قلعة قصر اللبخة بالوادي الجديد.. حصن روماني عمره 1600 عام يتحدى الزمن في قلب الصحراء

الأحد، 28 ديسمبر 2025 02:17 م
قلعة قصر اللبخة بالوادي الجديد.. حصن روماني عمره 1600 عام يتحدى الزمن في قلب الصحراء

في قلب الصحراء الغربية، وعلى بعد نحو 43 كيلومترًا من مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، تقف قلعة قصر اللبخة شامخة فوق نقطة مرتفعة من الأرض، في مشهد مهيب يخطف الأنظار ويمنح الزائر إحساسًا بالعزلة وصفاء الروح.
 
شُيدت القلعة منذ نحو 1600 عام من الطوب اللبن، وتحيط بها جدران يصل ارتفاعها إلى 12 مترًا، تدعمها أربعة أبراج مستديرة ضخمة تتوزع على أركانها، في تصميم عسكري يعكس أهميتها الاستراتيجية. وقد أنشأها الرومان لحماية وحراسة الطرق التجارية القديمة، خاصة تقاطع طرق القوافل القادمة من درب الأربعين مرورًا بالواحات.
القلعة1
 
وتقع القلعة عند وادٍ أسفل الجرف الشمالي، حيث تمركزت بها حامية عسكرية لمراقبة وتأمين طريقين تجاريين مهمين من الشمال والغرب. ويقع مدخلها الرئيسي في الجهة الشرقية، المؤدي اليوم إلى بقايا جدران منهارة وحجرات مقببة طمرتها الرمال مع مرور الزمن.

مركز عمراني نابض بالحياة قديمًا
وتشير الشواهد الأثرية إلى أن قلعة اللبخة لم تكن معزولة، بل كانت تتوسط مجتمعًا عمرانيًا مهمًا، حيث تحيط بها بقايا مبانٍ طينية، إلى جانب بئر كبير ونبع قديم جنوب القلعة، لا يزال محاطًا بأشجار النخيل والسنط والطرفاء، وكانا المصدر الرئيسي للمياه لسكان الموقع.
 
ويرجح حجم البئر وامتداد قنوات المياه المحفورة قديمًا، أن مجتمعًا كبيرًا كان يعيش بالمنطقة، يعتمد على شبكة ري متكاملة لتغذية الحقول الزراعية. ورغم أن القلعة نفسها لم تخضع للتنقيب الكامل، فإن دراسات أثرية حديثة أجراها المجلس الأعلى للآثار بالتعاون مع بعثة «ألفا نيكروبوليس» الفرنسية أسفرت عن اكتشاف تماثيل صغيرة وكميات كبيرة من الفخار الروماني أسفل الجدران الغربية والجنوبية.

نقطة مراقبة وتأمين للقوافل
واستغل اليونان ثم الرومان الموقع في إنشاء مركز تجاري نشط، لم يتبقَ منه سوى خمسة مواقع أثرية بارزة، من بينها قلعة بيريس والمعبدان الشمالي والجنوبي، إلى جانب حصن مقام فوق شبكة معقدة من مناور الري، التي عُرفت منذ العصر الفارسي وازدهرت في العصرين اليوناني والروماني.
 
وتضم منطقة اللبخة نحو 16 ممرًا من المناور تنتهي بما يقرب من 75 فتحة لاستخراج المياه، إلا أن عوامل التعرية وزحف الرمال أدت إلى ردم أغلبها، ومع ذلك ما زالت المنطقة تحتفظ بخصوصيتها كبيئة طبيعية معزولة ذات طابع روحي فريد.
قلعة2
 

عبقرية هندسية لحفظ المياه
وتُعد المناور نظامًا هندسيًا عبقريًا لحفظ المياه، وهي سراديب وأنفاق تُحفر أسفل الأرض في الصخور الرملية، لنقل المياه لمسافات طويلة دون تعرّضها للتبخر أو الهدر. وقد طوّر الرومان هذا النظام بشكل لافت، مستفيدين من خبرات الفرس، ليصبح الأسلوب الرئيسي لري الواحات وزراعتها.
 
وساعدت فتحات المناور، التي يدخل منها الضوء والهواء، في متابعة تدفق المياه وصيانة القنوات، وهو ما منح هذا النظام اسمه المشتق من «النور». وقد استُخدم هذا الأسلوب في مناطق عديدة بالواحات، مثل أم الدبادب والبليدة والجب وعين مناور قرب معبد دوش.

شاهد حي على حضارة الصحراء
ورغم مرور القرون، لا تزال قلعة قصر اللبخة شاهدًا حيًا على عبقرية الإنسان القديم في التكيف مع الصحراء، ومثالًا فريدًا على التقاء العمارة العسكرية بالهندسة المائية، لتظل واحدة من أبرز الكنوز الأثرية التي تمنح زائريها إحساسًا بالهيبة والسكينة في آن واحد.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق