دينا الحسيني تكتب: في ذكرى إعدامه.. سيد قطب الأب الروحي للإرهاب المعاصر

الجمعة، 29 أغسطس 2025 01:48 م
دينا الحسيني تكتب: في ذكرى إعدامه.. سيد قطب الأب الروحي للإرهاب المعاصر
سيد قطب

بعد 59 عامًا من إعدامه، لا تزال مصر والمنطقة والعالم يدفعون ثمن الأفكار التي تركها سيد قطب، الرجل الذي لم يكن أول من حمل لواء العنف في جماعة الإخوان، لكنه كان الأخطر، لأنه منح الجماعة “أيديولوجيا مكتوبة” ظلت مرجعًا لكل جماعات الإرهاب بعده. في ذكرى إعدامه، تتجدد الدروس: فالرجل الذي حلم بإغراق الدلتا وتفجير القناطر الخيرية، صار مصدر إلهام لمن فجّر مساجد واغتال قضاة وضباطًا ورجال دولة، وكأن الزمن يعيد إنتاج نفسه بأفكاره لا بشخصه.
 

من قاعة المحكمة إلى مشروع العنف
 
تنظيم 1964 الذي أسسه سيد قطب لم يكن مجرد محاولة محدودة لإرباك الدولة، بل كان مشروعًا متكاملًا لهدمها. خطط التنظيم لتفجير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا ومهاجمة منشآت سيادية في توقيت واحد.
اعترف قطب بنفسه في كتابه لماذا أعدموني بتأسيس التنظيم ورسم خططه، لكنه في أدبيات الإخوان لا يزال “بريئًا” و”شهيدًا”. وهنا يكمن جوهر عقل الجماعة: إنكار دائم للجرائم، وتقديم الإرهابيين في صورة “ضحايا”، وهي المعادلة التي ما زالت الجماعة تكررها حتى اليوم .

“معالم في الطريق”.. دستور الإرهاب
 
لم يترك قطب تنظيمًا فقط، بل ترك نصًا مؤسِّسًا هو كتاب معالم في الطريق. هذا الكتاب الذي يُقدَّم أحيانًا كدعوي، هو في جوهره مشروع مكتمل للعنف المسلح: تكفير المجتمع كله ووصمه بالجاهلية، وإنشاء “الطليعة المؤمنة” لفرض رؤيتها بقوة السلاح .
من هنا خرجت جماعات الجهاد في مصر بالثمانينيات، ثم القاعدة في التسعينيات، وصولًا إلى داعش. كلهم تبنوا أفكار قطب عن “الحاكمية” و”الجاهلية”، وحولوها إلى وقود للدم والدمار.

من الإخوان إلى “حسم”.. السلسلة لم تنقطع
 
مع سقوط حكم الإخوان في 30 يونيو 2013، عادت الجماعة لتوظيف أفكار قطب عمليًا عبر ذراعها المسلح حسم. هذه الحركة استهدفت ضباط الشرطة والقضاة، وفجرت منشآت حيوية، ونفذت عمليات إرهابية ضد المواطنين في الشوارع والمساجد.
تفجير مسجد الروضة في شمال سيناء كان صدمة كبرى، جسدت الفكر القطبي في أوضح صوره: اعتبار المجتمع جاهليًا، وإباحة دماء المسلمين قبل غيرهم.

الاستثمار السياسي في إرث قطب
 
لم تكتفِ الجماعة بالتمسك بفكر قطب، بل جعلت من ذكراه أداة دائمة لتثبيت خطابها. كل عام تُحيي الجماعة ذكرى إعدامه وتطلق عليه لقب “الشهيد”، محاولة تسويقه كرمز للصمود في مواجهة الدولة.
بهذا الشكل تحول قطب إلى “رأسمال سياسي” للإخوان: 
في الداخل: لتربية أجيال جديدة على فكر العنف تحت غطاء القدوة، في الخارج: لاستدرار التعاطف الدولي بخطاب المظلومية، رغم أن تاريخه ملوث بالدماء.

من القاهرة إلى العالم.. ظل لا تنتهي
 
لم يقتصر تأثير قطب على مصر، بل امتد عبر المنطقة: في اليمن: ميليشيات متطرفة استلهمت خطابه، في ليبيا وسوريا والعراق: تنظيمات رفعت نفس الشعارات القطبية وحولت أوطانها إلى ساحات اقتتال، في أوروبا: نفذت “ذئاب منفردة” عمليات إرهابية استنادًا مباشرًا إلى نصوصه.
 
بمعنى آخر، لم يكن قطب مجرد منظر إخواني، بل كان مؤسسًا لفكر عالمي متطرف عابر للحدود، يهدد الأمن الإنساني كله.

الدرس الأهم بعد 59 عامًا
 
بعد 59 عامًا على إعدامه، لا يزال العالم يدفع ثمن “المعالم المظلمة” التي تركها سيد قطب. فالرجل مات، لكن أفكاره ما زالت حية في عقول الجماعات المتطرفة.
 
المواجهة إذن لا تكون بالسلاح وحده، بل بالفكر أيضًا: سلاح يردع من يرفعون العنف في وجه الدولة، وفكر يفضح النصوص المغلوطة.
وتعليم وثقافة يحمون الأجيال الجديدة من الوقوع في فخ الجهل والتكفير.
 
لقد صعد سيد قطب إلى المشنقة منذ عقود، لكن ظله ما زال ممتدًا. والمعركة الحقيقية ليست مع جسده الذي رحل، بل مع أفكاره التي بقيت، والتي لا سبيل لدحرها إلا بوعي يقطع الطريق على كل محاولة لإعادة إنتاجها من جديد.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق