الصدام بين القوتين العظمتين .. ترامب ليس كنيدي

الأربعاء، 09 يناير 2019 01:46 م
الصدام بين القوتين العظمتين .. ترامب ليس كنيدي
د. مغازي البدراوي يكتب:

للكاتب المسرحي برنارد شو مقولة شهيرة تقول: "إذا شاهدت في بداية العرض بندقية معلقة على الحائط فاعلم أنها ستستخدم في الرواية"، هذه المقولة تنطبق الآن على أوضاع الصراع المتصاعد بشكل مطرد بين روسيا وأمريكا، هذا الصراع الذي تبدو أسبابه الخطيرة واضحة على مسرح الأحداث في أماكن مختلفة في العالم، وتنذر بصدام قادم بين البلدين، على أ{اضيهما أو خارجها.

ومع التصعيد في تراجع العلاقات بين موسكو وواشنطن، ومع مسلسل العقوبات المستمر من الولايات المتحدة ضد روسيا، ومع تخلي واشنطن عن معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى مع موسكو، ومع تردد التصريحات من جهات داخل الولايات المتحدة تعلن أن روسيا العدو الأول وأنها تشكل أكبر تهديد للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في العالم كله، مع كل هذا وغيره من أشكال التصعيد، يدور الحديث في الأوساط السياسية والاستراتيجية داخل البلدين عن احتمالات الصدام العسكري بينهما، وهو الأمر الذي كان مستبعداً تماماً في زمن الحرب الباردة بين القوتين العظمتين، أما الآن فالأوضاع تختلف، وأشكال الحرب والصدام العسكري تختلف، وهناك أشكال جديدة للحرب، مثل الحرب السيبرانية التي يقولون في الغرب وواشنطن أن روسيا تتفوق على الجميع فيها.

في موسكو صرح الرئيس فلاديمير بوتين بأنه لن يتهاون أبداً في الدفاع عن أمن روسيا ضد أي خطر يتهددها، حتى لو كان في مكان بعيد في أقصى الأرض، وسبق أن قال بوتين "مخطئ تماماً من يتصور أنه أقوى من روسيا وأنه يستطيع قهرها، ولو حاول سيندم كثيراً"، وهذا التصريح موجه بالتحديد للولايات المتحدة، لأنه ما من دولة أخرى تتصور أنها أقوى من روسيا سوى أمريكا.

الخبراء يناقشون احتمالات الحرب بين البلدين ويتصورون أسبابها وتداعياتها، وحتى أماكن اشتعالها، وفي الوقت الذي يرى فيه نائب مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، دميتري سوسلوف. أن الحرب قد تندلع بين البلدين حتى من خطأ عن غير قصد، يرى خبراء روس أن هناك ثلاثة أسباب أو مخاطر يمكن أن تؤدي إلى صدام عسكري بين روسيا والولايات المتحدة.

يرتبط الخطر الأول لتحول الحرب الباردة إلى ساخنة بالتهديدات السيبرانية. وهناك سيناريو محتمل هو أن يظن أحد الطرفين "مجرد ظن" أن هناك هجوم سيبراني ضده من الطرف الآخر، وأنه بداية لهجوم واسع النطاق؛ فيبدأ هو بالهجوم كضربة وقائية تؤدي إلى اشتعال حرب بين البلدين.

ويرتبط الخطر الثاني بسباق التسلح غير المنضبط، الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى؛ خاصة وأن الصواريخ الأمريكية من هذا النوع منتشرة في قواعد أمريكية كثيرة في أوروبا، خاصة في دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا، وهو الأمر الذي دفع الرئيس بوتين لتهديد هذه الدول وتحذيرها بتحمل المسئولية الكاملة عن أي خطأ، وبالطبع إذا وقع خطأ سيتبعه بالضرورة رد فعل سريع من روسيا وسيتبعه بالضرورة تدخل من واشنطن لحماية حلفائها، وإلا تفقد مصداقيتها.

وأخيراً، يمكن أن يرتبط السيناريو الثالث، ارتباطاً مباشراً بمناطق ساخنة مثل سوريا أو منطقة البحر الأسود، حيث تنشط موسكو وواشنطن في ساحة عمليات واحدة، خاصة إذا استمرت الولايات المتحدة في دعم استفزازات أوكرانيا، وسعي واشنطن لاستخدام أوكرانيا في حرب استنزاف لروسيا.

على الجانب الآخر عبر الأطلسي، يدرك المحللون السياسيون والاستراتيجيون الأمريكيون "غير المرتبطين بالبنتاغون" أن هناك جهات داخل الولايات المتحدة تؤيد هذه الحرب مع روسيا وتسعى لإشعالها، وفي يونيو الماضي، أجرى مركز دراسة مصالح الولايات المتحدة الوطنية في واشنطن دراسة استقصائية أُخذ فيها رأي ثلاثة خبراء سياسيين واستراتيجيين حول احتمال المواجهة العسكرية (مع روسيا) في الأفق المنظور، كانت الإجابات باحتمالات أكثر من خمسين بالمائة، أي أن الحرب، على الأرجح ستنشب.

وفي تقرير قسم الاستخبارات والأمن القومي في مركز جورج بيب الأمريكي، يرى أن السبب الرئيس في تفاقم الوضع يعود إلى أن الغرب لم يعد يعرف منذ وقت طويل كيف يتحدث مع روسيا. وأن الولايات المتحدة لم تستخلص أي دروس من فترة الحرب الباردة. فواشنطن مقتنعة منذ ربع قرن بأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأنها يجب أن تتحكم في مسار الأحداث على الساحة الدولية وأن تحمي مصالحها، ولو باستخدام القوة، ويرى التقرير الاستخباراتي الأمريكي، أن  واشنطن لن تكتفي بالحروب فقط ضد أعداء صغار، مثلما تفعل في أفغانستان والعراق، وفشلها في سوريا وأوكرانيا هز صورتها وهيبتها بشكل كبير أمام العالم، وخاصة أمام حلفائها الكبار في أوروبا الذين باتوا يفكرون في التخلي عن الحماية الأمريكية وتشكيل جيش مستقل لهم سيكون بالقطع بديل لحلف الناتو الذي تقوده واشنطن، حيث يرى الأوروبيون أنه حلف فاشل في تحقيق أهدافه في حماية القارة الأوروبية. ويرى خبراء أمريكيون أن واشنطن لا تستفيد من التاريخ ولم تستوعب دروس الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي الذي تعتقد واشنطن خطأ أنها كانت السبب في انهياره، وأنها لا تفكر في تداعيات أي حرب وتأثيرها على الساحة الدولية، وهذا ما يجعل قراصنة الحرب في الولايات المتحدة لا يفهمون ما هو الردع النووي الاستراتيجي وكيف كان يجري الحوار مع موسكو في العهد السوفييتي، إنهم أقل ما يعرفون عن التاريخ، إنهم يجيدون إشعال الحروب، لكنهم لا يجيدون إدارتها وتوجيهها، ولا يجيدون أيضاً إيقافها، وهذه مصيبة الولايات المتحدة التي نراها متورطة في المناطق التي أشعلت فيها الحروب، مثل أفغانستان وسوريا والعراق، ولا تعرف كيف تخرج منها، وهو ما اتضح بعد قرار الرئيس ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا.

ويقول الخبراء الأمريكيون "من أجل فهم كيفية التصرف مع قوة نووية مثل روسيا، قد تحتاج المؤسسة الأمريكية إلى تكرار أزمة الكاريبي عام 1962، إلا أن ذلك خطير للغاية، لأن ترامب ليس كينيدي". 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق