الدكتور على يوسف الشريف وزير الخارجية السوداني السابق لـ"صوت الأمة": خطوط مصر الحمراء تتصدى بقوة لمحاولات تقسيم السودان.. والجيش العمود الفقري لدولتنا

الجمعة، 26 ديسمبر 2025 01:38 م
الدكتور على يوسف الشريف وزير الخارجية السوداني السابق لـ"صوت الأمة":  خطوط مصر الحمراء تتصدى بقوة لمحاولات تقسيم السودان.. والجيش العمود الفقري لدولتنا
الدكتور على يوسف الشريف وزير الخارجية السوداني السابق
حوار - محمود علي

الأمن المصرى والسودانى مرتبط بشكل وثيق ولا ينفصل.. وإضعاف الخرطوم جزء من محاولة لتضييق الخناق على القاهرة

الدعم السريع حاولت تصفية قائد الجيش لينفرد حميدتي برئاسة المجلس السيادي

ما جرى في دارفور جرائم حرب موثقة.. والمجازر في الفاشر ساهمت في خلق مناخ دولى يدفع نحو وقف الحرب

تأمين هجليج من قبل قوات جنوب السودان ضمن ترتيبات لاستمرار تدفق النفط وتفادي التصعيد العسكري

 

في ظل حرب طاحنة تدخل عامها الثالث، وتداعيات إنسانية وسياسية غير مسبوقة تهدد وحدة السودان واستقراره، تتكثف التحركات الإقليمية والدولية بحثا عن مخرج يوقف نزيف الدم ويعيد الدولة السودانية إلى مسارها الطبيعي.
 
وجاءت الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في توقيت بالغ الحساسية، لتؤكد مجددا عمق الارتباط الاستراتيجي بين مصر والسودان، والدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في دعم وحدة الدولة السودانية ورفض أي سيناريوهات للتقسيم أو الفوضى.
 
هذه الزيارة تزامنت مع حراك مصري نشط داخل إطار الرباعية الدولية في محاولة لإعادة إحياء مسار وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية تنهي الحرب، كما تتقاطع هذه الجهود مع مساعٍ أمريكية متصاعدة، مدفوعة بتطورات ميدانية خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، خاصة في دارفور، ما أعاد السودان إلى صدارة الاهتمام الدولي.
وخلال الزيارة، رسمت مصر خطوطها الحمراء للحفاظ على أمن واستقرار السودان الشقيق، حيث أكدت رئاسة الجمهورية في بيان، تجديد مصر تأكيدها على دعمها الكامل لرؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخاصة بتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان، وذلك في إطار توجه ترامب لإحلال السلام وتجنب التصعيد وتسوية المنازعات في مختلف أنحاء العالم، كما تتابع مصر بقلق بالغ استمرار حالة التصعيد والتوتر الشديد الحالية في السودان، وما نجم عن هذه الحالة من مذابح مروعة وانتهاكات سافرة لأبسط قواعد حقوق الإنسان في حق المدنيين السودانيين، خاصة في الفاشر.
وأكدت مصر أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن السماح بتجاوزها أو التهاون بشأنها باعتبار أن ذلك يمس مباشرة الأمن القومي المصري، الذي يرتبط ارتباطًا مباشرا بالأمن القومي السوداني، مجددة التأكيد على أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني هي أحد أهم هذه الخطوط الحمراء، بما في ذلك عدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان. وتجدد مصر في ذات السياق رفضها القاطع لإنشاء أية كيانات موازية أو الاعتراف بها باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه.
وشددت مصر على أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات هو خط أحمر آخر لمصر، وتؤكد مصر على حقها الكامل في اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها، كما جددت مصر حرصها الكامل على استمرار العمل في إطار الرباعية الدولية بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية، تقود إلى وقف لإطلاق النار، يتضمن إنشاء ملاذات وممرات إنسانية آمنة لتوفير الأمن والحماية للمدنيين السودانيين، وذلك بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة السودانية.
وللحديث عن الوضع في السودان، والخطوط الحمراء التي رسمتها الدولة المصرية، التقت "صوت الامة" بالسفير الدكتور علي يوسف الشريف، وزير الخارجية السوداني السابق، ليقدم قراءة شاملة لمسار الحرب، وأبعاد التحركات المصرية والأمريكية، ومآلات المبادرات الدولية، ومخاطر التقسيم، وحدود التدخل الخارجي، في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة السودانية. 
وإلى نص الحوار..
ما الأسباب الحقيقية التي قادت السودان إلى هذه الحرب؟ 
للحرب في السودان أسباب داخلية وأخرى خارجية ومن أهم الأسباب الداخلية الصراع المستمر على السلطة، وهو سبب متجذر في أغلب المشاكل التي واجهها السودان منذ استقلاله عام 1956.
بعد سقوط نظام الإنقاذ، نتجت وثيقة دستورية تحكم العلاقة بين مجلس سيادي برئاسة القائد العام للقوات المسلحة السودانية ونائبه الذي كان قائد قوات الدعم السريع، وتم استحداث هذا المنصب في الوثيقة الدستورية نظراً لوجود قوتين عسكريتين كبيرتين في الدولة (الجيش والدعم السريع)، في المقابل، كانت هناك الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك، والتي كانت تمثل قوى الحرية والتغيير في ذلك الوقت.
منذ تلك الفترة، بدأ الصراع حول الحكم وتصاعد التوتر بعد انتهاء حكم الرئيس عمر البشير وانحياز لجنته الأمنية للإطاحة به، استمر هذا الوضع المتأزم حتى اندلاع الحرب، التي كانت نتيجة محاولة انقلابية من قبل قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كان الهدف من هذه المحاولة هو القبض على قائد الجيش أو تصفيته، لينفرد حميدتي برئاسة المجلس السيادي.
كانت قوات الدعم السريع مدعومة في ذلك الوقت من قبل مجموعة كبيرة من القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير)، وكانت هناك جهود للتوصل إلى نظام حكم مبني على ما عرف بـ "الاتفاق الإطاري"، وهو تحالف بين قوى الحرية والتغيير وبعض القوى السياسية مع الدعم السريع، كان من المفترض أن ينضم الجيش تحت قيادته لهذا المشروع، لكن ممثلي القوات المسلحة انسحبوا من الورشة الرابعة التي كانت تبحث كيفية دمج الدعم السريع في الجيش، وذلك بسبب طرح مقترحات غير منطقية وغير مقبولة.
أدى ذلك إلى توقف العمل نحو اتفاق نهائي وتصاعد التوتر، حتى اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بهجوم على مقر سكن الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القيادة العامة، ومن ثم استمرار المواجهات حتى يومنا هذا.
أما بالنسبة للأسباب الخارجية، فهي ترتبط بالأطماع الدولية والإقليمية في خيرات السودان وثرواته المتعددة، بما في ذلك الثروات النفطية والمعدنية كالذهب واليورانيوم، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الواسعة والموارد المائية والموانئ الاستراتيجية على ساحل البحر الأحمر، تعود هذه الأطماع إلى فترات تاريخية قديمة، مثل مؤتمر برلين عام 1885 الذي قسم القارة الأفريقية، وأطماع الإمبراطورية البريطانية في السودان، هذه المصالح الخارجية ساهمت بشكل كبير في تأجيج الصراعات والمواجهات الداخلية من خلال أطراف محلية.
 
بعد مرور أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، كيف توصف المرحلة التي بلغها السودان اليوم؟
مع اقترابنا من نهاية العام الثالث للحرب في السودان بحلول شهر أبريل المقبل، يتضح أن الشعب السوداني هو المتضرر الأكبر ومن يدفع فاتورة هذه الحرب الباهظة، فقد تعرض السودانيون للنزوح الداخلي واللجوء الخارجي، فضلاً عن القتل ونهب الممتلكات والانتهاكات الجسيمة، خاصة من قبل ميليشيا الدعم السريع التي ارتكبت جرائم ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وانتهكت حقوق الإنسان بشكل صارخ.
على الصعيد السياسي، تدور المواجهة الحالية بين الجيش السوداني، الذي يمثل العمود الفقري للدولة، وميليشيا الدعم السريع المتمردة، وقد انقسمت القوى المدنية والسياسية حيال هذا الصراع؛ فبينما تقف الغالبية العظمى من الشعب خلف القوات المسلحة، تهاجم فئات أخرى الجيش وتتهمه بالخضوع لسيطرة القوى الإسلامية، وهو صراع سياسي واضح، وفي محاولة لترسيخ نفوذها، أنشأت الدعم السريع ما يسمى بـ "حكومة السلام" في مناطق دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر، وأقامت مؤسسات تحاكي مؤسسات الدولة، إلا أنها لم تنل أي اعتراف دولي أو إقليمي.
ميدانياً، وبعد جولة مفاوضات جدة الأولى، تمكنت الميليشيا من السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة وبعض مناطق وسط وغرب السودان، ولكن لاحقاً، نجحت القوات المسلحة السودانية في استعادة زمام المبادرة وإجبار الميليشيا على التراجع في الخرطوم والجزيرة ومناطق بوسط السودان.
انتقلت المواجهات بعد ذلك نحو دارفور وأجزاء من جنوب كردفان، حيث نشأ تحالف بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال (جناح عبد العزيز الحلو)، هذه الحركة، المتواجدة منذ حرب الجنوب، تقاتل الآن بجانب الدعم السريع وتسيطر على أجزاء من جنوب وغرب كردفان.
حالياً، يسيطر الدعم السريع على معظم إقليم دارفور، بينما تبسط القوات المسلحة سيطرتها على بقية أنحاء السودان. الحرب الآن في ذروتها والمواقف الميدانية متغيرة باستمرار، ومع تزايد الحديث عن احتمالات التوصل لقرار وقف إطلاق النار أو هدنة، يسعى كل طرف بكل قوته لتعزيز مكاسبه وتثبيت مواقعه على الأرض.
 
وفي ظل استمرار التصعيد الميداني.. ما فرص نجاح مبادرة الرباعية حول السودان؟ 
بالنسبة للرباعية، وهي مجموعة الدول الأربع المكونة من الولايات المتحدة، ومصر، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة؛ فإن الحكومة السودانية تتبنى موقفاً معارضاً لهذه المجموعة، ويعود السبب الرئيسي لهذه المعارضة إلى مشاركة الإمارات، حيث ترى الحكومة السودانية أنها تقدم الدعم والتأييد للدعم السريع، مما يجعلها طرفاً في النزاع وفقاً لرؤية الحكومة السودانية.
في الوقت الراهن، تجري مفاوضات واتصالات مكثفة بين مختلف الأطراف من خلال مستشاري الرئيس ترامب، خاصة بعد زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة وتحريكه لملف الحرب في السودان، وقد أشار ترامب إلى أنه لم يكن على علم بحقيقة سوء الأوضاع في السودان، لكنه أصبح الآن متابعاً وبشكل يومي ودقيق لما يجري، وبالفعل، بدأت واشنطن بالتحرك من خلال تصريحات وزير خارجيتها ومسؤولين آخرين وأعضاء في الكونجرس، بالإضافة إلى التغطية الواسعة للإعلام الأمريكي للأزمة، مما يعكس تحسناً مستمراً في الموقف الأمريكي.
وقد ساهمت الأحداث المأساوية في مدينة الفاشر وما تلاها من مذابح وقتل على الهوية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في تعديل الموقف الدولي والأمريكي، هذه الأحداث خلقت مناخاً يدفع نحو ضرورة وقف الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان.
وتتركز الجهود الحالية بشكل رئيسي حول الولايات المتحدة، إلى جانب الدور المحوري لكل من مصر والسعودية، وكما هو معروف، قام الرئيس البرهان بزيارة الرياض ثم القاهرة، وما زالت الجهود مستمرة للتوصل إلى تنفيذ هدنة وإنهاء الحرب في السودان بصورة تلبي تطلعات ومصالح القيادة والحكومة السودانية.
 
مع استمرار الحرب إلى أي مدى تتزايد مخاطر تقسيم السودان؟ 
تعد مخاطر تقسيم السودان حقيقة واقعة ومسألة مؤكدة، وهي في تقديري تمثل جزءاً من مؤامرة دولية تقودها أطراف تسعى لإضعاف الدول العربية، ولا سيما تلك التي تتبنى مواقف مناهضة للتطبيع مع إسرائيل، هناك جهات تعمل في الخفاء لزعزعة استقرار المنطقة العربية وتقسيم دولها وخلق أزمات مستمرة حولها.
لقد شهد السودان أولى خطوات التقسيم في عام 2011 بانفصال جنوب السودان، وذلك في أعقاب اتفاقية السلام التي وقعت بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، واليوم، نرى محاولات مستمرة لاستكمال هذا المخطط؛ حيث تبسط قوات الدعم السريع المتمردة سيطرتها على إقليم دارفور بالكامل بعد سقوط مدينة الفاشر، وقد شرعت في إقامة هيكل حكومي ورئاسي ومؤسسات تحاكي مؤسسات الدولة، في محاولة لفرض واقع جديد لتقسيم البلاد.
ومع ذلك، يبرز موقف دولي وإقليمي رافض لهذه التحركات؛ فلا توجد أي دولة أفريقية أو عربية أو أوروبية، ولا حتى الولايات المتحدة، تدعم التوجه نحو إنشاء دولة جديدة مقتطعة من السودان، وحتى هذه اللحظة، لم تعترف أي جهة دولية بهذه الحكومة الموازية أو بالواقع المفروض في دارفور.
كما يلعب الموقف المصري القوي دوراً محورياً في التصدي لمشاريع التقسيم، وهو ما انعكس بوضوح في بيانات "الرباعية" ومواقف الأطراف الدولية التي أكدت على ضرورة التمسك بوحدة السودان وسيادته على كامل أراضيه، إن هذه المواقف الإيجابية تدعم استمرار الدولة السودانية الموحدة رغم كل الجهود المبذولة على الأرض لتقسيمها.
ورغم أن خطر التقسيم لا يزال قائماً، إلا أن الخطوط الحمراء التي رسمتها مصر ودول أخرى، بالإضافة إلى الموقف الحازم للسلطة السودانية والجيش، تؤكد رفض أي شكل من أشكال التقسيم، فإذا كان التقسيم الأول قد تم برضا الأطراف المعنية، فإنه لا يوجد اليوم من يقبل بتكرار تلك التجربة أو يرضى بتقسيم السودان مرة أخرى.
 
رغم الجهود الأمريكية الواسعة حتى الآن لفرض هدنة شاملة بالسودان إلا إنها لم تنجح في وقف الحرب، من وجهة نظركم ما الأسباب الحقيقية وراء تعثر هذه المساعي؟
الجهود الأمريكية لا تزال مستمرة والاتصالات الدبلوماسية متواصلة بشكل مكثف، وتساهم كل من مصر والسعودية إلى جانب الوساطة الأمريكية، في تحريك ملف الأزمة السودانية بفعالية، وفي هذا السياق، جاءت زيارة "البرهان" للقاهرة والرياض، حيث تهدف هذه التحركات الدبلوماسية إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب ويعالج ملفات السلام والاستقرار في السودان. وهذه الجهود الدولية والإقليمية لا تزال قائمة، ولكن من الطبيعي في ظل ظروف الحرب وحالة الاستقطاب الحاد الراهنة ألا يكون التوصل إلى حلول نهائية أمراً سهلاً أو سريعاً، لذا، تظل الحاجة ملحة لاستمرار وتكثيف هذه المساعي الدبلوماسية للوصول إلى المبتغي.
 
كشفت تقارير إعلامية عن تدمير وإخفاء أدلة لعمليات قتل جماعي في الفاشر، كيف تقرأ هذه التطورات؟ 
لم تنجح محاولات التستر على المجازر المروعة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها السودان، فقد تضمنت هذه الجرائم عمليات قتل جماعي وتعذيباً وحشياً، بالإضافة إلى استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح في النزاع، وتعتبر هذه الأفعال جرائم حرب مكتملة الأركان، وقد تم كشف الكثير منها بطرق متعددة؛ فمنها ما قام أفراد تلك المجموعات المتمردة الوحشية بتصويره وتوثيقه بأنفسهم، ومنها ما تم رصده وتوثيقه بواسطة الأقمار الصناعية ووسائل الرصد الدولية المتقدمة، ومن المستحيل أن تضع هذه الحرب أوزارها ويعم السلام في ربوع السودان دون تحقيق العدالة ومحاسبة كل من تورط في هذه الأعمال الشنيعة، وضمان أن يدفع المجرمون ثمن ما اقترفوه في حق الأبرياء.
 
أعاد سقوط مدينة هجليج النفطية في غرب كردفان إلى الواجهة تساؤلات حول مستقبل الحرب.. إلى أي مدى يمكن لهذا التطور أن يغيّر موازين القوة ويفرض مسارًا سياسيًا جديدًا على أطراف الصراع؟
تقع منطقة هجليج في المربع السادس من مربعات النفط السودانية، وهي منطقة استراتيجية تقع في غرب كردفان، ولإدراك طبيعة التطورات الأخيرة في هذه المنطقة، لا بد من معرفة أن ما حدث تم بتوافق واتفاق بين الأطراف الثلاثة المعنية، وهي: حكومة السودان، وحكومة جنوب السودان، وقوات الدعم السريع المتمردة.
تعد منطقة هجليج حيوية للغاية لصادرات النفط من دولة جنوب السودان، حيث يمر النفط عبر هذا الحقل ومنشآته التي تضم معدات وأجهزة ومختبرات ضرورية لتصفية النفط وتسهيل مروره عبر أنابيب التصدير، وتعتمد جنوب السودان بشكل شبه كامل على عائدات صادرات النفط، كما تستفيد الحكومة السودانية أيضاً من رسوم عبور هذا النفط عبر أراضيها ومنشآتها في هجليج، وجرى التوافق على انسحاب القوات المسلحة السودانية التي كانت تحرس هجليج لتجنب وقوع مواجهة مباشرة مع قوات الدعم السريع داخل المنشآت النفطية، وحلت محلها قوات من جنوب السودان، بينما انسحبت الدعم السريع إلى خارج المنطقة، وبموجب هذا الاتفاق، أصبحت هجليج تحت سيطرة قوات جنوب السودان لضمان استمرار تدفق النفط وحماية المصالح الاقتصادية للدولة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع حتى انتهاء الحرب، بموافقة وتنسيق بين جميع الأطراف المعنية.
 
هل لدى إسرائيل دوراً في اشتعال الحرب السودانية؟
في تقديري، تلعب إسرائيل دوراً كبيراً ومحورياً فيما شهده ويشهده السودان حالياً، لقد كانت إسرائيل من أبرز الداعمين لانفصال جنوب السودان، حيث وقفت بقوة خلف هذا المسار حتى تحقق الانفصال الأول.
واليوم، تسعى إسرائيل مجدداً لإضعاف السودان وتقسيمه، من خلال وكلائها والجهات التي تعمل لمصلحتها، سواء كانت هذه الجهات إقليمية أو محلية من داخل السودان نفسه، إن مصلحة إسرائيل تكمن في إضعاف القوة العربية والدول العربية التي قد تشكل أي تهديد لأمنها، والسودان يقع في قلب هذه الاستراتيجية الرامية لتقويض تماسكه ووحدته.
في تقديري، إن ما يجري في السودان يستهدف مصر بالدرجة الأولى؛ فالسودان يمثل العمق الاستراتيجي لمصر، وأمن البلدين مترابط بشكل وثيق ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، لذا، فإن إضعاف السودان هو في الحقيقة جزء من محاولة لتضييق الخناق على مصر وإضعاف الدوائر المحيطة بها.
ولا يخفى على أحد أن الجيش المصري هو أقوى الجيوش العربية، وهو الجيش الذي حقق الانتصار على إسرائيل في حرب عام 1973؛ لذا فهو لا يزال يشكل خطراً حقيقياً وتحدياً استراتيجياً لإسرائيل، رغم وجود معاهدة سلام موقعة بين الطرفين.
والسبب الرئيسي في ذلك هو أن إسرائيل لا تسعى بصدق لتحقيق السلام مع الدول العربية ولا تضعه في أولوياتها؛ فلو كانت تنشد السلام حقاً، لوافقت على مبادرة السلام العربية التي طرحت منح الشعب الفلسطيني دولة مستقلة على الأراضي المحددة من قبل الأمم المتحدة وتكون عاصمتها القدس الشرقية، إن رفض مثل هذه المبادرات يؤكد أن تطلعات إسرائيل تتركز على التوسع، وبسط سيطرتها العسكرية والاقتصادية على المنطقة بأكملها. ومن هذا المنطلق، تساهم إسرائيل بشكل قوي ومباشر في إضعاف السودان وتقسيمه؛ لأن ذلك يصب في نهاية المطاف في إضعاف مصر، ويؤثر سلباً على الموقف العربي ككل.
 
برأيك هل تعكس حالة الاضطراب الدولي الراهنة غياب العقلانية في النظام الدولي أم عجزه عن إدارة الأزمات المتعددة في آن واحد؟
بالنسبة للنظام الدولي، فقد كان في السابق نظاماً أحادي القطب تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل شبه كامل، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهياره، وزوال سيطرته على جزء كبير من أوروبا، واختفاء حلف وارسو؛ حيث أصبحت أمريكا هي القوة المهيمنة الوحيدة في العالم.
أما الآن، فقد تبدلت الأوضاع إلى حد كبير؛ إذ عادت روسيا كدولة قوية تخوض حالياً حرباً في أوكرانيا، ورغم كل الدعم الأوروبي والأمريكي المقدم لأوكرانيا، إلا أن مسار الحرب لا يزال يصب في مصلحة روسيا.
وكما أشار الرئيس الصيني "شي جين بينغ" في الاحتفال الأخير الذي شهد أضخم عرض عسكري في التاريخ، فإن العالم أصبح الآن متعدد الأقطاب ولم يعد أحادي القطب كما كان في السابق، وتعد الصين اليوم أحد هذه الأقطاب، وروسيا قطب آخر، كما تشكل مجموعة "بريكس" بتكاملها قطباً دولياً جديداً.
إن النظام العالمي يمر حالياً بمرحلة إعادة تشكيل، وهو ما نتج عنه وجود فراغات سياسية في مناطق عديدة، أدت بدورها إلى نشوب نزاعات ومواجهات دولية، وهذا يفسر طبيعة الوضع الدولي الراهن، وأعتقد أن العالم سيستقر في نهاية المطاف على نظام متعدد الأقطاب بدلاً من الأحادية القطبية، وهو أمر بات مؤكداً في تقديري.
 
كيف تنظر إلى الدور المصري السياسي والإنساني الداعم لوضع حد لأزمة السودان؟
تعتبر مصر جزءاً حيوياً ومحورياً في المعادلة السودانية؛ وكما أكد الرئيس السيسي في عدة تصريحات هامة، فإن أمن السودان هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر، والسودان يمثل العمق الاستراتيجي والظهير لمصر، وكل ما يجري في السودان يؤثر بشكل مباشر على مصر.
وأي متابع يدرك أن العلاقات المتطورة والتكامل الاقتصادي المنشود بين مصر والسودان كفيل بصناعة قوة إقليمية كبرى في المنطقة، ولهذا السبب نجد قوى تعارض هذا المسار الاستراتيجي، ورغم ذلك، لعبت مصر دوراً كبيراً ومحورياً في دعم استقرار السودان، وساهمت مواقفها في تعزيز صمود الجيش السوداني ومواصلة انتصاراته الميدانية، وجاءت الزيارة الأخيرة البرهان للقاهرة لتؤكد بوضوح على الخطوط الحمراء التي لن تسمح مصر بتجاوزها، مما يقطع الشك باليقين بأن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تهديد يمس سيادة السودان أو وحدة أراضيه.
وفي ظل التدخلات السافرة والاعتداءات الواضحة في الشأن السوداني ومجريات الحرب، تبرز اليوم أهمية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين مصر والسودان، هذه الاتفاقية تتيح لمصر التدخل لحماية السيادة السودانية ووحدة البلاد، ورغم ما أُشيع سابقاً عن إلغاء هذه الاتفاقية، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي خطوات رسمية في هذا الصدد، وهي تظل اتفاقية سارية المفعول ومدتها 25 عاماً، وتجدد تلقائياً كل خمس سنوات، لتمثل اليوم خط دفاع رئيسي وأساسي ضد أي اعتداءات خارجية تستهدف السودان.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق