الهروب الكبير إلى آسيا
الإخوان الإرهابية تلجأ إلى ملاذات أمنة في جنوب شرق آسيا لإعادة إنتاج مشروع إرهابى طويل المدى
الأحد، 28 ديسمبر 2025 11:31 ص
الجماعة تستخدم النشاط الطلابي والمنح التعليمية ستار لنشر الفكر الإخوانى والأفكار الأيديولوجية
مقتل قيادى إخوانى في الفلبين يكشف استخدام مؤسسات تعليمة ودعوية كواجهة لنشاط إخواني منظم
حزبا العدالة والرفاهية الإندونيسى والعدالة الاشتراكية الإسلامية في ماليزيا أبرز الوجوه السياسية المتأثرة بالإخوان
لم يكن خروج جماعة الإخوان الإرهابية من قلب العواصم العربية مجرد تراجع تكتيكي، بل هروبًا واسع النطاق من ساحات أُغلقت في وجوههم بعد أن سقط القناع، وتهاوى مشروع ادّعى "الإصلاح"، بينما كان يراكم السلطة ويؤجل الصدام.
ومنذ عام 2013، ومع انكسار التجربة الإخوانية في مصر وتحوّلها إلى عبء أمني وسياسي، دخل التنظيم مرحلة الهروب الكبير: انتقالٌ من مراكز الثقل إلى الهوامش، ومن المواجهة المباشرة إلى التخفّي الذكي، ومن الشعارات الصاخبة إلى "الدعوة الناعمة"، والعمل الأهلي كقناع جديد لمشروع قديم.
في هذا المسار، لم تتبدّل الأهداف بقدر ما تبدّلت الجغرافيا، فالتنظيم الإخواني، الذي ضاقت بهم العواصم العربية ومعها الاوربية أيضاً، أعادوا رسم خرائطهم باتجاه مناطق أقل صرامة في الرقابة، وأكثر هشاشة في البنية المؤسسية، فكانت آسيا - وخاصة جنوبها الشرقي - محطة مثالية: تنوّع ديني وعرقي، مساحات عمل مدني واسعة، وحساسية سياسية تجعل كثيرًا من الحكومات تتجنّب الصدام.
هنا، لم يدخل التنظيم بصفته تنظيمًا، بل عبر واجهات تعليمية وخيرية وإعلامية، مستثمرًا خطاب "الاعتدال" و"الخدمة المجتمعية" لتبييض أيديولوجيا لم تتخلّ يومًا عن طموحها السياسي العابر للحدود.
وهنا لسنا أمام قصة توسّع دعوي بريء، بل سردية هروب منظّم، فحيثما أُغلقت الأبواب أمام التنظيم، فتح نوافذ خلفية؛ وحيثما فُرضت عليه المحاسبة، ارتدى أقنعة جديدة، فانطلقوا من المدارس ودور الرعاية إلى المنصات الرقمية والروابط الطلابية، متحركين بمنطق البقاء لا المراجعة، وبعقيدة التمكين لا الاندماج.
وهنا نحاول هذا المسار السرطاني: كيف أعادت الجماعة الإرهابية تموضعها في جنوب شرق آسيا؟
الهروب الاستراتيجي وإعادة بناء النفوذ
بعد عام 2013، وفي ظل تضييق غير مسبوق على حضورها السياسي والدعوي. فلم يُشكّل تراجع نفوذ الجماعة في العواصم العربية نهاية المشروع، بل مثّل نقطة انعطاف نحو بيئات أقل صدامية وأكثر قابلية للاختراق، خاصة في جنوب وجنوب شرق آسيا.
وجدت الجماعة الإرهابية في التنوع الديني والتعددي العرقي الذي يميز دولًا مثل ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، إلى جانب دول جنوب آسيا مثل بنغلاديش والهند وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى نيبال وبوتان، مساحات عمل مفتوحة تسمح بإعادة بناء شبكاتها بعيدًا عن الرقابة الصارمة، كما أسهم ضعف الأطر القانونية المنظمة للعمل الخيري والتعليمي، واتساع هامش النشاط المدني، في تهيئة بيئة مناسبة لتغلغل تدريجي يتخفى خلف واجهات محلية.
ولم يكن هذا التمدد وليد اللحظة، بل امتدادًا لمسار تاريخي بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي، مع إنشاء الجماعة عام 1944 "قسم الاتصال بالعالم الإسلامي"، الذي تطور لاحقًا إلى ما عُرف بـ"التنظيم الدولي"، بوصفه أداة لربط الجماعة بالحركات الإسلامية خارج مصر، وهو إرث أسهم في تمكين الإخوان من نسج علاقات طويلة الأمد مع جماعات إسلامية آسيوية، بعضها تأثر بالفكر الإخواني دون ارتباط تنظيمي مباشر.
وفي جنوب آسيا، تداخل التمدد الإخواني مع صعود حركات الإسلاموية المحلية، حيث شكّلت "الجماعة الإسلامية" في شبه القارة الهندية، التي أسسها أبو الأعلى المودودي، نموذجًا ملهمًا من حيث البنية والتنظيم والخطاب، وإن احتفظت باستقلالها السياسي.
كذلك مع عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، شهدت المنطقة ما يشبه صحوة إسلاموية أعادت تنشيط الروابط الفكرية والسياسية بين هذه الجماعات، ووفرت للإخوان فرصة لإعادة تقديم أنفسهم كفاعل متكيّف مع التحولات الإقليمية.
وفي جنوب شرق آسيا، ركزت الجماعة على إعادة إنتاج النفوذ عبر الأدوات الناعمة، خاصة التعليم والعمل الخيري والنشاط الطلابي، ففي ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، استُخدم الغطاء التعليمي والدعوي لبناء قواعد ولاء طويلة الأمد، مستفيدين من الانفتاح النسبي على المجتمع المدني، بما يشبه إعادة هندسة شاملة لمسارات النفوذ، اعتمدت على نقل الصراع من المجال السياسي المباشر إلى الحيز المجتمعي والثقافي، مع الاستثمار طويل الأمد في التعليم والعمل الخيري، تمهيدًا لإعادة إنتاج المشروع السياسي في توقيت أكثر ملاءمة.
استثمار الجهادية في إعادة إنتاج المشروع العابر للحدود
تمثل ساحة جنوب شرق آسيا في بنيتها التاريخية والاجتماعية خزانًا أيديولوجيًا جاهزًا لاستقبال التصورات الأممية العابرة للحدود، دون الحاجة إلى إعادة هندسة عميقة للوعي الديني أو السياسي، حيث سبقت الجماعات الإسلامية المحلية في المنطقة – منذ عقود – بطرح تصورات متكاملة حول "الدولة الإسلامية الموازية" و"الكيان العابر للأوطان"، وهي تصورات تلاقت لاحقًا مع طموحات جماعة الإخوان الإرهابية الباحثة عن ساحات بديلة لإعادة التموضع.
ويبرز هذا المعطى بوضوح في التجارب المبكرة التي شهدتها ماليزيا، والتي تحولت إلى مركز ثقل تنظيمي وفكري، حيث تبلورت فيها شبكات تنسيق عابرة للحدود بين جماعات مسلحة وتنظيمات أيديولوجية متعددة الخلفيات، ويدلل على ذلك اجتماع "رابطة المجاهدين" الذي عُقد في سوبانج سيلانغور عام 1999 نموذجًا دالًا، إذ جمع ممثلين عن حركات مسلحة في الفلبين وجنوب تايلاند وبورما وسنغافورة، إلى جانب مندوبين عن الجماعة الإسلامية في إندونيسيا، بما يعكس مبكرًا فكرة الربط بين القضايا المحلية والمشروع الأممي الأشمل.
وتكمن خطورة جنوب شرق آسيا في أنها لا تمثل بيئة "مصنّعة" للتطرف، بل فضاءً تاريخيًا راكم ميراثًا جهاديًا خاصًا به، مستقلًا نسبيًا عن التجارب العربية، وهذا الميراث، الذي تشكل عبر صراعات الهوية والاستقلال والتمرد على المركز، وفر أرضية خصبة لإعادة استثمار الخطاب الجهادي بعد إخفاق محاولات فرض نماذج "الخلافة" في مناطق أخرى، ومن هنا، تحولت المنطقة إلى مقصد استراتيجي لكل من يسعى إلى استعادة الزخم الأيديولوجي، مستفيدًا من سرديات النصر التاريخي، وعلى رأسها تجربة أفغانستان بوصفها رمزًا لانتصار "الهامش" على القوة العظمى.
وتتغذى هذه السرديات على بُعد رمزي شديد العمق في المخيال الديني، حيث تُستدعى مفاهيم "الشرق" و"خراسان" و"الرايات السود" باعتبارها مسرح الخلاص القادم، في مقابل تراجع مركزية الجغرافيا العربية التي فقدت – في نظر كثير من التيارات المتشددة – قدرتها على احتضان مشروع الهيمنة الشاملة، ويُعاد إنتاج هذا الخطاب داخل مجتمعات جنوب شرق آسيا باعتباره تعبيرًا عن خصوصية دينية وثقافية، لا امتدادًا لتجارب فاشلة في مناطق أخرى.
وفي هذا السياق، تلعب المظلومية الإخوانية دورًا محوريًا في تهيئة البيئة للتعبئة الأيديولوجية، لا سيما في مناطق تعاني من توترات تاريخية مثل جنوب الفلبين وجنوب تايلاند، إضافة إلى قضايا الأقليات المسلمة في بورما، حيث تُقدَّم هذه القضايا بوصفها دليلًا على "“الاضطهاد العالمي للمسلمين"، ما يخلق تعاطفًا واسعًا يتجاوز الانتماءات التنظيمية الصلبة، ويفتح المجال أمام تبرير العنف وإضفاء القداسة عليه باعتباره ردًا مشروعًا على هيمنة خارجية متخيلة.
وتُسهم البنية الاجتماعية في دول جنوب شرق آسيا في تسهيل هذا المسار، حيث تنتشر قابلية عالية لتبني خطاب المؤامرة والعداء للغرب، ويُنظر إلى كل من يرفع شعار المواجهة بوصفه "مدافعًا عن الأمة"، بغض النظر عن طبيعة ممارساته أو أهدافه الفعلية. هذا المناخ يسمح بتحويل الفعل الجهادي إلى رمز مقاومة، ويُعيد تأطير تنظيمات عنيفة – مثل القاعدة وداعش – باعتبارها امتدادًا لأمجاد تاريخية أو أدوات لحماية المسلمين من القمع، لا مشاريع فوضوية تهدد استقرار المجتمعات.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع تنامي أعداد الجهاديين المحليين والوافدين إلى المنطقة، ما يحول جنوب شرق آسيا إلى مخزون بشري استراتيجي قابل لإعادة التوظيف في أي لحظة، فالتجارب السابقة أظهرت قدرة هذه الساحات على استيعاب الهزائم المرحلية وتحويلها إلى دوافع تعبئة جديدة، عبر نقل مركز الصراع من الجغرافيا إلى الفكرة، ومن الدولة إلى "الأمة المتخيلة".
ضمن هذا المشهد، لا يتحرك الإخوان– والتيارات القريبة منهم – كقوة صدامية مباشرة، بل كفاعل براغماتي يدرك أهمية التكامل غير المعلن بين العمل الدعوي والسياسي من جهة، والنشاط الجهادي من جهة أخرى، فالجهادية، في هذا التصور، ليست بديلًا عن المشروع السياسي، بل أداة ضغط وتعبئة تُستخدم لإرباك الدول، وخلق مساحات نفوذ غير خاضعة للرقابة، تُمهّد لاحقًا لعودة التنظيمات الأكثر تنظيمًا إلى الواجهة.
ويعكس هذا التداخل إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد الهدف هو السيطرة المباشرة، بل إعادة إنتاج النفوذ عبر إدامة الصراع، وتوسيع دوائر التعاطف، وتحويل جنوب شرق آسيا إلى مسرح ضغط دولي قابل للتوظيف في ملفات متعددة، وبهذا المعنى، تصبح المنطقة جسرًا أيديولوجيًا، لا ساحة نهائية، تُستخدم لإعادة فرض حضور الإسلام السياسي في المعادلة الدولية، بعد أن فقد أدواته التقليدية في الشرق الأوسط.
وبذلك، لا يمكن فهم التحركات الجارية في جنوب شرق آسيا بمعزل عن الرؤية الأممية الأشمل، التي تسعى إلى إضفاء الشرعية على العنف، وتقديمه بوصفه امتدادًا طبيعيًا لصراع تاريخي مفتوح، فالهزيمة هنا لا تعني النهاية، بل إعادة التموضع، والانتقال من صدام الدولة إلى تفكيك المجتمع، ومن المواجهة المباشرة إلى الاستنزاف طويل الأمد، مستفيدين من بيئة ترى في الخطاب المتشدد بطولة، وفي الفوضى طريقًا للخلاص.
الفلبين: اللعب في مناطق الظل
تُعد الفلبين واحدة من أكثر الساحات التي نجحت جماعة الإخوان الإرهابية في توظيفها بوصفها مساحة عمل رمادية، مستفيدة من تعقيدات المشهد الديني والعرقي، وأزمات المسلمين التاريخية في جنوب البلاد، ولا سيما في إقليم مينداناو، ففي هذه المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، تُطرح قضايا التهميش والاضطهاد كمدخل عقائدي وإنساني يبرر حضور التنظيم وأنشطته، تحت لافتات الدعم المجتمعي والدفاع عن الحقوق المدنية، بينما يجري في الواقع بناء نفوذ تنظيمي متخفٍ.
واعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية في الفلبين على خطاب مزدوج: خطاب علني يرفع شعارات التضامن مع مسلمي مينداناو، ودعم مطالبهم بالحقوق السياسية أو الحكم الذاتي، وخطاب آخر غير معلن يركز على إعادة إنتاج الأيديولوجيا الإخوانية داخل المجتمع المحلي. هذا التناقض بين المعلن والمضمر سمح للجماعة بالتحرك في "مناطق الظل"، حيث يصعب على الدولة الفصل بين النشاط الدعوي أو الإنساني المشروع، والعمل التنظيمي العابر للحدود.
وفي هذا السياق، كشفت واقعة مقتل قيادي إخواني مصري في مدينة زامبوانجا، في ديسمبر 2025، جانبًا مهمًا من هذا النشاط الخفي، فقد أظهرت التقارير الإعلامية أن القتيل كان يدير "مؤسسة الإنسان للتنمية الاجتماعية والتعليمية" ومدرسة "آسيا الأكاديمية الإسلامية"، وهما مؤسستان تعملان في المجالين التعليمي والدعوي، وتُعدان واجهتين لنشاط إخواني منظم داخل الفلبين.
ولم تسلط هذه الحادثة الضوء فقط على وجود كوادر إخوانية أجنبية في المنطقة، بل كشفت عن بنية تحتية تعليمية ودعوية أُنشئت في قلب أزمة مينداناو، بعيدًا عن أعين الرقابة الصارمة.
وتؤدي المدارس والمؤسسات الخيرية التي يديرها الإخوان دورًا مزدوجًا؛ فمن جهة، تقدم خدمات تعليمية ودينية تلبي احتياجات المجتمع المحلي، ومن جهة أخرى، تُستخدم كمنصات لبناء شبكات ولاء فكرية وتنظيمية، فالتربية الدينية التي يتلقاها الطلاب لا تنفصل عن خطاب سياسي مؤدلج، يُعاد تمريره تدريجيًا عبر مناهج وأنشطة موازية، بينما تعمل القيادات الإخوانية في الخلفية على نسج علاقات سرية مع النخب المحلية والكوادر الشابة.
ويتداخل العمل الخيري المعلن مع أجندات سياسية متخفية، حيث تتحول المنح الدراسية والمساعدات الاجتماعية إلى أدوات تأثير وتطويع فكري، فالطلاب المستفيدون من هذه المنح يُعاد دمجهم داخل دوائر فكرية مغلقة، بينما تُدار المساعدات الإنسانية عبر عناصر مرتبطة بتنظيمات إسلامية دولية، ما يخلق تبعية ناعمة طويلة الأمد.
ويوضح هذا النموذج أن الإخوان لا يتعاملون مع الفلبين كساحة دعوية فقط، بل كمنطقة اختبار لإعادة بناء النفوذ في بيئات هشّة، حيث تختلط القضايا الإنسانية المشروعة بأجندات سياسية مؤجلة، تنتظر اللحظة المناسبة للظهور العلني.
ماليزيا وإندونيسيا: التحالف مع المحلي لتبييض الفكر
تُعد ماليزيا وإندونيسيا من أبرز النماذج التي نجحت فيها جماعة الإخوان الإرهابية في إعادة إنتاج نفوذها عبر التحالف مع الحركات الإسلامية المحلية، مستفيدة من الخصوصيات السياسية والدينية لكل دولة، ففي هذين البلدين، لم تسعَ الجماعة إلى تأسيس تنظيم إخواني صريح يحمل الاسم ذاته، بل اعتمدت على استراتيجية أكثر مرونة تقوم على الاندماج داخل كيانات محلية قائمة، وتغذية خطابها الأيديولوجي تدريجيًا من الداخل.
وفي إندونيسيا، يُستحضر حزب العدالة والرفاهية PKS بوصفه نموذجًا قريبًا فكريًا من الإخوان، حيث تأسس بدعم وتناغم مع تنظيمات إسلامية دولية. الحزب نجح في توسيع قاعدته الاجتماعية عبر الاستثمار في المدارس الدينية ومنظمات المجتمع المدني، مقدّمًا نفسه كحركة إصلاحية أخلاقية، بينما حافظ في الوقت ذاته على خطاب سياسي يعكس جوهر الفكر الإخواني دون إعلان تنظيمي مباشر، وهو ما سمح بترسيخ حضور إخواني غير معلن داخل النخبة السياسية والشبابية، بعيدًا عن الحساسية المرتبطة باسم التنظيم.
أما في ماليزيا، فيُنظر إلى حزب العدالة الاشتراكية الإسلامية PAS بوصفه حاملًا واضحًا لمرجعية الإسلام السياسي التي تتبناها جماعة الإخوان، وينقل باحثون أن الحزب يعتنق فكرة الإسلام السياسي ويفتخر بأن أيديولوجيته السياسية متأثرة بالفكر الإخواني، مع تكييف هذا الفكر بما يتلاءم مع السياق الماليزي.
ولم يطرح هذا التماهي الأيديولوجي بوصفه تبعية تنظيمية، بل قُدّم باعتباره خيارًا سياسيًا محليًا نابعًا من الخصوصية الثقافية والدينية للبلاد، وهو ما أسهم في تقليل كلفة الارتباط بالإخوان.
ويشير محللون إلى أن التيارات الموالية للإخوان في هذه الدول غالبًا ما تتجنب الظهور العلني باسم الجماعة، مفضلة العمل من داخل أطر حزبية أو حركات إسلامية محلية ذات أهداف شعبوية.
ففي جنوب تايلاند، على سبيل المثال، شهدت الانتخابات صعود أحزاب "قومية ملايو" توصف بالاعتدال، إلا أن تقارير صحفية أكدت ارتباط بعض هذه الكيانات بأفكار الإخوان، حيث جرى الحديث عن وجود منظمات إسلامية تتبنى الفكر الإخواني ضمن هذا المشهد، وهو ما يوضح اتساع نموذج "الشريك المحلي" كوسيلة لتبييض الأيديولوجيا.
ويعكس هذا النهج إدراك التنظيم الدولي لحساسية السياق الآسيوي تجاه التنظيمات العابرة للحدود، فبدلًا من رفع راية التنظيم، يجري زرع كوادر ونخب وسيطة داخل المدارس والمنظمات والجمعيات المحلية، وبهذا، تتماهى الأيديولوجيا الإخوانية مع مشاريع سياسية محلية، فتبدو كجزء طبيعي من المشهد، بينما تُعاد صياغتها تدريجيًا بما يخدم أهداف التمكين على المدى الطويل.
وتُعيد الجماعة، في هذا الإطار، استخدام أدواتها التقليدية لكن بواجهات جديدة تتنكر للبيئة المحلية، في مقدمة هذه الأدوات تأتي الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، التي تُستغل كقنوات للعمل الخيري والدعوي، حيث تشير دراسات متخصصة إلى أن الإخوان أعادوا توجيه نشاطهم نحو "العمل المجتمعي" خارج أوطانهم، مع التركيز على التعليم الديني والخدمات الإنسانية كوسيلة للنفاذ البطيء إلى المجتمعات، وعلى أرض الواقع، رُصدت حالات في ماليزيا جرى فيها توظيف الرموز الدينية لإضفاء شرعية اجتماعية وجمع التبرعات، بما يعكس تسييس العمل الخيري.
إلى جانب ذلك، يحتل النشاط الطلابي والمنح التعليمية موقعًا محوريًا في استراتيجية الإخوان، فالجامعات والأندية الطلابية تُستخدم كمساحات آمنة لبذر الأفكار الأيديولوجية، عبر روابط ثقافية وحلقات دينية ومنح دراسية تُقدّم بوصفها دعمًا أكاديميًا، بينما تعمل فعليًا على بناء ولاءات فكرية طويلة الأمد، خاصة بين الشباب الإسلامي.
كما وسّع الإخوان من حضورهم في الإعلام الرقمي ومنصات "الدعوة الناعمة"، مستفيدين من انخفاض كلفة الانتشار وصعوبة الضبط، ورصدت تقارير دولية توسع التنظيمات الإخوانية في استخدام المنصات الرقمية للتدريب والتجنيد والدعاية عبر شبكات عابرة للحدود، مع تقديم أنفسهم كناشطين إنسانيين أو مصلحين اجتماعيين، وبهذا، بات الإعلام الرقمي مسرحًا جديدًا لإعادة إنتاج خطاب الإخوان، دون الحاجة إلى وجود قيادات ظاهرة في الميدان.
وماذا بعد؟
يمكن النظر إلى هجرة جماعة الإخوان الإرهابية إلى جنوب وجنوب شرق آسيا ليس بوصفها مجرد انتقال جغرافي، بل كاستراتيجية متكاملة لإعادة صياغة النفوذ السياسي والفكري بعد انكسار حضورها في العالم العربي، فقد وجدت الجماعة في هذه المناطق بيئة غنية بالفرص، حيث التجمعات المسلمة الكبرى، والهشاشة المؤسسية، والتنوع الثقافي، ما أتاح لها تحويل النشاط الدعوي والخيري إلى أداة لإعادة إنتاج المشروع السياسي، مع الاحتفاظ بالمرونة والقدرة على التكيف مع السياقات المحلية.
وتكشف هذه المرحلة عن إدراك متقدم لطبيعة الصراعات الحديثة، فالإخوان لا يسعون إلى الهيمنة المباشرة، بل إلى خلق شبكات تأثير طويلة الأمد، تربط بين التعليم والدعوة والعمل المدني والإعلام الرقمي، بطريقة تجعل الجماعة حاضرة دون الظهور الرسمي، وقادرة على الاستفادة من أي تصدع سياسي أو اجتماعي، كما تظهر هذه الساحة كمنصة لتجربة أدوات النفوذ المتنوعة، من التماهي مع الحركات المحلية إلى الاستفادة من القضايا الإنسانية والاجتماعية لتكوين قاعدة ولاء واسعة، مما يحوّل أي نشاط ميداني أو مدني إلى جزء من استراتيجية أيديولوجية بعيدة المدى.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يشير هذا التحوّل إلى أن الجماعة لم تتوقف عن التفكير في مشروعها العابر للحدود، لكنها غيّرت آليات الوصول والتمكين، مستفيدة من السرديات التاريخية والجهادية القائمة، ومن البيئة الاجتماعية والسياسية التي تسمح بتوسيع نطاق التأثير دون إثارة مواجهة مباشرة مع الدولة أو المجتمع.
باختصار، تعكس المرحلة الحالية قدرة الجماعة على تحويل الهزيمة المباشرة إلى فرص تموضع استراتيجي، وتؤكد أن جنوب وجنوب شرق آسيا لم تعد مجرد ملاذ آمن، بل أصبحت مختبرًا لإعادة إنتاج الإسلام السياسي، وصياغة مشروع طويل المدى يمكن أن يعيد للإخوان زخمًا عالمياً، مستفيدًا من هشاشة الرقابة، وانفتاح المجتمعات المحلية، وقابلية الشباب لتبنّي خطاب مضاد للغرب يعزّز أيديولوجيا التنظيم في أفق مستقبلي بعيد المدى.