البطل يفضح ألاعيب الخائن: من تل أبيب إلى لندن.. الإخوان الإرهابية تنسج خيوط الخيانة
الأحد، 31 أغسطس 2025 12:30 ص
العاصمة البريطانية "قاعدة عمليات" إخوانية ضد مصر.. و"إخوان إسرائيل" أحدث ستار للحروب القذرة
مرتزقة الجماعة ينفذون تكليفات مباشرة بمهاجمة السفارات المصرية في الخارج والتحريض النفسي والاعتداء المباشر على أعضاء الجالية
في الأشهر الأخيرة، تكشفت من جديد حقيقة جماعة الإخوان الإرهابية كأداة مرتزقة تتحرك وفق أجندات خارجية، بعدما نظمت تحركات احتجاجية أمام السفارات المصرية في تل أبيب ولندن ولاهاي.. مشاهد هزيلة، لكنها فاضحة: كيف تزعم الجماعة الدفاع عن فلسطين وهي تتظاهر في قلب إسرائيل ضد مصر؟!
إنّه فقط مشهد من الخيانة المعلنة، يكشف طبيعة هذه الجماعة التي لم تتردد يومًا في التحالف مع ألدّ خصوم الأمة إذا كان ذلك يخدم مشروعها الفاشل، تلك الوقفات التي ظهرت بواجهة "إنسانية" لم تكن عفوية، بل صُممت كأداة ضغط مدفوعة الأجر، أدارها التنظيم من الخارج، مستثمرًا معاناة غزة لإعادة إنتاج خطاب المظلومية.
فلندن تحولت مرة أخرى إلى ساحة مفضلة للإخوان، ليس لأنها مركز ثقل شعبي لهم، بل لأنها كانت وما زالت بوابة التواطؤ مع أجهزة استخباراتية اعتادت الجماعة الاحتماء بها منذ نشأتها، والهدف واضح: تشويه صورة الدولة المصرية، والإيحاء بوجود "معارضة شعبية" خارجية، بينما الحقيقة أن ما نراه مجرد مرتزقة بلا قاعدة، يسعون لتحقيق مكاسب رخيصة عبر تأجير أنفسهم لمن يدفع.
هذه ليست احتجاجات بقدر ما هي استعراض سياسي رخيص، ومحاولة اغتيال معنوي للمصريين في الخارج، يعكس سقوط الإخوان في الداخل وتحولهم إلى ورقة في يد الخارج، إنهم يكررون سيناريو الخيانة ذاته: المتاجرة بالقضايا العادلة لتصفية حسابات مع مصر.
احتجاج تل أبيب
وفي مشهد عبثي يكشف ازدواجية الخطاب الإخواني وتناقضه الصارخ مع الواقع، خرج عشرات من فلسطينيي الداخل أعضاء في التنظيم الدولى للإخوان ومن حاملي الجنسية الإسرائيلية، أواخر يوليو 2025 في مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب، رافعين لافتات تتهم القاهرة بأنها "شريك في حصار غزة"، والمفارقة أن المشهد خلا تمامًا من أي هتاف أو شعار ضد حكومة نتنياهو أو ضد الجيش الإسرائيلي الذي يقصف القطاع يوميًا، وكأن المتظاهرين وجدوا ضالتهم في تحميل مصر وحدها وزر معاناة غزة، متجاهلين الفاعل الحقيقي الذي يفرض الحصار ويشن الغارات.
والتقطت وسائل إعلام عربية وغربية هذه المفارقة، ووصفت المشاركين بأنهم «إخوان تل أبيب» ممن يحاولون تبييض صورة الاحتلال عبر شيطنة القاهرة، وتساءل الصحفي السعودي طارق الحميد ساخرًا: "لماذا يُحتج خارج السفارة المصرية في تل أبيب وليس أمام الكنيست أو وزارة الدفاع الإسرائيلية؟ من يقصف ويقتل هو إسرائيل، فلماذا الغضب موجّه فقط نحو مصر؟". هذا السؤال يعكس بوضوح البعد السياسي المنظم للاحتجاج، بعيدًا عن أي منطق إنساني أو واقعي.
وفي تلك المظاهرات لعبت رموز مرتبطة بتيارات الإخوان الفلسطينيين دورًا محوريًا في التحشيد لهذه الوقفة، وهو ما يفسر الطابع الانتقائي للمشهد، إذ جرى توجيه الغضب فقط ضد مصر، فيما ظل الاحتلال بمنأى عن أي نقد، ولم يتوقف الأمر عند تل أبيب، بل شهدت عواصم أوروبية مثل لاهاي ولندن تحركات مماثلة أمام السفارات المصرية، في محاولة لتصوير القاهرة كـ "المسؤول الأول" عن حصار غزة، بينما الحقائق على الأرض تشير بوضوح إلى أن إسرائيل هي من تفرض الحصار العسكري والاقتصادي وتتحكم في الممرات البرية والبحرية والجوية.
ولم تخرج هذه التحركات عن كونها "انتقامًا سياسيًا" من الدور الذي تلعبه القاهرة باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في معادلة غزة: فهي لا تخضع لابتزاز حماس ولا تساوم على أمنها القومي، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن مسؤوليتها الإنسانية تجاه القطاع. فمصر هي التى فتحت معبر رفح مئات المرات لنقل المساعدات والجرحى، في وقت تواصل فيه إسرائيل فرض قيودها المشددة على المعابر، لذلك فإن مهاجمة القاهرة تبدو محاولة متعمدة لتشويه صورتها إقليميًا ودوليًا، مع تجاهل الفاعل الأساسي الذي يفرض القصف والتجويع.
وبينما يرفع "إخوان الداخل" شعارات ضد مصر من قلب تل أبيب، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل باتت بعض الحركات التي تدّعي مناصرة غزة مجرد أدوات رمزية في خدمة أجندات سياسية، حتى لو كان الثمن تبرئة إسرائيل من جرائمها اليومية؟.. وهو ما تفسره السطور التالية.
"إخوان المهجر" يفتحون جبهة جديدة
بعد تل أبيب مباشرة، انتقلت العدوى إلى قلب أوروبا، حيث تحولت لندن في 10 مايو 2025 إلى ساحة مفتوحة أمام "إخوان المهجر" وحلفائهم، مجموعات مرتبطة بالائتلاف الإسلامي البريطاني لحقوق الإنسان (IHRC)، ومنظمات مثل CAGE وIslam21C، حرصت على رفع شعار "نصرة غزة"، لكن خلف اللافتات والميكروفونات كان هناك هدف واحد لا يتغير: مهاجمة الدولة المصرية واتهامها بـ"التواطؤ مع إسرائيل".
رفع المحتجون لافتات ضخمة تطالب بفتح معبر رفح فورًا، وهاجموا السفارة المصرية بعبارات مسيئة، بينما لم يجرؤوا على التظاهر أمام السفارة الإسرائيلية أو مواجهة اللوبي الصهيوني في بريطانيا، لذا فإن هذا التناقض الفج كشف أن المشهد لم يكن تعاطفًا إنسانيًا بقدر ما هو مناورة سياسية، وإعادة تدوير لأدوات الإخوان في الخارج: تحويل العواصم الغربية إلى منصات للهجوم على القاهرة، تحت ستار "القضية الفلسطينية".
ووسط هذا المناخ المسموم، برز اسم أحمد عبدالقادر الشهير بـ"ميدو"، رئيس اتحاد شباب مصر بالخارج، الذي دأب على فضح ألاعيب الجماعة وتوثيق محاولاتهم المتكررة لربط أبواب السفارات بالسلاسل وتعطيل العمل القنصلي والتلاعب بصورة مصر في الإعلام الغربي، ومواجهة الخونة من أمثال أنس حبيب، غير أن جرأته جعلته هدفًا مباشرًا، فتعرض لاعتداء لفظي وجسدي من عناصر مرتبطة بالإخوان أمام السفارة المصرية، قبل أن تنقلب الصورة بشكل صادم، حيث وجد نفسه قيد الاعتقال من الشرطة البريطانية بدلًا من المعتدين.
ووصفت الواقعة بأنها "إهانة مزدوجة" ورسالة خطيرة عن مدى تغلغل الجماعة في شبكات الضغط داخل بريطانيا، وعن حجم التساهل الذي تُظهره السلطات هناك تجاه تحركاتهم، فبينما تُرفع شعارات الحرية، تُترك يد الإخوان لتعتدي على الأصوات الوطنية وتشوه سمعة مصر بلا رادع.
وحاول الإخوان قلب الطاولة كعادتهم، فاستغلوا مقاطع الفيديو لتقديم أنفسهم في صورة "ضحايا القمع"، بينما ركزت الصحافة المصرية على كشف الوجه الحقيقي لهم: جماعة تحرّض على العنف وتستهدف كل من يعارضها، حتى لو كان فردًا من الجالية الوطنية، وهكذا، ارتفع ميدو من مجرد ناشط وطني إلى رمز لصراع مفتوح، وأصبح الاعتداء عليه عنوانًا على أن الإخوان الإرهابية لم يعودوا يكتفون بمهاجمة مؤسسات الدولة، بل انتقلوا إلى استهداف الأفراد شخصيًا في الخارج.
وبهذا، تحولت لندن إلى "قاعدة عمليات" إخوانية، ناهيك عن كونها تضم أحد أجنحة الجماعة القيادية، فصار المشهد: احتجاجات منظمة، خطاب سياسي موجّه، وحملات ممنهجة ضد رموز الجالية الوطنية المصرية، والرسالة واضحة تمامًا: ما بدأ في تل أبيب لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزء من حملة دولية متدرجة ضد القاهرة، تقودها الجماعة عبر تحالفات منظمات الضغط الغربية، مستخدمة الغرب كستار لحربها الدعائية ضد مصر.
من معركة المعابر إلى استهداف الأفراد
لم يعد الصراع مع جماعة الإخوان محصورًا في معركة "المعابر والحدود" أو في محاولات تشويه صورة الدولة المصرية على المنصات الدولية، بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورة ووضوحًا: استهداف الأفراد الوطنيين المصريين في الخارج، فالحادثة الأخيرة التي تعرّض لها أحمد عبدالقادر، لم تكن مجرد شجار عرضي أو خلاف عابر، وإنما تجسيد صريح لنهج إخواني قديم يُعيد إنتاج نفسه في عواصم الغرب، حيث تستخدم الجماعة أدواتها المألوفة: التشهير المنظم، التحريض النفسي، والاعتداء المباشر على كل من يفضح مشروعها.
وتجيد الجماعة الإخوانية التي تمرست لعقود على العمل السري والاغتيالات المعنوية في الداخل، توظيف سلاح "العنف الرمزي" ضد الخصوم. وبمجرد أن برز ميدو كصوت وطني قوي يواجه دعايتهم المضللة في لندن ويفضح خطابهم أمام الرأي العام، تحولت صفحاته على المنصات الإلكترونية إلى ساحة سب وقذف منظم، قبل أن يتطور الأمر إلى اعتداء جسدي أمام مقر السفارة المصرية، في رسالة أرادت الجماعة من خلالها أن تقول: لا سقف لتحركاتنا، حتى داخل العواصم الغربية التي تتشدق بحرية التعبير.
الأخطر أن هذه الحادثة لم تكن معزولة، حيث كشف أبناء الجالية المصرية في أوروبا عن سلسلة طويلة من المضايقات والتهديدات الممنهجة التي طالت نشطاء وطنيين؛ من اتصالات مجهولة ورسائل ترهيب، إلى محاولات تشويه السمعة وربطهم زورًا بالأجهزة الرسمية المصرية. والهدف واضح: خلق مناخ من الخوف يمنع أي مصري بالخارج من رفع صوته دفاعًا عن وطنه أو من فضح أجندة التنظيم.
الإعلام المصري رصد هذه التحولات بدقة، مؤكّدًا أن ما حدث مع ميدو ليس مجرد خلاف شخصي، وإنما جزء من خطة أكبر تسعى الجماعة عبرها إلى نقل معاركها الداخلية إلى الخارج، وتحويل المصريين الوطنيين في المهجر إلى أهداف مباشرة.
ويعكس هذا التكتيك مأزقًا عميقًا داخل التنظيم؛ إذ بعد فشلهم في تعبئة الشارع المصري أو كسب تعاطف الداخل، لم يتبقَّ أمامهم سوى تصدير أزماتهم للخارج ومحاولة ضرب الروح الوطنية للجاليات المصرية عبر "حرب معنوية قذرة" قائمة على التشويه والوصم والاعتداء.
ولعل خطورة هذا النهج تكمن في أنه يخلط بين السياسي والإنساني؛ فبدلًا من أن تظل المواجهة مع الدولة المصرية في إطار الخطاب والدعاية، باتت تستهدف الأفراد بشكل مباشر، وهو ما يثبت أن التنظيم لم يتخلَّ عن ثقافته التاريخية في تصفية الخصوم – معنويًا أو جسديًا – وأنه مستعد للتمادي في أي أسلوب قذر طالما يخدم وهم البقاء في المشهد.
وبهذا، يصبح استهداف الأفراد في الخارج امتدادًا طبيعيًا لخطاب التحريض ضد الدولة، وأداة تعويضية يحاول الإخوان عبرها الإيحاء لأنصارهم بأنهم ما زالوا "قادرين على الهجوم"، حتى ولو كان الثمن هو الاعتداء على مصريين شرفاء اختاروا الدفاع عن وطنهم خارج الحدود.
لماذا لندن وتل أبيب؟
لم يكن اختيار الإخوان لهاتين العاصمتين اعتباطيًا؛ فالجماعة تُدرك أن معركتها ضد الدولة المصرية لم تعد ممكنة من الداخل بعد سقوطها الشعبي والتنظيمي، فلجأت إلى الخارج حيث تسعى لتشويه صورة القاهرة واستدعاء ضغوط دولية عليها.
تل أبيب من جهة تمثل منصة دعائية مثالية؛ فهي مركز اهتمام إعلامي عالمي، وأي احتجاج فيها يتحول مباشرة إلى مادة خبرية على الشاشات ووكالات الأنباء الدولية، والجماعة الإرهابية تعرف ذلك جيدًا، وتستغل المشهد هناك لإلصاق اتهامات باطلة بمصر وربطها زورًا بالصراع في غزة، في محاولة رخيصة لتأليب الرأي العام العالمي ضد الدولة المصرية.
أما لندن، فهي محطة استراتيجية مختلفة، تجمع بين الثقل السياسي والإعلامي، وبين إرث تاريخي للجماعة التي وجدت منذ سبعينيات القرن الماضي ملاذًا في بريطانيا، وهناك نسجت شبكات إعلامية وبحثية ودعائية، ولا تزال تعتبر العاصمة البريطانية مسرحًا رئيسيًا لتحركاتها، لذلك، فإن الاحتجاج أمام السفارة المصرية في قلب لندن ليس إلا محاولة لإحياء هذا الإرث واستغلال البيئة الغربية لإعادة تصدير خطاب المظلومية، بعدما انكشف زيفه في الداخل.
الجماعة، إذن، لا تتحرك بعشوائية، بل توظف رمزية المكان لإيهام أن لديها حضورًا عابرًا للحدود، وفي الواقع، لم تعد هذه التحركات سوى مسرحية إعلامية باهتة، هدفها الاصطناع الدعائي وليس التعبئة الحقيقية.
في المحصلة، يكشف هذا السلوك حقيقتين: الأولى أن الإخوان بعدما فقدوا أي قاعدة شعبية داخلية، باتوا يستقوون بالخارج، والثانية أنهم يستخدمون قضايا المنطقة، وعلى رأسها مأساة غزة، كأداة رخيصة لتصفية حساباتهم مع الدولة المصرية، في انسجام تام مع أجندات أطراف إقليمية ودولية معروفة بعدائها للقاهرة.
الإخوان والمخابرات البريطانية: "صنعت بأيديهم"
منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية، ارتبطت الجماعة بجدل مستمر حول طبيعة علاقاتها مع القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا التي كانت آنذاك اللاعب الأبرز في المشهد المصري والإقليمي.
ورغم أن البنا قدم مشروعه في البداية باعتباره حركة إصلاحية اجتماعية – تربوية ذات هدف ديني وأخلاقي، فإن الواقع السياسي سرعان ما جعلها رقماً صعباً في معادلة الصراع بين القصر الملكي، القوى الوطنية، والمستعمر البريطاني.
وتُشير دراسات عدة، أبرزها ما وثقه الباحث البريطاني مارك كيرتس، بالاستناد إلى الأرشيف البريطاني، إلى أن الفترة ما بين عامي 1941 و1942 شهدت لقاءات سرية بين دبلوماسيين بريطانيين ومسؤولين مصريين، تم خلالها الاتفاق على تقديم دعم سري للجماعة.
ففي مايو 1942 مثلاً، تقرر "دفع إعانات خفية من البلاط الملكي إلى الإخوان" برعاية حكومة حسين سري باشا، وهو ما أكده تقرير استخباراتي بريطاني لاحظ أن القصر بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة لمواجهة تصاعد القوميين واليساريين، وهذا الدعم لم يكن مجانياً، بل ارتبط باستقطاب عملاء لمراقبة نشاط الجماعة واستخدامها كورقة ضغط في مواجهة التيارات الراديكالية الأخرى.
الهدف البريطاني آنذاك كان براغماتياً بالدرجة الأولى: الحاجة إلى واجهة دينية – شعبية توازن المد القومي واليساري، خصوصاً مع تزايد تأثير شخصيات مثل النحاس باشا، وصعود المد الشيوعي والعمالي في مصر، ومن هذا المنطلق، اعتبر "كيرتس" أن لندن تبنت سياسة "القتل باللطف" مع الإخوان، أي تقديم دعم محدود ومحسوب دون أن يعني ذلك إخضاعهم الكامل.
على الجانب الآخر، لا يمكن إنكار أن الإخوان في الأربعينات والخمسينات تبنوا مواقف قومية – إسلامية في كثير من القضايا، لاسيما في مواجهة النفوذ الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية، ما جعلهم يظهرون أحياناً في حالة تعارض مع الاستراتيجية البريطانية؛ إلا أن هذا التباين لم يمنع من وجود مساحات تنسيق ظرفي، خاصة حين كانت مصالح الطرفين تتقاطع في مواجهة خصوم مشتركين.
وتذهب الروايات التاريخية أبعد من ذلك في طرح تساؤلات حول جذور التمويل المبكر للجماعة. فقد أُشير إلى أن البنا تلقى تبرعاً كبيراً عام 1932 من البارون دي بنوا، مدير شركة قناة السويس، لبناء أول مقر للجماعة في الإسماعيلية، وبينما حاول البنا الدفاع عن التبرع قائلاً إنه "ليس مالاً أجنبياً"، ظل سكان الإسماعيلية يشككون في دوافع هذا التمويل، معلقين بسخرية: «كيف نصلي في مسجد بناه الخواجات؟!». وكان الانطباع السائد أن الإنجليز، الذين كانوا يتحكمون بمصير مصر آنذاك، لا يمنحون أموالاً بلا مقابل سياسي.
بمرور الوقت، تعمقت العلاقة بين الجماعة وبريطانيا بطريقة متناقضة: فبينما كان الإخوان يعارضون الاحتلال البريطاني في خطاباتهم العلنية، احتفظوا في الوقت نفسه بقدرة على فتح قنوات خلفية للتواصل والتفاوض.
ومع ثورة يوليو 1952 وصعود جمال عبد الناصر، تعرضت الجماعة لضربة قاسية، ما دفع بعض قياداتها للجوء إلى لندن، حيث وجدوا مساحة للعمل والتنظيم، وهكذا تحولت العاصمة البريطانية إلى ما يشبه “قاعدة عمليات” أوروبية للجماعة، ليس فقط لاستيعاب المنفيين، وإنما أيضاً لبناء شبكات تأثير في الغرب، وخصوصاً بعد تأسيس فروع للجماعة في السبعينات والثمانينات داخل بريطانيا وألمانيا.
في المحصلة، تبقى علاقة الإخوان بالمخابرات البريطانية موضوعاً مفتوحاً للتأويلات، فهناك من يراها مجرد تلاقي مصالح ظرفي بين قوة استعمارية وجماعة دينية صاعدة، وهناك من يذهب إلى حد القول بوجود ارتباطات بنيوية ساهمت في صعود الجماعة وحمايتها في لحظات تاريخية فارقة.
المؤكد أن لندن لم تغب أبداً عن حسابات الإخوان؛ من التمويل المبكر في الإسماعيلية، إلى دعم البلاط الملكي، وصولاً إلى توفير ملاذات آمنة في المنفى. وهو ما يجعل هذه الخلفية ضرورية لفهم الدور الذي تلعبه بريطانيا اليوم في استراتيجيات الجماعة ورهاناتها على المستقبل.