موسكو بين العرب وإيران وإسرائيل

الإثنين، 20 مايو 2019 02:05 م
موسكو بين العرب وإيران وإسرائيل
د. مغازي البدراوي

 
هناك فارق كبير بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع الدول الأخرى، فلدى واشنطن براغماتية فجة تجعلها قادرة على التخلي عن حلفائها في أية لحظة وفق مصالحها، وقوة الحليف لدى واشنطن مرهونة دائماً بمدى خدمته للمصالح الأمريكية وتلبيته لرغباتها، وتمارس واشنطن شتى أنواع الضغوط على حلفائها تلبية لرغباتها ولمصالحها، أما موسكو فلا تفعل ما تفعله واشنطن، ليس لعدم القدرة، بل لانعدام هذه الثقافة البراغماتية الفجة في السياسة الروسية.
 
في روسيا يرى الكثير من المحللين المهتمين بمنطقة الشرق الأوسط أن موسكو تواجه مشاكل كثيرة في علاقاتها مع الأضداد، والأضداد يقصد بهم، العرب وإيران من جهة، وإيران وإسرائيل من جهة، والعرب وإسرائيل من جهة أخرى، ولا تستطيع روسيا أن ترضي هذه الأطراف الثلاثة وتستجيب لطلباتهم ضد بعضهما البعض، وروسيا ليست مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي كثيرا ما تتخلى عن حلفائها وتعطي أولوية غير عادية لإسرائيل، لكن في علاقات روسيا مع الأضداد هذه نرى أن علاقات روسيا مع العرب هي الأقل في القوة والدرجة من علاقاتها مع إيران وإسرائيل، هذا على الرغم من حداثة العلاقات بين موسكو وطهران وتل أبيب، بينما هي قديمة بين روسيا والعرب، لكن الزمن هنا لا يشكل قيمة في شيء، اللهم سوى على مستوى العلاقات الشعبية، حيث الكثير من الشعوب العربية لديها تعاطف مع الحقبة السوفيتية ومن بعدها الروسية بسبب مواقف روسيا الثابتة والداعمة للقضايا العربية. 
 
يمكن القول إن تطور العلاقات بين روسيا وإيران بدأ بعد ثورة الخميني عام 1979، على الرغم من تسمية الخميني للاتحاد السوفييتي بـ"الشيطان الأصغر" مقابل تسميته للولايات المتحدة بـ "الشيطان الأكبر"، إلا أنه حتى هذه التسمية أعطت موسكو أملا في التقارب مع نظام الخميني، وهو ما حدث بالفعل عندما رفضت ألمانيا والشركات الغربية مواصلة بناء المشروع النووي الإيراني، فدخلت روسيا على الخط، ووافقت طهران على إسناد مشروعها النووي لروسيا. 
 
أما إسرائيل فلها شأن أخر مع روسيا، فقد كانت العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وتل أبيب مقطوعة منذ حرب 1967 بين إسرائيل والعرب، ولم تعود العلاقات بعد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل عام 1978، بل ظلت مقطوعة حتى العام الأخير من عمر الاتحاد السوفييتي 1991، وافتتحت السفارات بين البلدين عام 1993، ورغم عودة العلاقات الدبلوماسية، ورغم وجود أكثر من مليون روسي مهاجر لإسرائيل، إلا أن العلاقات لم تكن قوية في عهد الرئيس يلتسين، ولم تكن أفضل في السنوات السبع الأولى من حكم الرئيس بوتين، وهذا ما عكسته الزيارة الأولى لبوتين لإسرائيل عام 2005، والتي كانت فاترة وسلبية، وهاجم الإعلام الإسرائيلي الرئيس بوتين أثناء الزيارة واتهمه بالعداء للسامية، وظل الفتور بين البلدين مع دعم إسرائيل للثورات الملونة في الجمهوريات السوفيتية السابقة، خاصة جورجيا التي أمدتها إسرائيل بالسلاح الذي اعتدت به على جيرانها من الجمهوريات السوفيتية السابقة الصغيرة المحمية بروسيا، مثل أوسيتيا الجنوبية عام 2008، لكن، وفجأة بدأ الاهتمام الإسرائيلي بروسيا، ربما في عام 2008، بعد أن أثبتت العسكرية الروسية قوتها وحسمها في جورجيا في أغسطس 2008، ولم تتحرك واشنطن ولا أي دولة أوروبية للدفاع عن نظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي الذي دخلت القوات الروسية بلاده وأصبحت على بعد أقل من 50 كم من العاصمة تبليسي ومن القاعدة العسكرية الأمريكية التي لم تحرك ساكناً  ضد القوات الروسية، على ما يبدو أن إسرائيل القلقة دائماً على أمنها وبحسها العالي في استقراء المستقبل، شعرت بتغيير كبير في موازين القوى الدولية، واستشعرت صعود روسيا، وعلى الفور قدمت اعتذارها عن إمداد جورجيا بالسلاح ووعدت بعدم بيع  سلاح لجورجيا يمكن استخدامه ضد روسيا أو حلفائها، وبدأت التقارب مع موسكو، وبدأت زيارات المسئولين الإسرائيليين لموسكو، ويقال أن وزير الخارجية والدفاع الإسرائيلي الأسبق المهاجر السوفييتي أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "بيتنا إسرائيل" لعب دوراً كبيراً في تطوير العلاقات مع روسيا.
 
الآن يتصور البعض أن أمام روسيا معضلة كبيرة في كيفية التعامل مع هؤلاء الأضداد الأعداء الذين يريدون التقارب مع روسيا وهم يكرهون بعضهما البعض وعلى استعداد للحرب فيما بينهم، لكن الحقيقة أن هذا التصور ليس واقعياً، فروسيا شأنها شأن أي دولة، تبحث أولاً عن مصالحها الخاصة، ربما تكون روسيا أقل براغماتية من الولايات المتحدة التي تضع مصالحها فوق الجميع، بما في ذلك حلفائها وأصدقائها، لكن روسيا أيضاً لها مشاكلها الاقتصادية والأمنية التي تجعلها تتوجه في علاقاتها الخارجية بالشكل الحذر الذي لا تتعرض فيه للخسارة، روسيا لا تستطيع أن تضحي بحليف أو صديق، فهي بحاجة للجميع، بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا لا تستطيع الاستغناء عن العرب، خاصة دول الخليج اللاتي تنسق مع روسيا بشكل جيد في أسواق النفط الآن، حتى لو اختلفت المواقف السياسية بينهم وبين روسيا في بعض القضايا، مثل سوريا والأزمة القطرية واليمن، أما علاقات روسيا مع إيران فلا ترى موسكو أنها تشكل أي عائق في علاقاتها مع العرب، بل أن الواقع أنها أفضل للعرب من عدمها، لأن روسيا كحليف رئيسي لإيران سياسيا وعسكريا واقتصادياً، يمكن أن تحد من تدخلات إيران في شئون جيرانها، ويمكنها الضغط على إيران والوساطة للتهدئة في خلافاتها مع العرب، كما أن روسيا كمصدر رئيسي للسلاح لإيران، لن تعطيها من السلاح ما يجعلها تتفوق استراتيجيا في الإقليم وتهدد جيرانها، وقد لعبت موسكو بالفعل دوراً  كبيراً في هذا المجال.
 
أما بالنسبة لإسرائيل فالوضع يختلف، حيث العلاقات القوية والمميزة بين إسرائيل وواشنطن، والتي تجعل روسيا بحاجة لإسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل لها، لكن مع هذا فإن موسكو تتعامل مع طموحات إسرائيل المستقبلية في كسب روسيا كحليف قوي يصعد بقوة على الساحة الدولية ويزداد وزنه السياسي والعسكري، وكذلك حاجة إسرائيل لروسيا في الحد من نمو القوة العسكرية والنووية لإيران، بل أن البعض يرى أن روسيا تشكل حائل هام وأساسي مانع للصدام بين إيران وإسرائيل، الأمر الذي ربما جعل واشنطن تلجأ للعرب وتستبعد إسرائيل من أي تحالف ضد إيران. 
 
روسيا تتعامل مع العرب وإيران وإسرائيل وفق مصالحها المشتركة مع كل منهم، وليس وفق علاقات بعضهم ببعض، ولا يجرؤ أي من الأضداد الثلاثة أن يطلب من روسيا التحالف معه ضد أي من الأضداد الأخرى، لأن هذا في حد ذاته يتناقض مع مبادئ السياسة الروسية وتوجهاتها الخارجية، ولروسيا مصالح حيوية وهامة مع العرب وإيران وإسرائيل، لكنها لا تمارس أي ضغوط على أحدهما ضد الأخر، ولم تسعى روسيا قط للتأثير على علاقات أي دولة مع الولايات المتحدة، بعكس ما تفعل واشنطن التي تعاقب من يشتري الأسلحة الروسية، فتوجهات روسيا الأساسية تقوم على كسب الجميع والابتعاد عن الخصومات والمشاكل مع أية جهة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة نفسها. 
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق