هل ينقذ غاز شرق المتوسط أوروبا من أزمة الطاقة؟

السبت، 30 يوليو 2022 09:00 م
هل ينقذ غاز شرق المتوسط أوروبا من أزمة الطاقة؟
محمد فزاع

- المنتدى يحل أزمة الطاقة العالمية برؤية مصرية مسبقة.. واتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لتوصيل الغاز

- 3455 مليار متر مكعب مكتشفة من الغاز قيمتها تتجاوز 700 مليار دولار.. والمنطقة قادرة على ملء الفراغ


تتجه أنظار أوروبا إلى أسواق جديدة ومنتجين آخرين لسد احتياجاتها المحلية من الغاز، فيما تعد منطقة شرق المتوسط واحدة من كبرى مناطق العالم الغنية بالغاز الطبيعي التي تمتلك فرص كبيرة للتصدير، قد تنقذ القارة العجوز من أزمة الطاقة المرشحة للتفاقم بحلول الشتاء المقبل.

وخلال زيارته الأخيرة لألمانية، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ضرورة التنسيق والتعاون بين كافة دول العالم لمواجهة أزمة الطاقة، واصفا تلك الأزمة بأنها "أزمة عالمية كاشفة لا تقتصر فقط على توفر إمدادات الطاقة، ولكن تتعلق بتكلفة هذه الإمدادات والتي تؤثر بشكل مباشر على الأسعار في دول العالم ومن ضمنها مصر"، وقال الرئيس السيسى ردا على سؤال حول ما يمكن أن تقدمه مصر من تعاون مع أوروبا بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال، إن "المطلوب منا كدول هو التنسيق والتعاون بين كافة دول العالم، فيما يخص هذا الملف، وهذا ما أكدته أثناء خطابي فى مؤتمر جدة عن أزمة الطاقة تحديدا".

وأضاف الرئيس السيسى في مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتز "وقعنا اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بحضور رئيسة المفوضية بشأن هذا الموضوع، واستعداد مصر أن تقدم ما لديها من تسهيلات للغاز الموجود في شرق المتوسط ليصل أوروبا للتخفيف من آثار هذه الأزمة"، مؤكداً أن مصر كانت منتبهة ولم يكن هناك أزمة لديها، حيث أنشأت منتدى شرق غاز المتوسط والذي يتخذ من القاهرة مقرا له بهدف تعظيم وتركيز مصادر الطاقة في شرق المتوسط، والاستفادة من التسهيلات والإمكانيات المتوفرة في مصر في هذا المجال حتى يصل الغاز إلى مستهلكيه.

من جانبه، قال المستشار الألماني شولتز، إن الحقيقة التي يعرفها الجميع فيما يتعلق بالأزمة العالمية الحالية تتعلق بأننا لا نستطيع الاعتماد على شريك واحد أو طرف واحد في امدادات الطاقة طالما أن لدينا كثيرا من الشركاء والأصدقاء الذين يمكن الوثوق بهم، لافتا إلى أنه على المستوى قصير الأجل أستطيع أن أقول "هناك محطات الإسالة لتصدير وإمداد الغاز الطبيعي إلى أوروبا وألمانيا ".

ويقدر حجم حقول الغاز المكتشفة بمنطقة شرق المتوسط حتى الآن بـ3455 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، قيمتها تتجاوز 700 مليار دولار، ما يجعلها ثروة واعدة يتم استغلالها في ظل خلفية التوترات السياسية والاقتصادية عالمياً. وفي الفترة من 2000 وحتى 2018 جرى الكشف عن 6 حقول تعد الأبرز من حيث كميات الإنتاج في منطقة شرق المتوسط، هم حقول مارين، وتمار، وليفياثان، وأفروديت، وظهر، وكاليبسو.

منتدى غاز شرق المتوسط

بادرت مصر بفكرة تدشين منتدى غاز شرق المتوسط العالمي خلال قمة جزيرة كريت بين زعماء مصر وقبرص واليونان في أكتوبر 2018، وجرى توقيع ميثاق المنتدى في سبتمبر 2020، ودخل حيز النفاذ في مارس 2021، والذي بمقتضاه أصبح منظمة دولية حكومية، تضم 7 دول أعضاء هم مصر، واليونان، وقبرص، وفلسطين، وإسرائيل، والأردن، وإيطاليا، وانضمت لهم فرنسا فيما بعد، بينما انضم للمنظمة كمراقبين كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.

وباستطاعة المنتدى زيادة التصدير إلى أوروبا من خلال التسهيلات المتاحة وهى إمكانيات يجري العمل على تطويرها من خلال المنتدى من أجل زيادة إنتاج الغاز. وكشف الرئيس عبدالفتاح السيسي، عن قدرة المنتدى ودوره المحوري لحل أزمة الطاقة العالمية بالفترة القادمة، مؤكدا أن المنتدى ترسخت أهميته في مجال الطاقة إقليميًا ودوليًا، من جراء الظروف العالمية، وهو ما يؤكد الرؤية الاستراتيجية الثاقبة في تأسيس المنتدى منذ البداية، بالقدر الذي أصبح يمثل نموذجًا تسعى الكثير من الدول لنيل عضويته.

وتعد مصر اللاعب المهيمن في مجال الطاقة في شرق المتوسط حيث يبلغ احتياطاتها من الغاز أكبر بكثير من احتياطي إسرائيل أو قبرص، لكنها تتمتع بسوق محلي كبير، ومن المتوقع توقيع العقود قريبًا لستة مناطق استكشاف بحرية جديدة غرب الدلتا. وأطلق عام 2015 بداية التاريخ الذهبي للغاز، تزامنا مع إعلان اكتشاف حقل ظهر أكبر حقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط التي توالت بعده عدة اكتشافات في البحرين الأحمر والأبيض وخليج السويس وشبه جزيرة سيناء.

وكشف تقرير صادر عن مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار المصري التابع لمجلس الوزراء، أن مصر حافظت على مستويات إنتاجها من الغاز الطبيعي والتصدير رغم أزمة كورونا وتداعياتها في 2020-2021، حيث جرى إنتاج 66,2 مليار متر مكعب، وبلغ الاستهلاك 62.9 مليار متر مكعب، ليتم تصدير الفائض 3.3 مليار متر مكعب. وفي 2019، أعُلن أن قيمة الاستثمارات التي جرى ضخها في مشروعات قطاعات تنمية الحقول والتكرير والبتروكيماويات والبنية الأساسية، بلغت نحو تريليون جنيه، وشملت الاستثمارات 32.6 مليار دولار للمشروعات التي بدأ تشغيلها، و12.7 مليار دولار للمشروعات الجاري تنفيذها، و14.7 مليار دولار للمشروعات التي بدأ تنفيذها.

ويعد غاز شرق المتوسط أهم البدائل التي سعى الاتحاد الأوروبي الذي يستورد 40% من احتياجاته، للتوسع في استيراده مع أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً للقرب الجغرافي من الدول المنتجة، وإمكانية نقله سواء عبر الأنابيب أو شحنات الغاز المسال، حيث توجد محطتا إدكو ودمياط لإسالة الغاز على ساحل البحر الأبيض المتوسط

ووفق تقديرات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، لدى منطقة شرق المتوسط، مخزون هائل من الغاز والنفط، تصل 3455 مليار متر مكعب من الغاز، و1.7 مليار برميل من النفط، تراوح قيمتها التسويقية ما بين 700 مليار، و3 تريليونات دولار أمريكي. وبعد ترسيم الحدود بدأت عمليات البحث والتنقيب التي أسفرت عن اكتشاف حقل ظهر المصري العملاق، من جانب شركة "إيني" الإيطالية 2015، وتقدر احتياطاته وحده بـ850 مليار متر مكعب.

وجرى اكتشاف حقل أفروديت القبرصي أمام سواحل مدينة ليماسول 2011، ويقدر مخزونه بـ140 مليار متر مكعب، كما تستخرج إسرائيل الغاز من عدد من الحقول أبرزها حقل تمار، المكتشف 2009، وتقدر احتياطاته بنحو 280 مليار متر مكعب، وحقل ليفياثان الذي تم التعرف على إمكانياته التجارية عام 2010، وتقدر احتياطاته بـ620 مليار متر مكعب، وحقل تانين في 2012، وتقدر احتياطاته بـ34 مليار متر مكعب، وحقل كاريش (محل النزاع بين إسرائيل ولبنان) في عام 2013، وتقدر احتياطاته بـ51 مليار متر مكعب، وحقل رويي المكتشف 2014، وتقدر احتياطاته بـ90 مليار متر مكعب من الغاز.

مركز إقليمي للطاقة

وعام 2018 كان حلم مصر أن تتحول لمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة وفي مقدمتها الغاز، وتؤكد الاتفاقيات الجديدة والمتوقعة خلال الفترة القادمة، أن حلم مصر تحول لحقيقة، خاصة أن مصر هي الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي لديها بنية تحتية لإسالة الغاز الطبيعي، من خلال محطتي إدكو التي تصل قدرتها 8 مليون طن متري في العام، من خلال وحدتين لإسالة الغاز الطبيعي، والمحطة الثانية هي محطة دمياط والتي تصل طاقتها إلى 5 ملايين طن متري كل عام، وهو ما يسمح لمصر بتسييل الغاز من دول الجوار مثل قبرص أو إسرائيل، وتعبئته في ناقلات النفط العملاقة، ومن ثم شحنه إلى دول أوروبا.

وأكدت وزارة البترول المصرية أن مصر تنتج في الوقت الراهن بين 6.6 - 6.7 مليار قدم مكعب بشكل يومي، تصدر منها نحو مليار قدم مكعب يومياً من الغاز، ويمكن أن تزيد إلى 1.5 مليار قدم مكعب يومياً خلال العامين المقبلين. وتوقعت وكالة "بلومبيرج" أن تبيع مصر 8.2 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال هذا العام، وهذا سوف يكون أعلى مستوى تصدير لمصر منذ عام 2009.

وبلغت صادرات مصر مستوى غير مسبوق خلال العام الماضي 2021، والأشهر الأولى من العام الجاري 2022، إذ شهدت ارتفاعاً بنسبة 770% عن العام الماضي، بعد إعادة تشغيل مصنعي إسالة الغاز بدمياط وإدكو، واستئناف تصدير الغاز المسال.

مصر الأكثر نموا

وبلغت قيمة تصدير الغاز الطبيعي والمسال من مصر، خلال الفترة من يناير حتى نهاية أبريل 2022، ما إجمالية 3.9 مليار دولار، كما وقعت حكومتا مصر وقبرص عام 2018 اتفاقية تمهد لإنشاء خط غاز بحري بين الدولتين، لنقل الغاز من حقل أفروديت القبرصي، إلى مصانع الإسالة في مصر، وإعادة تصديره.
وأكدت منظمة «أوبك»، أن صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال ارتفعت بنسبة 109% في الربع الأخير من 2021 مقارنة بذات الفترة من عام 2020، وأن تلك الطفرة جعلت مصر الأكثر نموا في حجم صادرات الغاز مقارنة بالدول العربية خلال الربع الرابع من عام 2021.

وتؤكد مفوضة الطاقة والمناخ بالاتحاد الأوروبي، كادري سيمسون، أن إمدادات الغاز من شرق المتوسط عبر مصر ستعمل على تأمين جانب من إمدادات الطاقة لأوروبا. واعتبر عبد المنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن "سعر الغاز المرتفع مدعوم بالطلب والشهية الأوروبية المفتوحة، خاصة مع حلول فصل الشتاء الذي يشهد ارتفاعا في استهلاك الطاقة، وكل هذه العوامل ستدفع نمو قطاع الطاقة الواعد للأمام، خاصة مع مساعي مصر منذ سنوات لتصبح مركزا إقليميا للطاقة، وتحقيق طفرة تصديرية فيه".

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق