يوسف أيوب يكتب: قمة بيروت العربية انتهت كما بدأت

الأحد، 27 يناير 2019 10:00 ص
يوسف أيوب يكتب: قمة بيروت العربية انتهت كما بدأت
يوسف أيوب

- رئيس لبنان يتحمل مسئولية الفشل لإصراره على إقحام ملف سوريا في جدول الأعمال وتسييس الملفات الاقتصادية

انتهت كما بدأت لم تأت بجديد، كان هذا هو حال القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية في دورتها الرابعة التي عقدت بلبنان الأحد الماضي، فلا سوريا عادت إلى مقعدها الشاغر بالجامعة العربية، ولا سمعنا قرارات تلبي طموح قلائل من العرب تابعوا كلمات من شاركوا، ولا حتى رأينا الدخان الأبيض يتصاعد من قصر بعبدا إعلانا عن تشكيلة الحكومة اللبنانية المتعثرة منذ عدة أشهر لأسباب معلومة للجميع.

القمة أخذت الطابع البيروتي في السياسة، ضجيج بلا طحين، رغم أن المؤشرات تقول إننا كنا أمام فرصة مناسبة لكي يقف العرب على أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الضجيج السياسي، والصراعات الأيديولوجية، وزاد من طموحنا وقوف الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي مخاطبا القمة، وعارضا أمامهم مجموعة من الأرقام كفيلة بأن تقلق منام الجميع، لكن للأسف لم تكن سوى أرقام مرت مرور الكرام أمام حضور القمة، ولم ينتبه لها أحد على خطورتها.
 
محيي الدين قال في كلمته إن تكلفة الخسائر في النشاط الاقتصادي بسبب الحروب والنزاعات والصراعات في المنطقة العربية، تزيد على 900 مليار دولار، لتضيف عبئا على تراكمات من قبل، كما نجحت الأقاليم الاقتصادية حول العالم في تخفيض نسبة من يعانون من الفقر المدقع، إلا أن هذه النسبة قد زادت عربيا إلى الضعف، من 2.6% إلى 5% فى الفترة من 2013 حتى 2015، وأن الإقليم الاقتصادى العربي، هو الأسوأ فى توزيع الدخل حول العالم، وأن الاقتصاد العربى يعانى من أعلى نسبة بطالة فى العالم، إذ وصلت هذه النسبة إلى 10.6% وهى تقترب من ضعف نسبة البطالة العالمية، ومقدارها اليوم 5.7%، وهي أشد تركزا بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال.
 
كما وضع النائب الأول لرئيس البنك الدولي، الحضور أمام حقيقة مهمة، وهي أن الاقتصاد العربى يحتاج إلى توليد 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام، حتى يتصدى لمعدلات البطالة، على أن تتاح هذه الفرص وفقا لسياسات نمو شاملة، تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل، خاصة أن المجتمعات العربية تزداد شبابية، حيث إن هناك أكثر من 60% من السكان تحت سن الثلاثين، ويجب الاستفادة منهم بالاستثمار في البشر والبنية الأساسية المدعمة للتكنولوجيا.
 
تحدث محيي الدين ثم سكت انتظارا في أن يتلقى جوابا عربيا، لكن مسعاه فشل، لأن ما سمعه لم يخرج عن الاعتيادية العربية، مجرد شعارات ووعود ولجان واجتماعات دون أن يكون هناك جديد، ننتهي من قمة لنذهب لأخرى نناقش خلالها ما ناقشناه في السابقة، وليتأمل معي القارئ قرار قمة بيروت بأن تعقد القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الخامسة بعد أربعة أعوام في مطلع عام 2023 م فى موريتانيا على أن يكون هدفها «متابعة ما تم إنجازه من مقررات وما جاء فى هذا الإعلان، ودراسة مشاريع وموضوعات تهم العمل الاقتصادي والاجتماعي والتنموى العربي المشترك».. تخيلوا معي أن القمة التالية بعد أربع سنوات.. هذا يلخص ما نعانيه من أوضاع!
 
نعم هي بيروت أم الشرائع ومهد الحرف، كما قال العماد ميشال عون رئيس لبنان أمام القمة، لكنه لم يقل لنا ما هي الحرفة التي تجيدها بيروت حاليا وكل العواصم العربية، قديما كان لنا الصدارة في كل شيء، طب وعلوم وتجارة وسياسة وخلافه، لكن اليوم، حرفتنا هي الكلام فقط دون الفعل.
 
عون في كلمته أخذ لنفسه موقع الحكيم والناصح الأمين بقوله «لقد ضرب منطقتنا زلزال حروب متنقّلة، بعض دولنا كانت في وسطه مباشرة وبعضها الآخر طالته الارتدادات، وفي كلتا الحالتين الخسائر فادحة، بشريا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.. لسنا اليوم هنا لنناقش أسباب الحروب والمتسببين بها والمحرضين عليها، إنما لمعالجة نتائجها المدمرة على الاقتصاد والنمو في بلداننا، التي عادت بنا أشواطا إلى الوراء، فالحروب الداخلية، وتفشي ظاهرة الإرهاب والتطرّف، ونشوء موجات نزوح ولجوء لم يعرف العالم لها مثيلا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثرت سلبا على مسيرة التنمية التي تشق طريقها بصعوبة في المنطقة».
 
ما قاله عون أمر جيد، لكن ألم يكن من الأفضل أن يوفر النصيحة لنفسه وللسياسيين اللبنانيين، خاصة من حلفائه سواء حزب الله، أو التيار الوطني الحر الذي يترأسه زوج ابنته، وزير الخارجية جبران باسيل، حتى يخرج لبنان من شرنقة السياسة القاتلة، هو قال إنه يتحدث «من موقع العارف إذ أن لبنان قد دفع الثمن الغالى جرّاء الحروب والارهاب»، والعارف لا يعرف، فهل هو عارف بأن من كان يجلس بجواره على المنصة الرئيسية للقمة «زوج نجلته» هو المتهم الأول من غالبية القوى السياسية اللبنانية بتعطيل التشكيل الحكومى لأغراض تسكن في نفسه هو فقط!
 
عون لام على القادة العرب عدم حضورهم، حتى وإن تدارك بقوله «نأسف أيضا لعدم حضور الإخوة الملوك والرؤساء ولهم ما لهم من عذرٍ لغيابهم»، لكنه نسي أن يلوم نفسه، لأنه تعامل مع القمة منذ البداية على أنها جزء من التيار العوني، يقرر هو ثم على الباقين التنفيذ، وأقرب مثال على ذلك تحويل الأنظار من الهدف الرئيسي للقمة، وهو التنمية والاقتصاد، إلى آخر سياسي، وهو عودة سوريا، رغم أن الموضوع خلافي ولم يتم حسمه، لكن عون أبدا ليس في وضعية تسمح له إلا بالاستماع لنفسه فقط، تماما كما يفعل عراب الإرهاب في المنطقة، تميم بن حمد، الذي كان حضوره للقمة نذير شؤم عليها وعلى كل لبنان.
 
بنظرة سريعة على «إعلان بيروت»، نجد أنه تكرارا لما كان في القمم السابقة، فلم يأت بجديد، فالعرب ما زالوا يتحدثون عن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ومتطلبات الاتحاد الجمركى العربي أملا في الوصول إلى سوق عربية مشتركة، وما زالوا في مرحلة دراسة الدور الحيوي والهام الذي تلعبه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء!
 
هذا ما انتهت له القمة، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، والسفير النشيط، حسام زكي، الأمين العام المساعد، لكن النشاط كان بحاجة لمن يقدره.
 
ليس انحيازا لمصر، لكني أرى أن طرح مبادرة «حياة كريمة» التي أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسى الشهر الماضى، يمثل رسالة للعرب، بأن المهم ليس الكلام والوعود وإنما التنفيذ على الأرض، فهذه المبادرة على سبيل المثال جزء مما يحتاجه العرب، الذين يعانون من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لذلك أن تفكر مصر بإيجاد آلية لتضافر جهود أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، لتوفير كل الخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجا بما يسهم في تحقيق حياة كريمة لهم، فهذه تجربة على العرب أن يولوها أهمية، خاصة أنها تمثل نموذجا للشراكات التنموية التي يتطلع لها المواطن العربي.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق