طموحات روسيا في الخليج والشرق الأوسط

الأحد، 23 يونيو 2019 02:07 م
طموحات روسيا في الخليج والشرق الأوسط
د. مغازي البدراوي

 
يثور الجدل حول طموحات روسيا في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، خاصة بعد تدخلها العسكري في سوريا وما حققته هناك من نتائج أذهلت العالم في القضاء على التنظيمات الإرهابية وحماية الدولة السورية من التفتت، الذي كاد أن يفتك بها ويقضي على نظام الأسد.
 
ويرى البعض أن روسيا أزاحت الولايات المتحدة من سوريا، وأنها تسعى لتقليص التواجد الأمريكي في المنطقة، بل يعتقد البعض أن لدى روسيا طموحات كبيرة في منطقة الخليج العربي قد تنافس بها مستقبلاً النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة الحيوية في العالم، لكن الواقع أن الأمر ليس بهذه الصورة، فروسيا تعرف جيداً حجم قدراتها وإمكانياتها، وليس من سياسة روسيا المجازفة والرهان والمكسب والخسارة، فسياسة الرئيس بوتين واستراتيجيته لا تتوجه إلا في حدود ما يسمح بالنجاح والتوفيق ولا يحتمل أي خسارة، فمنذ توليه الحكم عام 2000 وبوتين يسعى لإثبات وجود روسيا على الساحة الدولية، وهذا الأمر يتطلب النجاح والنصر دائماً، لأن القوى الكبرى تترصد ولا تريد لروسيا العظمى العودة، ولهذا يخطو بوتين دائماً بحذر شديد ولا يخوض في مجالات تحتمل الخسارة، ولا يسعى للصدام المباشر، لذلك نرى روسيا تطرح نفسها دائماً في دور الوسيط، وخاصة في الخليج العربي، لتهدئة التوتر القائم بين مختلف الأطراف هناك، خاصة وأنها تملك علاقات جيدة مع جميع الأطراف في المنطقة.
 
ويتنامى الدور الروسي مع مرور الوقت، ويتزايد حضور روسيا بشكل ملحوظ، ولم يعد هذا الحضور يقتصر على التعاون العسكري مع بلدان المنطقة، بل أصبح يمتد إلى العديد من المجالات الأخرى.
 
روسيا لديها اهتمام كبير في منطقة الخليج وخصوصا مع الدول المحورية كالسعودية والإمارات، ولدى روسيا اتصالات وعلاقات على مستوى عالي في هذا الخصوص، وهي تحاول استخدام هذه الصلات وهذه العلاقات لمحاولة لعب دور واضح في المنطقة المهمة والغنية بالنفط والغاز.
 
روسيا تريد التوسط في الأزمة الخليجية مستخدمة علاقاتها الاقتصادية مع قطر التي تملك استثمارات كبيرة في الداخل الروسي، والتطور الكبير في العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، والتي وصلت إلى مستويات متقدمة للغاية، وكذلك علاقات الصداقة والتفاهم بين الرئيس بوتين وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وتريد روسيا أن تثبت للعالم أنها تستطيع أن تلعب دورا هاما في المنطقة، خاصة كوسيط في حل النزاعات وتهدئة الأجواء، لكن هناك عوامل عديدة قد تمنع هذا الدور، أهمها العامل الأمريكي لأنها (أمريكا) لا تريد أي حل في المنطقة، لكي تبيع المزيد من الأسلحة، ولكي  تضمن الهيمنة على إمدادات النفط
روسيا دولة عظمى ولها مصالح مع كثير من الدول، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهي لم تعد الاتحاد السوفيتي الذي يتدخل في شؤون الدول الأخرى، ويعمل على تصدير الأفكار الثورية والاشتراكية وغيرها، ولهذا فإن الجميع يطمئن للتعامل معها، رغم عدم رغبة واشنطن في ذلك.
 
وإلى جانب اهتمام روسيا ببناء قوتها العسكرية ونمو صناعاتها الحربية، إلا أنها أيضا تهتم الآن ببناء دولة روسيا الاتحادية الكبيرة والمترامية الأطراف، وتهتم كثيراً بالاقتصاد والتنمية، وهي تعرف أن الاقتصاد والتنمية لا يمكن أن يتم إلا في بيئة آمنة ومطمئنة.
 
التعاون العسكري بين روسيا ودول الخليج العربي قد يلعب دوراً حيوياً في تطوير العلاقات، لكنه من جانب أخر له عوامل سلبية، وذلك في حال سعت روسيا للتسويق لأسلحتها الاستراتيجية الحديثة لدى دول الخليج العربي، مثل منظومة الدفاع الصاروخية "إس 400”، خاصة إذا سعت لمنحها لدولة معينة دون دول أخرى، والجيد في هذا الأمر أن روسيا ترفض أن تمد إيران بهذه المنظومات الحديثة واكتفت بإمدادها ببعض بطاريات المنظومات القديمة "إس  300".
 
روسيا تواجه صعوبات في التعامل مع التوازنات السياسية في منطقة الخليج العربي وفي الشرق الأوسط عموماً، فهي تتعامل على حد سواء مع الجميع، مع السعودية والإمارات ومصر ومع إيران وقطر وتركيا، وبين هذه الدول خلافات حادة ومتصاعدة، ولا يمكن لروسيا أن تؤيد طرف ضد الآخر، وبقدر أهمية السعودية والنفط وأسواقه بالنسبة لروسيا، بقدر أهمية إيران كحليف استراتيجي مرتبط بشدة بروسيا في مختلف المجالات، وكذلك أهمية قطر صاحبة أعلى نسبة في الاستثمارات في قطاعات الطاقة الروسية وفي السوق الروسية عموماً، وتركيا التي تتوتر علاقاتها بشكل مستمر مع الغرب وواشنطن بينما يزيد تقاربها مع روسيا، ومصر صاحبة العلاقات التاريخية مع روسيا والتعاون العسكري والاستخباراتي بينهما، ولروسيا مصالح حيوية مع هؤلاء جميعاً لا تستطيع الاستغناء عنها، والساحة السورية قدمت نموذجاً واضحاً لهذا الأمر.
 
روسيا لا تطمح ولا تسعى، كما يعتقد البعض، لإزالة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، ودائما تبعد عن نفسها هذه الشبهة التي قد تزعج دول المنطقة أنفسهم مثلما تزعج واشنطن، ومنطقة الخليج العربي رغم أهميتها، إلا أنها في الواقع ليست لها الأولوية الكبيرة في الاستراتيجية الروسية، ووجودها في سوق السلاح الروسي لا يكاد يذكر بجانب دولة عربية واحدة مثل الجزائر أو مصر، وأكثر ما يهم روسيا في هذه المنطقة هو الحفاظ على أسعار النفط بالاتفاق مع المملكة العربية السعودية، وكذلك جذب عدد أكبر من الاستثمارات الخليجية إلى داخل الاقتصاد الروسي الذي يواجه عقوبات أمريكية وغربية مستمرة ومتطورة.
 
وربما نلاحظ عدم اهتمام روسيا كثيرا بالأزمة اليمنية، ربما لعلمها أن موقفها لن يرضي دول التحالف  العربي بقيادة السعودية هناك، باعتبارها رافضة للحرب  في اليمن، كما أن موسكو تتعامل مع  حكومة الحوثيين بشكل غير مباشر، لكنها ليست مثل واشنطن التي لها موقف محدد في اليمن بدعمها للتحالف العربي بقيادة السعودية، وتأييدها للحرب هناك، وروسيا لا تستطيع الخوض في كافة ملفات المنطقة، وربما لهذا نلاحظ عدم فاعليتها في ليبيا مع المشير خليفة حفتر المدعوم  سياسيا من موسكو، فروسيا ليست بقوة الولايات المتحدة وقدراتها على التعامل مع كافة الملفات في العالم. 
 
رغم كل هذا فإن الكثير من دول العالم وخاصة الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط يعولون كثيراً على نمو الدور الروسي على الساحة الدولية، ويسعون لتوطيد علاقاتهم معها للاستفادة من دورها وإمكانياتها وتأثيرها على الساحة الدولية.  
 
وهناك زيارة مهمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قريباً إلى السعودية، وهذه الزيارة ستكون خطوة مهمة لتقديم روسيا بشكل أفضل وفعال في الخليج.
 

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق