الموت يلاحق الفلسطينيين في غزة: نيران القصف الإسرائيلي تزيد الآلام والمجاعة تحاصر مئات الالاف في القطاع المنكوب

السبت، 30 أغسطس 2025 08:55 م
الموت يلاحق الفلسطينيين في غزة: نيران القصف الإسرائيلي تزيد الآلام والمجاعة تحاصر مئات الالاف في القطاع المنكوب
محمود علي

حكومة نتنياهو المتطرفة تناور لرفض مقترحات وقف إطلاق النار

على مدار أكثر من 22 شهرًا من العدوان الإسرائيلي المستمر، تحوّل قطاع غزة إلى مسرح لأبشع كارثة إنسانية يشهدها العالم المعاصر، فالدمار المادي الذي خلفته الغارات والقصف لم يكن سوى وجه واحد للمأساة، فيما الوجه الآخر الأكثر قسوة يتمثل في التجويع الممنهج وحرمان أكثر من 2 مليون إنسان من أبسط مقومات الحياة، في مشهد يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى استخدام الغذاء كسلاح لفرض واقع جديد على الفلسطينيين، هذه السياسة الإسرائيلية لم تمر دون ردود إقليمية ودولية، لكنها كشفت أيضًا عن عجز المنظومة الدولية في وقف جرائم الإبادة الجماعية أو ضمان الحد الأدنى من حقوق المدنيين.

وببنما يحاول الوسطاء على رأسهم مصر بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة بذل كل ما في وسعهم من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، يواصل القطاع النزيف في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق استهدف كل ما هو إنساني, المستشفيات، المدارس، الصحفيين، وحتى الأطفال الذين تحوّل حاضرهم إلى كابوس دائم، ورغم موافقة حركة "حماس" على مقترح الوسطاء لوقف إطلاق النار، ترفض حكومة نتنياهو الانصياع، متمسكة بخيار الحرب الذي يفاقم المأساة الإنسانية ويفتح أبواب الغضب في الداخل الإسرائيلي والخارج.

التصعيد الإسرائيلي الواسع والجرائم المرتكبة بحق المرافق الصحية، لاقت إدانات أوروبية صريحة، إذ وصفت المفوضية الأوروبية قصف مستشفى ناصر بـغير المقبول على الإطلاق، مطالبة إسرائيل باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين والعاملين في المجال الصحفي.

كما شكل تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) جرس إنذار إضافياً، بعدما أكدت أن الهجمات الإسرائيلية باتت "جزءاً مرعباً من الواقع اليومي للأطفال"، حيث أوضحت المنظمة أن أكثر من 1.1 مليون طفل يواجهون صدمات نفسية وعاطفية عميقة، وأن نصف مليون إنسان وقعوا في براثن التجويع، مع وفيات "كان بالإمكان تجنّبها"، ووصف التقرير ما يحدث بأنه ليس مجرد حرب على الأطفال، بل "تدمير للحياة نفسها".

من جانبها واصلت القاهرة دورها النشط في محاولة كبح التصعيد، فقد أجرى وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي اتصالات مكثفة مع نظرائه في ألمانيا والدنمارك ومستشار الأمن القومي البريطاني، شدد خلالها على أن الأوضاع الإنسانية في غزة وصلت إلى "المجاعة"، داعياً إلى ضغط دولي على إسرائيل لوقف انتهاكاتها وفتح الممرات الإنسانية، كما أكد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة هو الطريق الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وجاءت كلمة وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، في الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي بجدة، لتعكس وضوح الموقف المصري وثباته تجاه قطاع غزة، فالوزير حمّل إسرائيل "المسؤولية الكاملة عن استمرار الحرب وتجاهل محاولات الوسطاء للتوصل لتهدئة"، مؤكدًا أن رفض حكومة نتنياهو لمقترح وافقت عليه حركة "حماس" لا يعني سوى إصرار على تعميق المأساة الإنسانية.

 

هذا الموقف المصري ليس مجرد رد فعل على التصعيد، بل هو امتداد لسياسة راسخة عبّر عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا، ومفادها رفض التهجير القسري للفلسطينيين ورفض "الظلم التاريخي" الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية، مع التأكيد على الحقوق الفلسطينية التاريخية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود يونيو 1967.

في كلمته، أدان عبد العاطي بأشد العبارات توسيع العمليات العسكرية في القطاع، مشددًا على أن القاهرة بذلت – ولا تزال تبذل – جهودًا غير مسبوقة لتخفيف المعاناة، فمنذ بداية الحرب، قدمت مصر نحو 70% من المساعدات الإنسانية الواصلة إلى غزة بما يعادل 550 ألف طن، فضلًا عن استقبال آلاف المصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج، لكن الدكتور بدر العاطي لم يكتف بعرض الأرقام، بل فضح العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام إدخال الإمدادات، إذ أشار إلى وجود أكثر من 5 آلاف شاحنة متوقفة على الجانب المصري، في وقت يحتاج القطاع إلى 700 شاحنة يوميًا لتلبية الحد الأدنى من احتياجاته، هذا التعطيل المتعمد، وفق قراءة مصرية، يدخل في إطار استخدام اسرائيل التجويع والحصار كسلاح لإرغام الفلسطينيين على القبول بخيار التهجير.

لم يقتصر خطاب عبد العاطي على غزة، بل توسع ليشمل الضفة الغربية حيث تواصل إسرائيل مخططاتها الاستيطانية، ومن أبرزها الإعلان عن بناء 3400 وحدة سكنية في منطقة E1، بما يؤدي إلى شطر الضفة إلى نصفين ووأد أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو ما أدى إلى وصف بدر العاطي هذه الخطط بأنها خرق صارخ لاتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة، ومحاولة لتغيير الواقع القانوني والجغرافي على الأرض.

وفي مواجهة تصريحات إسرائيلية حول "إسرائيل الكبرى"، أكد عبد العاطي أن القاهرة ترفض "جملة وتفصيلاً" هذه الأوهام، معتبرًا إياها مجرد تعبير عن "غطرسة القوة" لن تؤدي إلا لتأجيج الصراع وإغلاق أفق التعايش السلمي.

من النقاط اللافتة في تصريحات وزير الخارجية، ترحيب القاهرة بالاعترافات المرتقبة من بعض الدول بالدولة الفلسطينية، واعتبارها خطوة "فارقة طال انتظارها"، فمصر ترى أن الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لإنهاء أطول نزاع احتلالي في العصر الحديث.

عبد العاطي دعا الدول التي لم تتخذ هذه الخطوة بعد إلى الانضمام، معتبرًا أن الاعتراف هو الطريق الوحيد لتكريس حق تقرير المصير، وتعزيز فرص السلام الدائم في المنطقة.

وسبق أن أكد السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية والهجرة، أن الحملة الممنهجة للانتقاص من دور مصر الداعم لغزة هي "حملة بائسة" تستهدف تشويه الدور المصري الداعم للقضية الفلسطينية، وتؤدي إلى رفع الضغوط عن إسرائيل وتشتيت الانتباه عن الانتهاكات التي ترتكبها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحويلها نحو مصر.

وشدد "خلاف" على أن الحديث عن تراجع الدور المصري في القضية الفلسطينية "عبث سياسي"، وينم عن قصور واضح في فهم واستيعاب القضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة والأطراف المؤثرة فيها، مشدداً على أن القضية الفلسطينية راسخة في وجدان الشعب المصري وتحرك مشاعره، وستظل محورا رئيسيا في السياسة الخارجية المصرية لأنها قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية وأمنية، وقال إن مصر كانت ولا زالت مستمرة في دورها الداعم للحقوق الفلسطينية المشروعة، وستواصل جهودها حتى تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض.

وذكر أن مصر وفرت 70% من إجمالي المساعدات الإنسانية والإغاثية التي دخلت غزة منذ بداية الحرب، ونظمت مؤتمراً وزارياً دولياً حول الاستجابة الإنسانية في غزة في ديسمبر 2024 بمشاركة أكثر من 100 وفد لدعم الاحتياجات الإنسانية للشعب الفلسطيني، كما استقبلت مصر أعدادا غفيرة من المصابين والمرضى الفلسطينيين في المستشفيات المصرية.

وأشار متحدث الخارجية إلى إن مصر تستمر في جهود الوساطة الهادفة للتوصل لوقف إطلاق النار في القطاع وتعزيز نفاذ المساعدات الإنسانية وتبادل الرهائن والأسرى، بالتعاون مع قطر، موضحاً أن المفاوضات شهدت مراحل مختلفة من الصعود والهبوط منذ تقاعس إسرائيل عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل له في يناير الماضي، ونأمل أن يشهد مسار المفاوضات انفراجة تؤدي إلى التوصل لاتفاق والذي لا ينقصه سوى توافر الإرادة السياسية اللازمة لدى إسرائيل، لافتاً إلى أن مصر أعدت خطة متكاملة للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة لإجهاض مخطط التهجير، وحشدت بنجاح لدعمها من الغالبية العظمي من الدول، وتعتزم تنظيم مؤتمر دولي لحشد التمويل اللازم لتنفيذها.

على المستوى الدولي، تتزايد الدعوات إلى وقف إطلاق النار، حيث استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  قبل أيام اجتماع موسع في البيت الأبيض لمناقشة خطة شاملة لليوم التالي في غزة، متوقعاً إمكانية التوصل إلى تسوية قبل نهاية العام، لكن واشنطن تدرك أن الطريق ما زال معقداً في ظل تشدد الحكومة الإسرائيلية ورفضها أي هدنة مؤقتة لا تتضمن "صفقة شاملة".

بالتوازي مع التعنت الإسرائيلي الرسمي، تشهد إسرائيل احتجاجات واسعة النطاق في تل أبيب ومدن أخرى، حيث أغلق آلاف المتظاهرين الطرق الرئيسية وأشعلوا النيران للمطالبة بقبول صفقة للإفراج عن المحتجزين ووقف الحرب المستمرة، ويعكس اتساع نطاق الاحتجاجات حالة الانقسام الداخلي والضغط الشعبي على حكومة نتنياهو التي تواجه أصعب اختبار داخلي منذ سنوات.

في الوقت نفسه، تتواصل فصول المأساة في غزة بين قصف دموي وحرمان من أبسط مقومات الحياة، فيما تتصاعد الأصوات الدولية المطالبة بوقف النار ورفع الحصار، وبينما يراهن نتنياهو على الحسم العسكري، يراهن الفلسطينيون على صمودهم ودعم المجتمع الدولي لوقف هذه الحرب التي لم تعد مجرد صراع سياسي، بل حرب إبادة وتدمير شامل للحياة.

في سياق متصل، وفي مشهد يعكس تصاعد وتيرة العنف الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، شنّ الجيش الإسرائيلي سلسلة اقتحامات متزامنة، طالت عدداً من مدن وبلدات الضفة الغربية الأسبوع الماضي بينها بيت لحم والخليل ورام الله، هذه العمليات لم تقتصر على الاعتقالات والمواجهات الميدانية، بل امتدت لتستهدف قطاع الصرافة الفلسطيني، حيث جرى إغلاق مكاتب وتحويلات مالية ومصادرة مبالغ نقدية، في خطوة اعتبرها محللون محاولة لخنق الاقتصاد المحلي والضغط على التجمعات المدنية.

وقد أسفرت الاقتحامات عن إصابة أكثر من 24 فلسطينياً بالرصاص الحي والمطاطي، إضافة إلى عشرات حالات الاختناق بالغاز السام المسيل للدموع، بينما أكد الهلال الأحمر إصابة سبعة بالرصاص الحي وثلاثة آخرين بشظايا الأعيرة النارية، كما طال الاستهداف الصحفيين، إذ تعرّضت إحدى المركبات الإعلامية للرصاص المطاطي خلال تغطية الأحداث في رام الله والبيرة.

المشهد لم يتوقف عند حدود المواجهات، إذ تواصلت الاعتقالات بحق الفلسطينيين، بينهم أسرى محررون، فيما اعتقلت الشرطة الإسرائيلية في يافا أكثر من مئة عامل فلسطيني بحجة "عدم امتلاك تصاريح عمل"، وفي موازاة ذلك، أقدم مستوطنون على تخريب آبار مياه ومحطات في منطقة عين سامية قرب رام الله، وسط استمرار سياسة هدم المنازل وإجبار العائلات على النزوح في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية، وهي سياسة تتصاعد منذ أكثر من عامين بشكل منهجي.

محافظة رام الله والبيرة، ليلى غنام، وصفت الاقتحامات وما رافقها من عنف ميداني بأنها "إرهاب دولة منظم" يجري على مرأى المجتمع الدولي، مؤكدة أن هذه الممارسات لا تستهدف سوى كسر صمود الشعب الفلسطيني وترهيبه، لكن "شعبنا سيبقى متجذراً في أرضه مهما تصاعد العدوان".

هذا التصعيد المتواصل في الضفة الغربية يتقاطع مع العدوان المفتوح على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، ما يعكس – وفق مراقبين – استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تكريس واقع جديد يقوم على إضعاف الفلسطينيين في كل من غزة والضفة، ودفعهم إلى الانهاك المعيشي والنفسي عبر أدوات القمع والتهجير والحرمان.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة