مجازر غزة تضع حكومة نتنياهو في مهب الريح
السبت، 22 يونيو 2024 11:00 م
محمود على
الانهيار الاقتصادى وحل مجلس الحرب وموجة الاستقالات والملاحقات الدولية تهدد الحكومة الإسرائيلية
المعارضة تدعو إلى انتخابات مبكرة.. والإعلام العبرى: إسرائيل خارج حدود الشرعية وصورتها الدولية منهارة
المعارضة تدعو إلى انتخابات مبكرة.. والإعلام العبرى: إسرائيل خارج حدود الشرعية وصورتها الدولية منهارة
كل المؤشرات تقود إلى أن حكومة بنيامين نتانياهو في مهب الريح، فالفشل يلاحق الحكومة الإسرائيلية أينما ذهبت، بدءا من وضعها في خانة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينين بقطاع غزة، وصولاً إلى انفضاض الحلفاء من حول نتانياهو، واتهام الشارع الإسرائيلي للحكومة بالمسئولية عن الفشل في إدارة معركة غزة، وأيضاً في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تعيد من خلاله تل أبيب محتجزيها في القطاع.
وفيما تستمر إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة للشهر التاسع على التوالي، تتواصل الردود الدولية والداخلية العنيفة بحق نتانياهو وحكومته، فكل يوم ترتكب مجازر وجرائم بحق الإنسانية تضع حكومة نتنياهو في مهب الريح.. انقسامات وخلافات وتباين في الرأي بين أعضاء الحكومة الإسرائيلية أدت إلى حل مجلس الحرب.. مظاهرات واحتجاجات في شوارع تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب الغاشمة والاتفاق على صفقة تبادل المحتجزين.
ولم تكن تداعيات العدوان أقل ضررا على حكومة الاحتلال الإسرائيلية، وعلى اقتصادها وعلى سمعتها الدولية، حيث باتت تل أبيب في موقف محرج جدا وتحتاج إلى عقود بل قرون لتحسين صورتها مرة أخرى، بعد أن لصقت بها الجرائم والمجازر وعمليات الإبادة الجماعية.
استقالات وحل مجلس الحرب
والأسبوع الماضى، أعلن نتانياهو حل مجلس الحرب، بعد طلب وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن جفير، الانضمام إلى المجلس، بعد استقالة بيني جانتس، وجادي أيزنكوت. وقال بن جفير في رسالة نشرت على منصة "إكس": "لقد قدمت طلباً لرئيس الوزراء.. للانضمام إلى مجلس الحرب".
وجاء قرار حل مجلس الحرب، بعد ظهور خلافات قوية بين نتانياهو والقيادات العسكرية، بعد إعلان جيش الاحتلال عن هدن تكتيكية في جنوب قطاع غزة، وهو ما رد عليه نتانياو بقوله إنه لم يتم التنسيق معه ولن يكون وهذا لن يحدث، مؤكدا أنه سيتم التحقيق بشأن صدور قرار الهدنة التكتيكية دون التنسيق مع المستوى السياسي.
وفى رده على قرار حل مجلس الحرب، قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد، إنه كان يجب حل حكومة نتنياهو، بدلا من حل مجلس الحرب.
وضربت حكومة نتانياهو موجة من الاستقالات على خلفية الفشل الإسرائيلى فى التعامل مع الوضع فى غزة، فيما يبدو أنه قفز من السفينة الغارقة أو التى تقترب من الغرق، في خطوات ربما تنذر بانهيار مجلس الحرب بشكل كامل، فما شهدناه من ضربة موجعة لنتنياهو ومجلس الحرب بعد إعلان وزير الحرب بينى جانتس انسحابه من حكومة الحرب، ما هو إلا دليل واضح على انهيار تلك الحكومة، وحالة التخبط وعدم الاستقرار التى تعيشها، على خلفية إصرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، على الاستمرار فى الحرب على قطاع غزة، رافضا رغبة كثير من قيادات مجلس الحرب وعلى رأسهم رئيس المعسكر الوطنى جانتس، بضرورة التوصل إلى صفقة تبادل وإعادة المحتجزين.
وما زاد أيضا من فرص انهيار حكومة الحرب أو ما يطلق عليها الطوارئ هو التناقض والخلافات البارزة بين المعسكرات الإسرائيلية، حيث تزامنت تلك الاستقالات مع تهديدات الوزراء المتطرفين إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، بتفكيك حكومة اليمين المتطرف التى تعتمد على 64 من أعضاء الكنيست، والتوجه إلى انتخابات مبكرة، إذا وافق تنياهو على أى صفقة تفضى إلى وقف الحرب.
فرنسا تمنع الشركات الإسرائيلية من المشاركة بمعرض "يوروساتوري"
ويضغط المجتمع الدولي من أجل وضع حد لهذه المأساة، ويحاول بكل السبل لايقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فبعد أيام قليلة من ضم إسرائيل إلى قائمة العار الدولية المتهمة بقتل الأطفال، حظرت فرنسا أي مشاركة إسرائيلية في معرض "يوروساتوري"، ما دفع الصحف العبرية إلى التأكيد أن هذه الخطوة مضرة أكثر من الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وألقى قرار فرنسا باستبعاد الشركات الإسرائيلية من المشاركة في معرض الدفاع الأوروبي "يوروساتوري" استياء في الأوساط الإسرائيلية، حيث قالت صحيفة "جلوبز" الإسرائيلية المتخصصة في الاقتصاد والأعمال إن قرار محكمة فرنسية، بتمديد الحظر المفروض على الشركات الإسرائيلية من المشاركة في معرض الدفاع الأوروبي "يوروساتوري" ليشمل أي ممثل عن إسرائيل أو مؤسساتها العسكرية، بالإضافة إلى تصرفات الإدارة الفرنسية منذ رد الهجوم على حماس، يضع إسرائيل خارج حدود الشرعية ويضر بصورتها الدولية.
وأكدت الصحيفة أن حكم المحكمة الفرنسية لن يُسمح لأي شركة إسرائيلية بالمشاركة في حدث "يوروساتوري 2024" للدفاع والأمن المقرر افتتاحه في باريس، ولن يُسمح لأي ممثل لإسرائيل أو مؤسستها الدفاعية بدخول موقع المعرض، مشيرة إلى أن المحكمة قدمت تفسيرا متشددا لإعلان وزارة القوات المسلحة الفرنسية قبل أسبوعين بمنع الشركات الإسرائيلية من العرض في هذا الحدث، ما يشير ضمنا إلى الخوف من تورط إسرائيل في جرائم حرب.
وفي تفاصيل الحكم عقدت المحكمة بناء على التماس قدمته المنظمات المؤيدة للفلسطينيين وحاول محامو الشركة المنظمة لهذا الحدث COGES، إقناع لجنة القضاة بأن قرار وزارة القوات المسلحة الفرنسية ينطبق على الشركات وليس على الأفراد، وأن منع الإسرائيليين سيكون تمييزيًا، ولكن دون جدوى، حيث أمرت المحكمة منظمي المعرض بوضع لافتات كبيرة عند المدخل تنص بشكل رسمي وبارز على عدم السماح للشركات والممثلين والوكلاء الإسرائيليين بالدخول.
وأشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن هذا انخفاض غير مسبوق في العلاقات التجارية بين البلدين، موضحة أن الحكومة الفرنسية، من خلال إعلان وزارة القوات المسلحة في 31 مايو، أعطت دعمها لكافة المنظمات التي تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، وذلك بمنعها 74 شركة إسرائيلية في اللحظة الأخيرة من المشاركة في معرض "يوروساتوري".
وأكدت الصحيفة الإسرائيلية أن التفسير الرسمي يفيد بأن "شروط قبول الشركات الإسرائيلية لم تعد موجودة، لأن رئيس الجمهورية الفرنسية دعا إلى وقف العملية الإسرائيلية في رفح، وهو ما وصفه الموقع الإسرائيلي بالقرار السياسي والذي أضاف إليه النظام القضائي الفرنسي الآن طبقة مهمة، ما حول إسرائيل إلى دولة منبوذة.
ورغم أنه تم تقديم استئناف ضد القرار، إلا انه الحكم بحد ذاته أوقع ضررا كبيرا بالفعل، وذكرت أن الدعم الذي يمنحه القرار الفرنسي للمناهضين لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي هائل مثل أيرلندا ولوكسمبورج ومالطا وسلوفينيا التي اتهمت إسرائيل بجرائم حرب، بل أيضاً "فرنسا" ثاني أكبر اقتصاد في القارة الأوروبية والقوة الرائدة في الاتحاد الأوروبي، وأكدت الصحيفة أن اتخاذ هذه الخطوة الفرنسية وراءه الرغبة في إرسال رسائل حادة إلى إسرائيل، بالرغبة في جعل شركات الدفاع الإسرائيلية غير مقبولة في أوروبا من أجل الاستفادة من الفرص التجارية الجديدة، مشيرة أن الرسالة الأخرى التي تريد توصيلها باريس هي أن إسرائيل ليست شريكاً دفاعياً شرعياً.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طالب بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة قائلا: "هذا يجب أن يتوقف"، وبعد ذلك، أيدت فرنسا عدة قرارات بشأن وقف إطلاق النار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتحدث ماكرون نفسه مرارا ضد "ما يحدث في غزة". ووعد بالتدخل الفرنسي في لبنان، لكنه فشل في تقديم تفاصيل عن الخطوات التي تقترح فرنسا اتخاذها لتحقيق ذلك.
ووصفت الصحيفة الإسرائيلية تصرفات الإدارة الفرنسية بأنها كارثية وتضع إسرائيل خارج حدود الشرعية وتضر بصورة تل أبيب أكثر من أي اعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل النرويج وإسبانيا، وأكثر من أي حظر أسلحة إيطالي، وتقف على النقيض من الدعم الذي تتلقاه إسرائيل من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولقد أصبحت فرنسا الآن جزءاً من المعسكر الأكثر انتقاداً في أوروبا تجاه إسرائيل.
عجز اقتصادى
ويتكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر باهظة جراء العدوان المؤتمر منذ اكتوبر، حيث كلفت الحرب احتياطيات تل أبيب من النقد الأجنبي مليارات الدولارات، ما دفع تل أبيب إلى البحث عن بدائل لتغطية عجز الموازنة المتوقع بلوغها 8 مليارات دولار خلال عام 2024، والتي بينها زيادة الضرائب، في الوقت الذي انخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إسرائيل خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 55.8% مقارنة بالربع السابق، وبلغت 1.1 مليار دولار فقط، مما يشير إلى انخفاض حاد مقارنة بمتوسط ربع سنوي بلغ 4.8 مليار دولار في السنوات الأربع الماضية، وذلك بحسب بيانات إحصائية وتقارير إعلامية إسرائيلية.
ويعتبر هذا العام أحد أسوأ أعوام إسرائيل من حيث الاستثمارات الأجنبية،حيث تراجعت به قيمة الاستثمارات الأجنبية لأقل مستوى منذ الربع الأخير من عام 2021، والأمر الذي ضاعف من قلق خبراء الاقتصاد الاسرائيليين أن هذا النفور لم يأت من جانب الأجانب فقط بل من الاسرائيليين ذاتهم الذين بدأوا في البحث عن سوق جديد آمن لهم عن السوق الإسرائيلي، فإلى جانب انخفاض الاستثمارات الأجنبية الواردة، كانت هناك قفزة في استثمارات الإسرائيليين في الخارج، فقد ارتفعت بقرابة 30% من مستوى 2.2 مليار دولار في الربع الأول من عام 2023 إلى مستوى 2.9 مليار دولار في الربع الأخير من العام نفسه، وأضيفت إلى القفزة في الربع الأول من عام 2024 بنسبة 25% إلى 3.6 مليار شيكل، وهذا يعني أن الإسرائيليين يبحثون أيضا عن أسواق بديلة خارج إسرائيل.
وتعكس هذه الأرقام حالة القلق الكبيرة داخل الأوساط الاستثمارية في إسرائيل بسبب استمرار العدوان على غزة وتوسع العمليات العسكرية، إضافة إلى سياسة الحكومة التي تسببت بأضرار وخسائر اقتصادية فادحة وأدت إلى عزل إسرائيل عن المجتمع الدولي، وإبعاد الشركات والحد من التعرض لإسرائيل والاستثمار فيها"، وفق التقارير الاقتصادية الإسرائيلية.
في سياق متصل، تتوالى الضربات التى يتلقاها الاحتلال الإسرائيلى فى الآونة الأخيرة، على خلفية استمراره فى العدوان الوحشي على قطاع غزة، فبداية من الاعتراف الأوروبى بدولة السطينية مستقلة، مرورا بإدراج إسرائيل ضمن قائمة العار التى تقتل الأطفال، وصولا إلى بروز الخلافات والانقسامات التى ضربت المعسكر الحكومى فى تل أبيب، كلها ضربات لها تأثير كبير وفعلى على الأرض تضع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو تحت ضغط واسع وتهددها بمزيد من العزلة الدولية.
وفى سابقة تاريخية، أبلغت الأمم المتحدة تل أبيب بإدراج جيش الاحتلال على قائمة العار أو القائمة السوداء، على خلفية ما ارتكبته من جرائم ضد الأطفال خلال حربها المتطرفة على قطاع غزة، ووفق تقديرات المنظمات الأممية فإن نحو 15 ألف طفل قتلوا خلال الحرب، بينما نزح ما لا يقل عن 900 ألف آخرين من منازلهم جراء القصف المتواصل فى جميع أنحاء القطاع، حيث يفتقر 90% من أطفال غزة إلى الغذاء اللازم للنمو السليم، بسبب عدم حصولهم على ما يكفى من الماء والغذاء والدواء.
وتتزامن خطوة ضم إسرائيل إلى قائمة العار مع الكثير من القرارات الدولية الأخيرة التى كشفت عن تحول فى الموقف الدولى الخارجى تجاه القضية الفلسطينية، وتبعث بإشارات عدة أهمها عدم التنازل الدولى - حتى الآن - عن فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، واستمرار الضغط على حكومة تل أبيب من أجل وقف المجزرة والإبادة الجماعية فى قطاع غزة والمتواصلة منذ بداية أكتوبر الماضى، كان من بينها الاعتراف الأوروبى بدولة فلسطين ضربة قوية لم تكن فى الحسبان على أقل تقدير بالنسبة لإسرائيل، فما فعلته النرويج وإيرلندا وإسبانيا وأعقبها دولة سلوفينيا من الاعتراف الرسمى بدولة فلسطين المحتلة لم يكن ليحدث فى هذا التوقيت، وبهذه السرعة، إلا بعد كم المجازر التى ارتكبتها إسرائيل فى غزة، فنظرة المجتمع الدولى - حتى إن كان أغلبه متخاذل - تغيرت شكلا ومضمونا فى وقتنا الراهن، ويمكن أن نقول إن هذه النظرة قبل السابع من أكتوبر الماضى مختلفة تماما عما بعده فى أعقاب ما شهده قطاع غزة من أحداث دامية لا يمكن وصفها بالطبيعية فى ظل فقدان هذا الكم والعدد الكبير من الأطفال والسيدات وكبار السن من الفلسطينيين والمدنيين العزل.