"عبد الرحيم كمال" حاوي الكتابة أخرج من جعبته الخلطة سحرية

القاهرة كابول.. عودة لأمجاد الدراما المصرية

السبت، 24 أبريل 2021 10:42 م
القاهرة كابول.. عودة لأمجاد الدراما المصرية
طلال رسلان

- "عبد الرحيم كمال" حاوي الكتابة أخرج من جعبته الخلطة سحرية ليطهيها المخرج الرائع حسام علي

- طارق لطفي.. لبسه عفريت قائد الإرهابيين

- أحمد رزق.. خطف الجمهور ذهنيا بدقائق معدودة

- خالد الصاوي.. حرك الأحداث بعصا سحرية

- فتحي عبدالوهاب..أجاد في تجسيد الإعلامي المتسلط والاستغلالي كما يجب أن يكون

- حنان مطاوع.. تعتلي صدارة ممثلات رمضان بالسهل الممتنع

 

قوة أي عمل فني ووصوله إلى إقناع الجمهور، تعتمد على ما تقدمه أدوات وعناصر هذا العمل من صدق وبراعة في تكامل تام لتوصيل الرسالة أو هدف الفكرة.

منذ اللحظات الأولى لعرض مسلسل "القاهرة كابول"، إنتاج شركة سينرجي، استطاع المشاهد إدراك ما يحمله هذا العمل من براعة، خاصة في توظيف الشخصيات نحو انسجام تام كعزف جسدي وروحي، كل من طارق لطفي الذي يعود بعد غياب سنوات ممسكا بالشخصية كإنسان ملبوس بجني، ذلك الطفل المغسول مخه والمقتنع منذ الصغر بدوره في الحياة كخليفة للمؤمنين والجماعات الإرهابية، بينما أحمد رزق الذي لم يره الجمهور من قبل ببراعة شخصية الممثل الذي يحلم بالفن ويجاهد من أجل ظهور فيلمه الذي يكشف حقيقة الجماعات الإرهابية، انتقالا إلى "سحر" فتحى عبد الوهاب الشخصية الإعلامية التي تسببت في جدل منذ اللحظات الأولى لعرض برومو المسلسل، وكيف أنه من الممكن تزيف الحقيقة، وكيف سعى إلى استغلال علاقاته مع الجماعات الإرهابية للحصول على انفرادات صحفية مثل حواره مع الشيخ رمزي أحد قادة تنظيم القاعدة، ثم خالد الصاوي الذي يحرك الأحداث بعصا سحرية بين يديه ذلك الضابط الذي يحمي الوطن.

قنبلة الدراما "حنان مطاوع" تلك الممثلة الموهوبة التي قدمت السهل الممتنع في شخصية حبيبة الشيخ رمزي الذي سيصبح أحد قادة تنظيم القاعدة وابنة خاله، وفي نفس الوقت بمنتهى العمق والإجادة، بدت حنان مطاوع أنها طول مسيرتها الفنية في المسلسلات السابقة تجهز نفسها للانفجار والصعود إلى قمة النجومية بموهبة فطرية أنضجتها وقدمتها على طبق من الإبداع للجمهور في مسلس القاهرة كابول، حواراتها ورسائلها للشيخ رمزي والأيام الأولى لحبهما كانت لوحة إبداعية داخل حلقات المسلسل.

براعة المخرج حسام علي هنا بدأت بنجاحه في عبور أدق مشهد درامي وأكثرها تعقيدا، في بداية مسلسل القاهرة كابول، وهو اجتماع الأصدقاء الأربعة في جلسة واحدة بعد الكبر، متذكرين أحلام الطفولة تحت البطانية، كل منهم في طريقه، عصف فكري بين 4 سحرة لا يطغى واحد منهم على شخصية الآخر ورمي الكرة في ملعب الجمهور للاختيار.

حوار وكتابة عبد الرحيم كمال اللذان شكلا حالة مختلفة، تمنح الشخصيات تألقا، وتمكنه من الغوص فى مساحة درامية مستحيلة، أمسك من خلالها كل الأفكار ثم حلق بها إلى أبعد مدى وصولا إلى ذروة سحرية، مثلما حدث في الحلقة الثانية.

مشهد تلو الآخر يقع المشاهد في سحر التركيبة الدرامية لمسلسل القاهرة كابول، كل حوار يستطيع أن يكون حلقة منفردة، عناصر اكتمال العمل من شخصيات وحبكة كتابية وصورة أخرجت عملا يبدو أنه سيظل حديث الجمهور إلى وقت طويل رغم عرض الحلقات العشر الأولى فقط.

منذ الحلقة الأولى كان الجمهور على موعد مع ملحمة درامية من العيار الثقيل، وكانت البداية كأوركسترا متناغمة بين الشخصيات التي مثلت الظهور الأول والمدخل للقاء الجمهور، سلام مقبول على المتابعين بالدخول مباشرة في أوج الأحداث، عبد الرحيم كمال الذي عودنا على المفاجأت بدأ حلقته الأولى بعملية انتحارية في معسكر أمريكي وسقوط ضحايا تزامنا مع ظهور طاغ للشيخ رمزى (طارق لطفي) بمشهد الإرهابى فوق أحد الجبال، إلى جانب رصد من قبل الأمن المصري للعملية الإرهابية وتطوراتها ونتائجها.

لم يحرم المؤلف الجمهور من ظهور الفنان نبيل الحلفاوى بشخصية حسن، وأحمد رزق بشخصية المخرج خالد، ثم الفنان فتحى عبدالوهاب فى دور إعلامى يدعى طارق كساب الذى يعلن عن حواره مع أحد أعضاء تنظيم القاعدة، تلك الخلطة التي ربما تتناص مع شخصيات واقعية في لعبة درامية، تنساب أحداث المسلسل لتظهر أن الرباعى فتحى عبدالوهاب وأحمد رزق وطارق لطفى، وخالد الصاوى أصدقاء طفولة، يغلق ستار الحلقة الأولى على اجتماع الأصدقاء الأربعة فى منزل فتحى عبدالوهاب، ليكون اللقاء صدمة للشيخ رمزى، انتقالا إلى المشهد الدرامي الأقوى في اجتماع الأصدقاء الأربعة، ثم مقتل الممثل (أحمد رزق) على يد الجماعات الإرهابية، فيما تنكشف بعد ذلك في الحلقة السابعة أن صديقهم الشيخ رمزي هو المتورط في العملية.

مع اختلاف المشاهد وتنوعها وقوة الحوارات وتمكن الممثلين من الشخصيات، بدا أن القاهرة كابول سيعيش لأجيال وسيبقى علامة في تاريخ الدراما، ويؤصل لأفكار ستظل خالدة في أذهان الجمهور، مثل التعريف بأن الأولوية القصوى للمتطرفين في القضاء على الفن، ولذلك كان الفنان في المسلسل اسمه "خالد" ربما ليربط أذهان الجميع بأن الفن خالد لا محالة ولا يمكن اغتياله، ثم اختيار اسم رمزي للإرهابي دلالة على ادعاء التدين، فالدين ما هو إلا شيء رمزي للوصول إلى هدف الخلافة والسلطة والمال والدم، و"منال" هي محور الصراع، دلالات كثيرة تشير إلى الإعلام ودوره في ذلك الصراع والإشارة له باسم طارق كساب في المشهد الأسطوري الذي جمع أبطال العمل الذي وصف حالة الصراع الفكري في مصر منذ خمسين عاما، انسحابا إلى محاولات "عادل" خالد الصاوى في تحقيق العدل، والحلقة الثالثة في مشهد حنان مطاوع بالمدرسة والنقاط التي تكلمت فيها عن اللغة العربية وقدرتها على التعبير وأنها جزء من الهوية، كل ذلك رسائل في السيناريو تعبر عن الهدف.

بعد متابعة الحلقات الأولى، لن ينكر أحد من متابعي الدراما الرمضانية أن القاهرة كابول استطاع أن يكون منذ الوهلة الأولى تجربة سرقت اهتمام وإعجاب الجمهور، تخلص فيها عبدالرحيم كمال، والمخرج حسام علي من إرث دراما الصوت العالي والتلقين المتعمد، بل سلاسة الأسلوب وقوة حجة الطرح واختيار شخصيات جاذبة، وطريقة سرد شيقة، تنسجم وخلفية الجمهور المُستهدف بالرسالة ولا تتعالى على وعيه، ما جعل العمل يبلغ مبتغاه ويُحقق هدفه، رغم الصعوبة المُفرطة، التي تكتنف أية محاولة فنية لتناول ظاهرة الإرهاب باسم الدين.

الصعوبة في العمل أيضا هو تجسيده لشخصيات قريبة منا جميعا نعرفها تمام المعرفة، عاشوا طفولتهم في حي السيدة زينب، وأقسموا وهم تحت البطانية أن يظلوا أصدقاء، وتحقيق أمنياتهم في حكم العالم؛ فـ«طارق» (فتحي عبد الوهاب) أقسم على الشهرة والمال، ورمزي (طارق لطفي) أقسم بالمصحف والسيف، وعادل (خالد الصاوي) أقسم بالحق والعدل، وآخرهم خالد (أحمد رزق) أقسم بحياة السينما.

في مزج وصفه كثيرون بغير الطبيعي، بين الطرح الديني والسياسي والاجتماعي، وموقف الإسلام السياسي تجاه الفن، وتوظيف دقيق للوثائق التاريخية، يأخذك المسلسل إلى لحظة ميلاد رمزي مع إعلان جمال عبد الناصر تنحيه عن رئاسة الجمهورية، واختيار والده اسم رمزي، تيمناً بالممثل المحبوب أحمد رمزي، في مفارقة مثيرة. كما يُذكرك باغتيال الشيخ الذهبي بإيدي متطرفين، واغتيال السادات بأيدي المتأسلمين، وتنامي ظاهرة الإسلام السياسي، وكيف باع رمزي نفسه للشيطان، في السراديب السرية، مقابل الحصول على لقب خليفة.

شيء خفي يجعلك تتوحد مع الشخصيات وتتأثر بالإرهابي الذي كان شاعراً خجولاً، أحب منال لكنه اصطدم في طفلوته بمن أدخل في مخه أن الاستماع لأم كلثوم حرام، والصلاة خلف أمه وأبيه «غير شرعية»، وأن عليه اعتزال «المجتمع الكافر». بينما تجسدت مأساة الإعلامي «طارق»، الذي استلهم كاتب المسلسل شخصيته من إعلامي شهير في تفاهته وسطحيته وانتهازيته والزيف الإعلامي الذي يُقدمه، والمخرج «خالد»، في فيلمه الممنوع من العرض، في وطنه، وضابط الأمن الوطني في انشغاله بعمله عن الاهتمام بأهل بيته.

عندما يجد الجمهور بين يديه عملا يناقش هذه الأفكار المتداخلة والنزاع التاريخي بشكل مبسط، ومسائل معقدة مثل تمويل أمريكا لجماعات الإسلام السياسي، والحصاد الدامي للإرهاب، وخسة قيادات الجماعات المتطرفة، وحلم الخليفة بأن يحكم العالم من البيت الأبيض، ومكة مقراً للعرش، بينما تتحول مصر وسوريا والعراق إلى ولايات تابعة، والنظرة الدونية للمرأة (النساء خُلقن للجنس بينما خُلق الرجال للجهاد)، ثم يحتل صدارة السباق الدرامي الرمضاني، انطلاقا من حكم الجمهور والنقاد على حد سواء؛ فمن المؤكد أنه عمل سيصنع الفارق وسيكون علامة في التاريخ الدرامي.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة