الوطن أولا

الإثنين، 03 فبراير 2020 06:22 م
الوطن أولا
د. ماريان جرجس

 
يختلف فكر الدولة عن فكر الفرد في ترتيب الأولويات والرؤى، فالفرد لا يرى إلا موطئ قدميه، أما الدولة ومن يصنعون قراراتها يرون أبعد من ذلك، لذا شكلت ظاهرة الباعة الجائلين تحدٍ أمام الدولة المصرية مؤخرًا.
 
ظاهرة تفشت منذ عقود وتزداد كل يوم، ليس فقط لعشوائية عملية البيع والشراء الغير خاضعة لإشراف الدولة، بل لأن تلك الظاهرة جعلت من شوارعنا منافذ بيع لدول منتجة أخرى دون حتى رسوم جمركية !!.. وهنا الخطورة الأكبر التي تهدر قيمة المنتج المصري وتضر بالصناعة المصرية والاقتصاد الوطني.
 
البائع الجائل ما هو إلا مواطن يبحث عن قوت يومه واختار الطريق الأسهل والأسرع للرزق، لكنه لا يعلم المخاطر التي تقع على الدولة اثر ذلك، فعملية البيع والشراء التي تحدث دون ضرائب أو قيمة مضافة لا تحقق العدالة الاجتماعية بينه وبين البائع الذي يمتلك سجلا تجاريا ومحلا ويدفع الضرائب، حتى وإن كانت بضائع بسيطة أو منزلية، فهي غير خاضعة للمظلة الرقابية، وقد تكون غير مطابقة لمعايير السلامة والأمن والجودة اللازمة، خاصة وإن كانت بعض الأطعمة السريعة أو الحلوى التي يبتاعها طلاب المدارس من الباعة الجائلين أمام المدارس والتي قد تضر بصحتهم، فضلا عن قدرة الدول المصدرة لتلك المنتجات التلاعب بالذوق العام في الأسواق المصرية وطمس الهُوية المصرية، كما أن المواطن الذي يبتاع من البائع الجائل أي سلعة لن يحتمي بمظلة وقوانين حماية المستهلك.
 
أما عن العشوائية ، فحدث ولا حرج عن استغلال الأرصفة المخصصة للمشاة وإلقاء القمامة في أي مكان وزيادة حجم التلوث والضوضاء بشكل غير حضاري لا يليق ببلد سياحي مثل مصر، ومن هنا تتصدر هذه القضية  قائمه التحديات التي تواجه الدولة المصرية، فالقضاء على تلك الظاهرة لن يكون بالجور على حق هؤلاء الباعة في العمل لكن بتقنين أوضاعهم، أمّا بالأسواق الحضرية أو بمنحهم فرص عمل في المصانع والمشروعات الصغيرة واستغلالهم كسواعد في الصناعة المصرية.
 
وبالفعل تقدم مجلس النواب بمشروع قانون في أكتوبر 2019 ينظم عمل الباعة الجائلين، وبالفعل تم تطوير أسواق حضرية ضمن خطة الدولة لتطوير الأسواق العشوائية بقيمه 457 مليون جنية في الاسماعلية ودمياط والوادي الجديد وبورسعيد، والتي تم افتتاح سوق السمك الجديد بها وهو خير مثال لتطوير الأسواق العشوائية والذي يضمن السلامة وجودة المنتج للمستهلك والربح للمستأجر أو البائع.
 
إن الأسواق الحضرية من شأنها أن تشجع المنتج المصري وتتحكم في آليات السوق ومعايير الجودة وتطويع الذوق العام  وتمنع أي عملية شراء أو بيع غير خاضعة لإشراف الدولة أو أي اقتصاد موازٍ، تحقق الاكتفاء الذاتي للأسواق المحلية وتمكنّا من التصدير أيضَا.
 
إن سيادة الدولة وحوكمة الشارع المصري ليس جورًا على حق أحد في السعي وراء الرزق ولكنها إرساء مصلحة الدولة على مصلحة الفرد حتى لا تتحول شوارعنا إلى فوضى واقتصادنا إلى ركام.
 
 
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق