الطمع قل ما جمع

الخميس، 12 مايو 2022 03:18 م
الطمع قل ما جمع
شيرين سيف الدين

 
"الطمع قل ما جمع" حكمة هامة تعلمناها جميعا منذ كنا صغارا، لكن على ما يبدو أن الكثيرين لم يتعظوا ولم يستوعبوا حقيقتها حتى بعد أن شاهدوا بأم أعينهم نماذج عدة لأشخاص خسروا أموالهم بسبب الطمع في الربح السريع والسهل، الذي يأتي دون بذل مجهود بعد التعامل مع النصابين الذين يعدونهم بأرباح خرافية وهمية تفضي إلى ضياع أموالهم ومدخراتهم.
 
وأتذكر هنا المثل الشعبي القائل "طماعنجي بناله بيت فلسنجي سكن له فيه"، وهو خير معبر عن تلك الحالات، فالطماع يمنح للنصاب المال طامعا في جنى ثروة سهلة ليكتشف أنه مجرد نصاب مفلس نهب أمواله وذهب مع الريح.
 
مع الأسف الشديد تطل علينا كل فترة أخبار بالقبض على "مستريح" أو نصاب جديد يوهم الناس بأرباح خيالية وهم جالسون في أماكنهم، فيبادر الطماعون باستثمار أموالهم لدى هذا النصاب بدلا من أن يستخدموها في التجارة مثلا أو أن يضعوها في وعاء آمن بأحد البنوك أملا في أرباح أكثر، إلى أن يستيقظوا في يوم ويكتشفوا أنهم وقعوا في فخ "المستريح"، ويبدأ العويل والنحيب وتحميل الدولة مسؤولية القبض عليه لإعادة أموالهم المنهوبة، وكأنهم ضحايا سطو مسلح مثلا أو أن أموالهم سُلبت منهم رغما عن إرادتهم، وهو ماحدث مجددا مع من يطلقون عليه "البنك" أو "المستريح" نصاب المواشى بمركز إدفو في محافظة أسوان الذي نهب الملايين من أموال المواطنين، ما أدى إلى تجمهر المئات أمام مزرعتة للمطالبة بأموالهم المتأخرة.
 
في اعتقادي أن أمثال هؤلاء ليسوا ضحايا بل هم شركاء أصليين في تلك الجرائم، وعليهم أن يتحملوا نتيجة أفعالهم واختياراتهم، خاصة بعد انتشار تلك الحالات المشابهة على مدار السنوات الأخيرة، ومعرفة الجميع بتفاصيلها وخطورتها وضررها على الأفراد وعلى المجتمع والدولة ككل، وعليه فإنه تنتفي صفة الجهالة التي تجعل أمثال هؤلاء ضحايا، بل هم في حقيقة الأمر جناة.
 
وبعد ما شاهدناه من تكرار لمثل هذه القضايا التي راح ضحيتها مؤخرا لواءان شرطة وعدد من المجندين أثناء محاولة القبض على مستريح أسوان، وما تؤدي إليه تلك الجرائم من إهدار لطاقات الدولة سواء جهود شرطية أو إجراءات قضائية وسوء سمعه وغيره من الأضرار الجسيمة التي تطال الدولة ككل، أتصور أنه أصبح من الضروري سن قانون جديد يدين المشاركين في مثل تلك العمليات الاستثمارية الوهمية كما يدين النصاب، وأن تتم مصادرة الأموال التي منحوه إياها إن تم استردادها حتى يعلم الجميع مدى خطورة التعامل مع هؤلاء النصابين، وضرورة تحري الدقة وكتابة عقود موثقة مع أشخاص أو جهات معلومة الهوية حال الرغبة في المشاركة المالية في أي مشروع، ومعرفة المشروعات المستثمر فيها بدقة والتأكد من أنها مشروعات حقيقية ولا تخالف القانون، فماذا لو أن من تحصل منهم على الأموال ليس نصابا لكنه يتاجر في المخدرات أو الأسلحة مثلا، أو أنهم يساعدونه في تمويل الإرهاب؟، هل تصبح أموالهم حلال؟، وهل يُعتبر هؤلاء أبرياء ومجني عليهم أم جناة؟.
 
لذا أتمنى أن يقوم مجلس النواب بسن قانون محكم لتلك القضية والإعلان عنه في جميع الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية، مع عمل حملات توعوية تذاع على القنوات التليفزيونية تذكر المواطنين بخطورة الأمر، حتى تصل للجميع ولا تبقى حجة لهؤلاء مستقبلا.
 
وفي اعتقادي أن الأولى من أن يكون القانون "لا يحمي المغفلين" أن يصبح القانون "لا يحمي المتواطئين"، بل أيضا لا يبرءهم وحينها فقط لن يستسهل الكسالى والطماعين منح أموالهم للنصابين.
 
وأخيرا رحم الله شهداء الشرطة الذين ضحوا بحياتهم بسبب الطمع الذي تملك من بعض البشر، ومن أجل القبض على "نصاب".
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا