بعد اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته من قوات "دلتا" الأمريكية .. ماذا يحدث في فنزويلا ؟
السبت، 03 يناير 2026 02:39 م
ريهام عاطف
في الساعات الأولى من صباح اليوم السبت، هزَّت سلسلة من الانفجارات العنيفة العاصمة الفنزويلية كاراكاس، صاحبها انقطاع واسع للتيار الكهربائي وتحليق مكثف لطائرات حربية على ارتفاعات منخفضة، ما أثار حالة من الذعر والترقب في الشوارع ، وذلك مع الاعلان من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عملية عسكرية أميركية واسعة داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جوا خارج البلاد ، دون الكشف عن مصيرهما .
ووفقا لما تم الاعلان عنه فقد تم تنفيذ العملية بالتنسيق بين القوات العسكرية الأميركية وأجهزة إنفاذ القانون، في إطار هجوم استهدف العاصمة كراكاس فجر اليوم، بعد أن استخدم الرئيس الأميركي لفظ "Flown" للإشارة إلى نقل مادورو وزوجته جوا إلى خارج فنزويلا، من دون الإفصاح عن وجهتهما النهائية، مكتفيا بالقول إن الإجراءات القانونية ستُستكمل لاحقا وفق ما تقرره الإدارة الأميركية.
ورغم عدم إعلان ترامب صراحة نقل مادورو وزوجته إلى الولايات المتحدة، فإن التقديرات تشير إلى أن عملية الترحيل قد تكون جرت على مراحل، تبدأ بنقلهما إلى إحدى النقاط الأميركية المتقدمة في منطقة الكاريبي، وربما إلى سفن حربية أميركية منتشرة في المنطقة، تمهيدا لنقلهما لاحقا إلى الأراضي الأميركية ، في ظل وجود مذكرة توقيف صادرة عن محكمة في نيويورك بحق مادورو، تتعلق باتهامات مرتبطة بتهريب المخدرات.
قوات "دلتا"
تُعد قوات دلتا التي اعتقلت الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ، تحت غطاء قصف دقيق وتشويش إلكتروني واسع، شلَّ الرادارات والدفاعات الجوية وأجهزة الاتصال، ما أحدث حالة "شلل تام" سهلت الوصول إلى مادورو في مخبئه،هي إحدى الوحدات القتالية الأمريكية الأكثر نخبوية، إذ تعمل في نطاق شديد السرية، وتتخصص في مهام مكافحة ما تصفه الولايات المتحدة بـ"الإرهاب"، وإنقاذ الرهائن، وتنفيذ عمليات التدخل السريع، وتعتمد هذه القوة على الإنزال الجوي والاشتباك المباشر، ويُعرف عناصرها بمستوى عالٍ من الكفاءة القتالية والتدريب المتقدم.
وتُعرف هذه الوحدة في الإعلام الأمريكي باسم "وحدة العمليات الخاصة" ، وقد تأسست قوة "دلتا" في 21 نوفمبر 1977، في سياق ما تصفه الولايات المتحدة بتزايد الحوادث "الإرهابية" خلال سبعينيات القرن الماضي، والتي حظيت آنذاك بمتابعة إعلامية واسعة.
وجاءت فكرة إنشائها بدفع من الضابط تشارلي بيكوث، أحد عناصر القوات الخاصة في الجيش الأمريكي المعروفة بـ"القبعات الخضراء"، مستفيداً من خبرته القتالية في حرب فيتنام، ومن احتكاكه المباشر بالقوات البريطانية الخاصة “الخدمة الجوية الخاصة” (SAS) ضمن برامج تبادل الخبرات. وسعى بيكوث إلى نقل النموذج البريطاني وتطوير وحدة أميركية متخصصة في مكافحة "الإرهاب".
وارتكزت فلسفة التأسيس على إنشاء مجموعات صغيرة، شديدة الاستقلالية، وقابلة للتكيف السريع، تمتلك طيفاً واسعاً من المهارات اللازمة لتنفيذ العمليات المباشرة والمهام المعقدة.
تتولى قوات "دلتا" تنفيذ عمليات مكافحة "الإرهاب"، وتحرير الرهائن، والتدخل السريع في البيئات عالية الخطورة. كما تضطلع بمهام استطلاع وتنفيذ عمليات سرية تُصنف ضمن إطار حماية الأمن القومي الأمريكي، مع اعتماد كبير على الإنزال الجوي والاشتباكات المباشرة.
وزير الدفاع الفنزويلي
علي الجانب الاخر شهد المشهد الداخلي الفنزويلي تطورا لافتا مع ظهور وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي يشغل أيضا منصب نائب الرئيس لشؤون الدفاع، في خطاب عبر الهاتف، أكد فيه أن البلاد تعرضت لما وصفه بـ"أكبر هجوم وعدوان رسمي من الولايات المتحدة".
وشدد بادرينو على أن "الشعب متماسك وسنقاوم هذا العدوان"، في إشارة إلى أن القيادة العسكرية لا تزال فاعلة داخل البلاد، رغم الضربات التي استهدفت مواقع حساسة في العاصمة.
فنزويلا داخليا
داخل فنزويلا تم انتشار واسع لقوات مشتركة من الجيش والشرطة والقوات الشعبية في شوارع العاصمة، في محاولة للسيطرة على الوضع الأمني ، كما أظهرت صور تواجدا عسكريا مكثفا وإغلاقا كاملا لمحيط القصر الرئاسي في منطقة ميرافلوريس.
شريعة الغاب وصراع القوى
ومن جانبه أكد الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، أن النظام الدولي يمر بمرحلة خطيرة ومركبة تعكس ترسيخاً لمبدأ "شريعة الغاب"، وذلك تعليقاً على الأنباء المتداولة وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما إلى الولايات المتحدة.
واصفاً ما يحدث بأنه "سقطة جديدة في النظام الدولي"، مشيراً إلى أن مجرد تداول هذه التصريحات -سواء صحت عملية الاعتقال أم لا- يضع منطقة أمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي برمتها في "مهب الريح".
مشيرا إلي أن الرئيس الأمريكي يسعى من خلال هذه التحركات تجاه فنزويلا إلى إسقاط النظام القائم، والعمل على إيجاد بديل جديد موالٍ للإدارة الأمريكية.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن واشنطن تتخذ من "تهريب المخدرات" حجة لتبرير هذه الضربات، مشدداً على أن هذه الذريعة لا تمنح الحق -سواء بموجب القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة- في إسقاط الأنظمة المعارضة لأنظمة أخرى.
مؤكدا أن التداعيات المترتبة على هذا السلوك ستكون "كارثية"، ومجدداً وصفه للمرحلة الراهنة بأنها مرحلة "شريعة الغاب" التي تغيب فيها الالتزامات والقيم الدولية.
ومن جانبه أكد الدكتور أشرف سنجر، خبير السياسات الدولية، أن ما تشهده العاصمة الفنزويلية كاراكاس من قصف صاروخي وانفجارات يمثل "اختباراً حقيقياً للقوة" ولمدى تماسك الجبهة الداخلية للرئيس نيكولاس مادورو، مشيراً إلى وجود رغبة أمريكية واضحة لتغيير النظام.
وأوضح "سنجر" أن العمليات الحالية سبقتها عملية استخباراتية أمريكية قبل عدة أيام أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استهدفت أحد المواقع في كاراكاس.
ولفت خبير السياسات الدولية إلى أن الرئيس الفنزويلي يبدو في موقف "ضعيف للغاية"، مستشهدا بلقاء أجراه مادورو مع صحيفة إسبانية قبل يوم واحد من الأحداث الجارية، حيث حاول تقديم حلول للولايات المتحدة، مبدياً استعداده للشراكة مع واشنطن في الحرب على المخدرات، وفتح أبواب بلاده لاستثمارات الشركات البترولية الأمريكية.
وأشار "سنجر" إلى أن الولايات المتحدة، عبر البنتاجون والقوى العسكرية، تسعى لترجمة حديث ترامب الأخير في وسائل الإعلام إلى واقع، حيث تستهدف العمليات الحالية مناطق عسكرية وقادة عسكريين في فنزويلا.
وأكد أن هذا التحرك يعكس أهمية الملف الفنزويلي للسياسة الأمنية والعسكرية الأمريكية، كما يحمل رسالة واضحة إلى الصين.