أرث الوطن

الثلاثاء، 23 يوليه 2019 01:39 م
أرث الوطن
د.ماريان جرجس

 
يقول قاسم أمين " أن الوطنية تعمل ولا تتكلم"، ووسط كل تلك القذائف والأنظمة الصاروخية والمفاوضات هنا وهناك والثرثرات السياسية والنزاعات التي تعج بها القارات، تعمل مصر في صمت، فالمواقف التي تتخذها الدولة اليوم هي مصائر أجيالها القادمة.
 
هناك دول تترك لأجيالها الخراب والدمار والبنى التحتية المتهالكة اقتصاديًا وسياسيًا، وأخرى تترك لأجيالها بذور نزاعات عرقية أو حروب طويلة قد تمتد لعهود طويلة، موقف واحد من قبل نظام ما قادر أن يحدد مصير كل أخلافه، فالدولة التركية- مثلا- بكل موقف خاطئ تتخذه، ترتكب جٌرمًا في حق الأجيال القادمة، ربما لا تظهر عواقبه الوخيمة اليوم لكن حتمًا سيدفع الأجيال الثمن، فهم من سيعملون على إصلاح ما أفسدته السياسية التركية اليوم، وما عبثت به أوهام عودة الخلافة العثمانية جراء التدخل في شئون الدول الأخرى مما أضر بالاقتصاد الوطني للبلاد، وأسفر عن توترات دبلوماسية بين الدول الأخرى وعصفت بالسياسات المستقلة للبنوك وهروب رؤوس الأموال، كل هذا- بالطبع- سيحتاج إلى عقود كثيرة للإصلاح.
 
ففي قصص الأوطان، الغد هو مرآة اليوم بمعامل تكبير ضخم، ولأن مصر تعلم ذلك يقينًا، وتَلَقَّنَتْ ذلك الدرس، فكل موقف تتخذه الدولة المصرية اليوم، مهما بلغ صغره هو الإرث الحقيقي الذي تتركه للأجيال القادمة، فقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسى أمس في قلب مصنع الرجال "الكلية الحربية"، أن مصر استطاعت أن تدمر البنية التحتية للإرهاب، لم يكن هذا الإرث الوحيد فقط الذي سنمنحه للأجيال لكن كل مواقف مصر الدبلوماسية الحكيمة التي أصحبت نهجًا لها تتسم وتتميز به سياساتها.
 
منذ بداية العهد الجديد كان من الممكن أن تدخل في مصر في صدام مع كثير من الأطراف  داخليا أو خارجيا، أولها القارة الأم ودولها وبعض الدول الأوروبية التي لم تعترف في بداية الأمر بثورة الثلاثين من يونيو..  كان من الممكن أن يحدث تصعيد عسكري في الصراع على الماء.. كان من الممكن أن تتراجع عن كثير من الخطوات الاقتصادية الجريئة التي اتخذتها أثر موجة غضب على السوشيال ميديا أو انفعال شعبي غير مدروس، لكن احتواء المواقف بهدف الصالح العام هو الطابع السياسي  الذي اصطبغت به مصر، كما فعلت في المواقف الأخيرة والقريبة زمنيًا، فلم تستجب للاستفزازات العسكرية التي تحاول تركيا ممارستها واستفزاز مصر بالتنقيب على الغاز خارج حدودها المائية، لتخرق القوانين الدولية فتثير غضب الاتحاد الأوروبي وتتخلخل مكانتها في حلف الناتون لكن لا ترد مصر إلا بتريث وبكل الطرق المقننة.
 
لا سيما أيضًا، محاولة إفساد نجاح تنظيم كأس الأمم الإفريقية وبعض أحداث الهرج والمرج التي حدثت في مطار القاهرة أو قرارات بعض الخطوط الجوية بتعليق رحلاتها إلى القاهرة، والتي لم تٌخرج من مصر عن صمتها أو تحيدها عن احتواء الموقف بشكل صحيح دون أي أخطاء.
 
الانتصار على الإرهاب والخٌطى الجريئة على طريق الإصلاح الاقتصادي والسياسي وحوكمة السياسات الخارجية للبلاد بالمواقف الحكيمة، هم الإرث الحقيقي لمصر.
  
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق