دينا الحسيني تكتب: ازدواجية لندن ورد القاهرة.. درس مصري صارم في قواعد الدبلوماسية الدولية

الأحد، 31 أغسطس 2025 05:51 م
دينا الحسيني تكتب: ازدواجية لندن ورد القاهرة.. درس مصري صارم في قواعد الدبلوماسية الدولية
مقر السفارة البريطانية بجاردن سيتي

في الأيام الأخيرة، شهدت الساحة الدبلوماسية تطورًا لافتًا حينما قررت السلطات المصرية إزالة الحواجز الخرسانية التي كانت تحيط بالسفارة البريطانية في حي جاردن سيتي وسط القاهرة، خطوة قد يراها البعض إجراءً إداريًا مرتبطًا بتنظيم المرور وتخفيف القيود على سكان المنطقة، لكنها في جوهرها تحمل رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية.

القرار المصري لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء على خلفية أحداث جرت في العاصمة البريطانية لندن، حيث سمحت السلطات هناك بتنظيم تظاهرات أمام السفارة المصرية، وصلت إلى حد التهجم على المبنى، في مشهد بدا أنه يفتقر لأبسط قواعد حماية البعثات الدبلوماسية المنصوص عليها في اتفاقية فيينا (1961).

الأكثر إثارة للجدل أن الشرطة البريطانية ألقت القبض على مصريين حاولوا الدفاع عن سفارتهم، بينما تركت عناصر جماعة الإخوان تتحرك بحرية في محيط المبنى، في ازدواجية واضحة أثارت غضب المصريين داخل وخارج البلاد.

وفي هذا السياق، بدا قرار القاهرة بإزالة الحواجز الخرسانية عن محيط السفارة البريطانية وكأنه رد محسوب بلغة «الدبلوماسية الهادئة»، لكنه في الوقت نفسه صارم الدلالة، إذ تجسد هذه الخطوة تطبيقًا عمليًا لمبدأ «المعاملة بالمثل»، وهو مبدأ راسخ في العلاقات الدولية والدبلوماسية، يقوم على أن تعامل الدولة الأخرى بذات المعايير التي تعامل بها سفارتك وبعثتك الدبلوماسية على أراضيها.

ويرى محللون أن القاهرة أرادت أن تبعث برسالة مزدوجة مفادها: سيادة الدولة المصرية فوق كل اعتبار، فلا يمكن لأي بعثة أجنبية أن تفرض قيودًا أو استثناءات غير مبررة على حساب المواطنين أو حركة الحياة الطبيعية في العاصمة، وأن احترام قواعد الدبلوماسية يعني احترام مبدأ المعاملة بالمثل، وهو مبدأ تعتمده معظم دول العالم لتجنب الخلل في علاقاتها الخارجية وضمان التوازن في التعامل بين الدول.

على الرغم من إزالة الحواجز، لم تتنصل مصر من مسؤولياتها الدولية، فالدولة المضيفة تظل مسؤولة عن حماية السفارات والبعثات الأجنبية على أراضيها، وهذا ما أكدته القاهرة من خلال إبقاء قواتها الأمنية في حالة استعداد لتأمين السفارة البريطانية، لكن دون استثناءات مفرطة أو وضع غير متوازن يضر بسيادتها أو يعطل حياة سكان جاردن سيتي.

الخطوة المصرية تحمل كذلك رسالة بأن حماية السفارات لا تعني منح امتيازات مطلقة، بل يجب أن تتم في إطار متوازن يراعي أمن الدولة المضيفة وسيادتها، ويحافظ في الوقت نفسه على التزاماتها الدولية، فهي ليست دعوة للتصعيد بقدر ما هي تذكير بحدود الاحترام المتبادل الذي يقوم عليه العمل الدبلوماسي.

بهذا الموقف، أظهرت مصر أنها قادرة على التعبير عن استيائها السياسي بلغة هادئة لكنها مؤثرة. فبدلًا من الدخول في جدل سياسي مباشر مع لندن، اختارت القاهرة أن توصل رسالتها بالفعل لا بالقول: إذا كانت بريطانيا قد تراخت في حماية السفارة المصرية، فإن مصر لن تمنح السفارة البريطانية ما هو أبعد من التزاماتها القانونية الأساسية.

خطوة إزالة الحواجز الخرسانية من أمام السفارة البريطانية لم تكن مجرد إجراء تنظيمي، بل قرار دبلوماسي محسوب بدقة، أعاد التأكيد على أن القاهرة متمسكة بسيادتها، وأنها لن تقبل بازدواجية المعايير في حماية البعثات الدبلوماسية.

لقد اختارت مصر أن تتحدث بلغة يفهمها الجميع في عالم السياسة: المعاملة بالمثل، لتقول بوضوح إن الاحترام المتبادل هو أساس العلاقات بين الدول، وإن سيادة الدولة المصرية لا تُساوم تحت أي ظرف.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة