نفضة مصرية لمساعدة أهالي غزة المحاصرين من الاحتلال

القاهرة تواصل إنزال المساعدات الغذائية والطبية على شمال القطاع بالطائرات.. واستمرار فتح معبر رفح على مدار اليوم

السبت، 09 مارس 2024 06:00 م
القاهرة تواصل إنزال المساعدات الغذائية والطبية على شمال القطاع بالطائرات.. واستمرار فتح معبر رفح على مدار اليوم
محمود علي

ملحمة تاريخية تقدمها أجهزة الدولة المصرية على الصعيد الإنساني دعماً لأهالي سكان غزة المحاصرين، جراء استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع، فبعد أن قدمت القاهرة كل ما في وسعها على مدار الخمسة أشهر الماضية، من أجل تسهيل مرور المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر رفح الدولي، اليوم تسجل ملحمة أخرى من خلال تكثيف الجهود لإسقاط عدد كبير من المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية عبر الجو على سكان شمال القطاع، سعياً من مصر للوقوف مع الفلسطينيين في المعاناة التي يعيشون فيها جراء الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يمرون بها.
 
وجاءت الجهود المصرية التي تمت بالتنسيق مع عدد من الدول العربية لإسقاط المساعدات الغذائية إلى شمال القطاع، نظراً لانهيار البنية التحتية وتدمير الطرق الرئيسية التي تمنع وصول الشاحنات بشكل بري إلى الشمال، لتعكس من جهة حرص مصر على توصيل المساعدات إلى أهالي غزة بأي طريقة كانت، ومن جهة أخرى مدى كذب الاحتلال الإسرائيلي الذي ادعى أمام محكمة العدل الدولية تعطيل مصر للمساعدات، في إطار حملته تشويه الدور المصري المهم الذي تقوم به منذ بدء العدوان في أكتوبر الماضي.
 
وتعمدت إسرائيل إطلاق أكاذيبها أمام محكمة العدل الدولية حول الدور المصري؛ من أجل تبرير جرائمها وخططها الخبيثة، في تهجير أهالي غزة من منازلهم واحتلال العديد من الأراضي في القطاع المحاصر منذ يوم السابع من أكتوبر الماضي 2023، حيث عكست التصريحات العنترية من قبل الاحتلال الإسرائيلي مدى الفكر اليميني المتطرف الذي تتبناها حكومة نتنياهو والساعي إلى تصفية القضية الفلسطينية، وهو ما يظهر أيضاً في إلقاء المزيد من الأكاذيب حول وجود أنفاق تربط سيناء بقطاع غزة يتم من خلالها تهريب السلاح والذخيرة، وهو ما نفته مصر مرارا وتكرارا و أكدت على تدمير أكثر من 1500 نفق كانت موجودة بالفعل في سيناء تصل إلى غزة خلال عملية سيناء الشاملة 2018، ولكن الجوهر الحقيقي لادعاءات إسرائيل، هو تبرير استمرارها في عملية العقاب الجماعي والقتل والتجويع لأكثر من 2 مليون فلسطيني داخل القطاع، وهو ما مارسته طوال 17 عاما.
 
ولم يغلق معبر رفح من الجانب المصري لحظة واحدة طوال أيام العدوان، وقبلها، وهو ما أكدت عليه عشرات المرات تصريحات رسمية من القيادة المصرية، مطالبين الجانب الإسرائيلي بعدم منع تدفق المساعدات الإنسانية للقطاع والتوقف عن تعمد تعطيل أو تأخير دخول المساعدات بحجة تفتيشها، ونجحت الدولة المصرية في إجلاء عشرات آلاف المواطنين الأجانب وذويهم من خلال تنسيق موسع مع أكثر من 80 سفارة وهيئة دولية عاملة في مصر، فضلا عن إدخال عشرات آلاف من الأطنان من المساعدات الإنسانية والوقود والأدوات الغذائية والطبية وخيم الإيواء وغيرها.
 
ورغم أن معبر رفح من الجانب المصري كان غير مخصص ولا مهيأ إنشائيا لدخول البضائع، إلا أن مصر تغلبت على هذه العقبة بجهود فنية كثيفة وعاجلة ليسمح بمرور الشاحنات متخطية كل ما يعوق توجيه المساعدات للقطاع، فبعدما قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي الطرق المؤدية للمعبر من الجانب الفلسطيني عددا من المرات ليحول دون أي تحرك عليها، قامت مصر في خلال فترة وجيزة للغاية بالإصلاح الكامل لهذه الطرق.
 
كم المجهود الذي بذلته الدولة المصرية في ملف إنزال المساعدات الإنسانية إلى شمال غزة ينضم الى المجهودات السابقة التي قدمتها مصر على صعيد المسار الإنساني لتعريف العالم بالكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وأن دل يدل على أن إسرائيل تستمر في كذبها الممنهج بهدف النيل من الدور المصري، ومحاولة إيقافه كونه أحد الروافد الرئيسية والمهمة في صمود الشعب الفلسطيني وتصديه للمجازر التي ترتكبها آلة البطش الإسرائيلية خلال أكثر من خمسة أشهر عمر أكبر أزمة إنسانية عاشها العالم على مدار التاريخ المعاصر.
 
إسقاط المساعدات الإنسانية جوا على مدن الشمال، تزامن أيضاً مع إدخال مساعدات إلى جنوبي غزة وتحديدا رفح وخانيونس عبر شاحنات برية، وذلك بعد أن نجحت مصر في تمهيد الطريق إلى داخل القطاع بعد تدمير طيران الاحتلال لطرق رئيسية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح البري.
 
الإنزالات المصرية للمساعدات الإنسانية، جاءت أيضاً استجابة لمئات الاستغاثات التي أطلقت من جانب الآلاف من المواطنين الفلسطينيين في شمال قطاع غزة، والمطالبة بضرورة إيصال المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية بشكل عاجل مع انتشار المجاعة هناك، ومع حاجة الطرق التي تصل الجنوب بالشمال لإصلاح وصيانة لفترة تتجاوز عدة أسابيع، لجأت القاهرة إلى الجو لإسقاط المساعدات وهو ما تبعه تحركات مماثلة من دول الأردن والإمارات وأمريكا وقطر وفرنسا.
 
وتأتي الجهود المصرية بالتنسيق مع عدد من الدول العربية والغربية، في ظل تزايد المعاناة الإنسانية في شمال قطاع غزة، في ظل النقص الحاد للمواد الغذائية الأساسية والمياه، والدمار الكبير الناتج عن الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، حيث يعاني الفلسطينيون هناك من أوضاع صعبة تقترب إلى حد المجاعة، فضلا عن ذلك حذر برنامج الأغذية العالمي، من مجاعة "وشيكة" في شمال قطاع غزة، حيث لم تتمكن أي منظمة إنسانية من تقديم المساعدات منذ أكثر من شهر في ظل الحرب الدائرة بالقطاع، مشيرة إلى أن ما لا يقل عن 576 ألف شخص في قطاع غزة، يمثلون ربع السكان، أصبحوا على بعد خطوة واحدة من المجاعة.
 
ووسط هذه الأزمة الإنسانية، يتزايد انتشار الأمراض بصورة هائلة، ما يزيد من تفاقم المعاناة، حيث سجلت المؤسسات الصحية أكثر من 700 ألف إصابة بأمراض معدية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، ولا يتلقى من يعانون من هذه الأمراض إلا قدرًا محدودًا من الرعاية الطبية مع عدم توافر المراكز الصحية لاستيعاب الحالات التي تحتاج إلى المتابعة الطبية المستمرة.
 
ونجحت الدولة المصرية في إسقاط مئات الأطنان من المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية إلى قطاع غزة منذ اندلاع الأزمة، وعملت على تسيير جسر بري للأشقاء الفلسطينيين، وكذلك توفير خيم للنازحين الفلسطينيين في خانيونس، واستمراراً للجهود المصرية الداعمة للأشقاء الفلسطينيين وتنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بمواصلة إرسال المساعدات الإنسانية والإغاثية للأشقاء الفلسطينيين، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة أوامرها بتجهيز طائرات نقل عسكرية محملة بأطنان من المواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية العاجلة للتخفيف من المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة، حيث نُفذت أعمال الإسقاط الجوى للمساعدات بمناطق متفرقة بشمال القطاع، فيما تواصل مصر جهودها لضمان إنفاذ المساعدات الإنسانية العاجلة لتلبى الاحتياجات الأساسية لأبناء الشعب الفلسطينى.
 
ومن أجل إيواء النازحين، قامت مصر بإنشاء معسكرات لإيواء للنازحين داخل قطاع غزة، كما تستعد لإقامة مستشفى ميدانى مصرى داخل قطاع غزة يتضمن غرف عمليات مجهزة بهدف إلى إغاثة وإيواء وعلاج آلاف الفلسطينيين النازحين بفعل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة".
 
وكانت الدولة المصرية بدأت فى إقامة معسكر النازحين رقم 2، فى خان يونس بسعة 400 خيمة ويسع لحوالى 4000 شخص، مزود بالكهرباء ودورات المياه، وذلك فى إطار سعى مصر للتخفيف عن الأشقاء الفلسطينيين الجارى، وستعقبه إقامة مستشفى ميدانى بمدينة رفح ومعسكر آخر شمال دير البلح، إضافة لتخصيص مركزى توزيع مساعدات برفح.
 
ولاقت الجهود المصرية إشادات واسعة من الداخل والخارج، إذ وصف كثيرون دور مصر في الإنزال الجوي للمساعدات لسكان غزة بأنه ملحمة تاريخية، ويتوازي مع تحركاتها السياسية، ما يكشف الدور المؤثر لمصر في القضية الفلسطينية، ما يضع إسرائيل وداعميها في موقف محرج أمام المجتمع الدولي، فاستمرار الحملة العسكرية الغاشمة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع خلال الآونة الأخيرة، وقصفهم المستمر على مدينة رفح الفلسطينية واستمرار  المجازر التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني على مدار شهور الماضية، يعد انتهاك واضح لكل القوانين الدولية وضربها عرض الحائط، غير مكترثا الاحتلال ومهتما بأي قرار اُتخذ ضده في محكمة العدل الدولية، مواصلاً حربه الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. 
 
ولم تدخر مصر جهدا في توفير الأجواء من أجل وقف إطلاق النار في غزة، حيث استضافت القاهرة عددا من اجتماعات التفاوض بهدف التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل ووقف الحرب الدائرة في القطاع قبل شهر رمضان المبارك.
 
وبدأت جولة مفاوضات التهدئة بقطاع غزة الأحد الماضي في القاهرة، حيث تأتي تلك المباحثات بمشاركة مختصين من مصر وقطر والولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى وفد من حركة حماس، استكمالاً لما تم بحثه في العاصمة القطرية الدوحة ولقاء باريس الأخير.
 
وكانت القاهرة تحركت على كافة المستويات لدفع مسار حل الدولتين إلى الأمام في إطار تسوية القضية الفلسطينية بشكل عادل في أعقاب ما شهده قطاع غزة من دمار شامل جراء العدوان الغاشم، ونجحت الإدارة المصرية في توصيل رؤيتها إلى المجتمع الدولي، بعد أن أطلقت خارطة طريق خلال "قمة القاهرة للسلام 2023" التي استضافتها في أكتوبر الماضي، تستهدف إنهاء المأساة الإنسانية الحالية في قطاع غزة، وإحياء مسار السلام، من خلال عدة محاور، أولها التدفق الكامل والآمن، والسريع والمستدام، للمساعدات الإنسانية لأهل غزة، ثم التفاوض حول التهدئة ووقف إطلاق النار، ثم البدء العاجل، في مفاوضاتٍ لإحياء عملية السلام، وصولًا لأعمال حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، التي تعيش جنبًا إلى جنب، مع إسرائيل، على أساس مقررات الشرعية الدولية، مع العمل بجدية على تدعيم السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، للاضطلاع بمهامها، بشكل كامل، في الأراضي الفلسطينية.
 
ولاقت هذه الرؤية المصرية، خلال الشهور الخمسة الماضية تأييداً واسعاً من كافة أطياف المجتمع الدولي، والبداية جاءت من القمة العربية الإسلامية في نوفمبر الماضي والتي أكدت دعمها لموقف وجهود مصر السياسية والإنسانية لوقف التهجير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لاسيما وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال القمة العربية الإسلامية على موقف مصر الداعم لهذا المسار وإنه يجب التوصل إلى صيغة لتسوية الصراع، بناء على حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما حظت الرؤية المصرية أيضاً بتأييد أمريكي وغربي واسع، وهو ما أكده تصريحات المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين وآخرهم مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان الذي قال "إن حل الدولتين هو المفتاح الوحيد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط على المدى الطويل"، مضيفاً أن "المستقبل في الشرق الأوسط الذى يجلب السلام والأمن للمنطقة ولإسرائيل يبدأ مع قيام الدولة الفلسطينية"، مشيرا إلى أن "حل الدولتين يجب أن يترافق مع ضمان أمن إسرائيل من خلال دمجها في المنطقة إلى جانب جيرانها".
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق