يوسف أيوب يكتب: مواجهة الفقر المائى بالرقمنة والاستخدام الآمن للمياه الجوفية

السبت، 30 أغسطس 2025 11:10 م
يوسف أيوب يكتب: مواجهة الفقر المائى بالرقمنة والاستخدام الآمن للمياه الجوفية
يوسف أيوب

الاعتماد على التكنولوجيا والإدارة الذكية للمياه ومشروعات الزراعة الحديثة.. وتوجيه رسالة قوية لإثيوبيا: مياه النيل هي قضية وجودية

تخوض الدولة المصرية حروباً على كافة الاتجاهات، للحفاظ على أمنها المائى، فالقضية لا تقتصر فقط على مواجهة التعنت الإثيوبى في قضية بناء سد النهضة وإدارته، بما يؤثر على تدفق مياه النيل بمنسوبها الطبيعى إلى مصر، بل تحاول الدولة وبشتى الطرق تحقيق الإدارة الرشيدة والاستخدام الآمن للمياه.

والأسبوع الماضى، وخلال الاجتماع الذى عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، واللواء مجدي أنور مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، واللواء خالد أحمد عبد الله رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة، واللواء وليد محمد عارف رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، كان الحديث منصباً على الموقف المائي بوجهٍ عام على مستوى الجمهورية، والاحتياجات المائية ومدى توفرها للمشروعات الزراعية ومياه الشرب، فضلًا عن موقف عدد من المشروعات الجاري تنفيذها، خاصةً مشروعات تدعيم المنشآت المائية، وكذلك متابعة مشروع الدلتا الجديدة وتطورات أعمال تجميع مياه الصرف الزراعي ونقلها إلى محطة الدلتا الجديدة لمعالجة المياه لتوفير مياه نظيفة وأمنة للاستثمار الزراعي في الدلتا الجديدة.

ورغم أن البيان الرئاسي الصادر عن الأجتماع حمل الكثير من الأخبار المهمة، لكنى توقفت أمام الخطة القومية للموارد المائية والري "الأمن المائي للجميع" 2050، التي قال البيان إنها تهدف إلى ترشيد الاستهلاك المائي، وتحسين نوعية المياه، وتنمية الموارد المائية، بالإضافة إلى تهيئة البيئة المساعدة، فمن الواضح أنه للمرة الأولى تضع الدولة المصرية خطة مستقبلية للإدارة الرشيدة للمياه، تشمل التوقعات والمستهدفات وفقاً لخريطة التوسعات الزراعية، وما تتطلبه من زيادة في التدفقات المائية، والبحث عن مصادر بديلة.

هذه الخطة لا ترتبط فقط بأزمة سد النهضة الإثيوبى، لأن مصر حتى في ظل تدفق المياه في نهر النيل، تعانى الفقر المائى، فقد سبق وأكد الدكتور هانى سويلم، وزير الموارد المائية والرى، أن مصر تعانى من الفقر المائى، واحتياجاتنا المائية حوالى 114 مليار متر مكعب سنويا، فى حين تقدر الموارد المائية بنحو 59.6 مليار متر مكعب سنويا، منها 55.5 مليار متر مكعب حصة مصر من مياه نهر النيل، و30.1 مليار متر من مياه الأمطار، و2.4 مليار متر من المياه الجوفية العميقة غير المتجددة، و400 مليون متر من تحلية مياه البحر، مع إعادة استخدام 21.6 مليار متر مكعب سنويا من المياه، واستيراد محاصيل زراعية من الخارج تقابل استهلاك مائى بنحو 33 مليار متر مكعب.

كما أشار وزير الرى إلى تراجع نصيب الفرد من 2000 متر مكعب سنويا من المياه فى الستينيات من القرن الماضى، إلى أقل من خط الفقر المائى أقل من 1000 متر فى التسعينيات، وصولًا لـ500 متر مكعب سنويا فى الوقت الحالى، هو ما دفع مصر لوضع الخطة القومية للموارد المائية لعام 2037 التي جرى تحديثها لزيادة المدى الزمنى لها إلى 2050.

وهذه الخطة تعمل على مسارات متعددة، منها منع الفقد، والبحث عن مصادر جديدة للمياه، سواء المرتبطة بالتحلية أو استخدام أساليب رى حديثة، وزراعات لا تستهلك مياه كثيرة.

والجديد في هذه الخطة، تناولها مفهوم الجيل الثاني من منظومة الري، الذي يهدف إلى تحقيق الأمن المائي المصري، من خلال استحداث موارد غير تقليدية وحسن إدارة الموارد التقليدية وزيادة فرص التنمية الشاملة للدولة، والتحول الرقمي لإدارة منظومة المياه في مصر واستخدام التكنولوجيا الحديثة والاقمار الصناعية لمراقبة المجاري المائية ومتابعة أعمال التطهيرات ورصد أي تعديات على المجاري المائية، كما يشمل أيضاً معالجة المياه، من خلال تنفيذ مشروعات كبرى منها، محطة مُعالجة بحر البقر ومحطة مُعالجة الدلتا الجديدة، وكذلك محطة مُعالجة المحسمة، بما يضمن الاستمرار في إجراءات ترشيد استهلاك المياه في جميع المجالات الزراعية والصناعية وغيرها من الاستخدامات الأخرى، وأيضاً الاستمرار في الاستثمار لتحديث المنظومة المائية والري، مع تعزيز الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، والإدارة الذكية للمياه، وتحقيق الإدارة الرشيدة والاستخدام الآمن للمياه الجوفية في مصر.

والأسبوع الماضى، قال وزير الرى الدكتور هاني سويلم، إنه تلقى تقريراً من المهندس ياسر الشبراخيتي رئيس قطاع الخزانات والقناطر الكبرى، بشأن الموقف التنفيذي لأعمال إحلال وصيانة المنشآت المائية ضمن "مشروع تأهيل المنشآت المائية"، وأكد سويلم أن تأهيل المنشآت المائية على مستوي الجمهورية هو أحد محاور الجيل الثاني لمنظومة الرى 2.0 ، وشدد على أهمية "مشروع تأهيل المنشآت المائية" فى إحلال وصيانة المنشآت المائية وتمكينها من القيام بمهامها بكفاءة في التحكم في إمرار التصرفات المائية، مما يُسهم فى تحسين كفاءة الري بشكل عام، وضمان تطبيق المناوبات على الترع بما يضمن توصيل المياه بعدالة وكفاءة لكافة المنتفعين، بالإضافة لأهمية تأهيل بوابات أفمام الترع بإعتبارها جزء من خطة الوزارة لتطوير منظومة إدارة وتوزيع المياه بالتحول نحو توزيع المياه بالتصرفات بديلاً عن المناسيب.

وأشار سويلم إلى أن المشروع بدأ بعمل حصر وتقييم 54 ألف منشأ مائى في جميع أنحاء الجمهورية، وتم بناءاً على هذا التقييم تحديد المنشآت التي تحتاج للصيانة أو الإحلال، وتم البدء فى تنفيذ أعمال المشروع، حيث تم حتى تاريخه نهو المرحلتين الأولى والثانية من المشروع، وجارى العمل في المرحلة الثالثة من المشروع، وشملت المرحلة الأولى التي انتهت في يونيو 2024 إحلال 416 منشأ، وشملت المرحلة الثانية التي انتهت في ديسمبر 2024 إحلال 651 منشأ، كما يجرى العمل في تنفيذ أعمال المرحلة الثالثة من المشروع بإجمالى 2216 منشأ مائى موزعين على مختلف المحافظات.

وخطة "الأمن المائي للجميع 2050"، مرتبطة بشكل كبير بالزراعة الحديثة، وهو ما يؤكده الاهتمام الحكومى بالمشروعات الزراعية القومية، ومنها مشروع الدلتا الجديدة، القائم في الأساس على ترشيد المياه الفاقدة في الترع والمساقي؛ وكذلك ترشيد نسب استهلاك المياه، وتقليل نسبة الفواقد بشبكة المياه، أو الوصلات الخفيفة وترشيد الاستهلاك اليومي لمياه الشرب، ويشمل هذا المشروع التوسع في الاعتماد على مشروعات تحلية مياه البحر أو المياه الجوفية لتغطية احتیاجات مياه الشرب المستقبلية خاصة بالمدن الساحلية، والتوسع في إنشاء محطات المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحي لإمكان إعادة استخدامها، واتخاذ الإجراءات اللازمة للانتهاء من مشروعات تأهيل المساقي، والحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، بالإضافة إلى الاعتماد على المياه الجوفية أو تحلية مياه البحر لتوفير الاحتياجات المائية المستقبلية للمناطق الصناعية، مع إعادة استخدام المياه بعد معالجتها واستخدامها في الأنشطة الصناعية من خلال الدائرة المغلقة.

واتساقاً مع توجه الدولة، أصدرت وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة دليل جديد في تصميم محطات المياه، بحيث يتم ترشيد استهلاك الفرد ليصبح متوسط الاستهلاك اليومي 150 لترا بدلا 250 لترا حاليا.

كل هذه التحركات تؤكد المسارات المتوازية والمتعددة التي تسير عليها الدولة للحفاظ على أمنها المائى، فالدولة كما أكدت أكثر من مرة أنها لن تقف مكتوفة الأيدى أمام التعنت الإثيوبى، وأنها ستتخذ كافة التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي لحماية أمنها المائي، مع التشديد على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، بالتأكيد مجدداً على أن "مياه النيل هي قضية وجودية بالنسبة لمصر"، فإنها في الوقت نفسه لا تترك المسار الداخلى، بل تعمل بقوة على هذا المسار من خلال خطط وحملات ترشيد وتوعية لترشيد استهلاك المياه، مع استخدام الطرق الحديثة في الرى والزراعة، بما يحقق الهدف الأسمى للدولة المصرية وهو الحفاظ على أمنها المائى.

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق