج مرة أخري، فيُلعَن أهلُ الإيمان، ويُتْرَك أهلُ الطغيان! فمِن المُضحك أو المُبكي أن يخطب الجمعةَ عقب فَصْلِنا من المركز العام 'للإخوان' مَن يؤكد أنَّ الولاء للقيادة يُكَفِّر السيئاتِ، وأن الخروجَ عن الجماعة يمحقُ الفضائل، وأن الذين نابذوا القيادة عادوا إلى الجاهلية الأُولي، لأنهم خلعوا البَيعة".
 
وعن ذلك الخروج الكبير يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "بعد أن اختلف –الغزالي- مع مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي، قال الغزالي: إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَي من أن يشتبك فيه مُتشاكسون! وقد كنتُ حريصاً على الصمت الجميل يومَ عرفتُ أنِّي سأعملُ للإسلام وحدي، بيدَ أن أحداً من خَلْق الله ـ مِن قيادات الإخوان ـ اعترضني ليقول لي: إنْ تكلَّمتَ قُتِلْتَ!
 
 فكان هذا هو الحافز الفذ على أن أتكلَّم وأُطنِب'!
 
ويُعقِّب -القرضاوي- قائلاً: لقد كان للشيخ الغزالي رأيٌ في سياسة حسن الهضيبي، فنقدَ بعنفٍ هذه السياسة، وازداد عنفه حينما أعلن الهضيبي فَصْله من دعوة الإخوان، التي قضي فيها شبابه، ونَذَر لها عمره، ولم يكن يتصور أن يأتي يومٌ يُبْعَد فيه عن دارٍ كان أحدَ بُناتِها، وحَمَلَة حِجارتها.. وكان مما هاج غضبه، واستثار غريزةَ الدفاع فيه، أنَّ بعض أُولي الهَوَس من الإخوان هدَّده وتحدّاه!".
 
كانت مغادرة الشيخ لنفق الإخوان المعتم بشارة خير له ولنا فقد تدفق الشيخ كاتبًا وخطيبًا، ترقي في سلك الوظائف، حتى أصبح مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد. ثم أعير للمملكة العربية السعودية أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ودرّس في كلية الشريعة بقطر، وعُيِّن وكيلاً لوزارة الأوقاف بمصر، كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات وكانت آخر مناصبه.
وحصد العديد من الجوائز فحصل على جائزة الملك فيصل العالمية الإسلامية 1989.
 
وقد ترك لنا أكثر من خمسين كتابًا من أشهرها السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، عقيدة المسلم، فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام، هموم داعية، سر تأخر العرب والمسلمين، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، خلق المسلم، معركة المصحف، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، الإسلام المفتري عليه، الإسلام والمناهج الاشتراكية، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الإسلام والاستبداد السياسي، الإسلام والطاقات المعطلة، الاستعمار أحقاد وأطماع، في موكب الدعوة، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، حقيقة القومية العربية، مع الله، الحق المر، قذائف الحق، كفاح دين، من هنا نعلم.
 
ومن العجيب أنه تعرض لموجة تكفير بعد نشر كتابه الشهير "السيرة بين أهل الفقه وأهل الحديث" لأنه في ذلك الكتاب تجرأ على مناقشة حديث من تلك التي رواها الإمام مسلم!
 
ويقول الكاتب الأستاذ صلاح حسن رشيد: "وممّا يُحكي، أنَّ الشيخ الغزالي كان قد ألَّفَ كتاباً، كشف فيه خطايا وجرائم الإخوان طوال تاريخهم، وما دبَّروه، ويُدبِّرونه للوصول إلى السلطة، ولو على حساب المبادئ، والإسلام نفسه، والوطن! واهتدي إلى أنَّ الجماعة أصبحت تتخذ أسلوب الماسونية العالمية طريقةً لها ومنهج حياةٍ، مع تعيين المرشد الثاني حسن الهضيبي، الذي وصفه الشيخ الغزالي بأنه كان ماسونياً! وأنه جاء إلى الجماعة، وهو ليس منها، فأصبح مرشدها، بقدرةِ قادرٍ!
 
هذا الكتاب عنوانه 'كفاح حياتي' لكنه لم يخرجْ إلي النور، ولم يُطبعْ بعدُ! ومن المحتمل أنْ يكون الإخوان قد وسَّطوا أُناساً من العلماء، للحيلولة دون نشره! وهو ما أُرَجِّحه، خاصةً إذا عرفنا شجاعة وجسارة الشيخ الغزالي، ودخوله في معارك فكرية، وسياسية عديدة، لم يخشَ فيها أحداً!
 
فليتَ هذا الكتابَ يُطبعُ الآن، لنعرف عنهم المزيد، والمزيد ممّا كشفه الشيخ محمد الغزالي، وعرفه عنهم، وعن فكرهم المعوج، من الأسرار، والمآسي، والجرائم، والقصص الدامية، فكَتَبَه إبراءً للذمَّة، وشهادةً للتاريخ".
 
انتهي كلام الأستاذ صلاح، وعن نفسي فقد سألت عن هذا الكتاب المجهول فريقًا من المهتمين بتاريخ الجماعة فلم ينفوا ولم يثبتوا، وليت الدولة تجد في الحصول على ذلك الكتاب إذا كان له وجود فعلًا.
 
وفي أخريات حياته كان يضيق بأدنى تعرض لجوهر العقيدة الإسلامية التي عاش حياته مدافعًا عنها ولذا كان يُعطي الكلمة في أي مؤتمر يحضره فور طلبه لها لكي يدلي بدلوه في تصحيح ما يقوله أحد المؤتمرين، والمشهور أن أخر مؤتمر حضره الشيخ كان بالسعودية وقال فيه أحدهم كلامًا أغضب الشيخ الذي رد منفعلًا ثم فاضت روحه بعدها مباشرة وذلك يوم 9 مارس 1996 وجرى دفنه بالبقيع بالمدينة المنورة. حيث كان قد صرح قبل موته بأمنيته أن يدفن هناك.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق