يوسف أيوب يكتب: مصر أول من حذر من سيناريوهات تهديد أمن البحر الأحمر

الأحد، 04 يناير 2026 10:00 ص
يوسف أيوب يكتب: مصر أول من حذر من سيناريوهات تهديد أمن البحر الأحمر

اعتراف تل أبيب بـ"صومالى لاند" وتحركات الأنتقالى الجنوبى باليمن وأحداث السودان تكشف عن تحركات مريبة لهندسة أقليمية 
المذكرة الإثيوبية مع الإقليم الانفصالى الصومالى كانت البداية.. والقاهرة نبهت من خطورة الأفكار التفتيتة لدول المنطقة وتصدت لها بقوة
 
لا يحبذ الكثيرون نظرية المؤامرة، ويعتبرونها شماعة، سهلة لتعليق الفشل وتبرير العجز، أو كوسيلة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات، لكن في المقابل فإن الرفض لنظرية المؤامرة قد يتصادم مع وقائع متسلسلة، مجرد الربط بينها يعود بنا مرة أخرى إلى هذه النظرية. بالتأكيد الواقع ربما يكون أكثر تعقيدًا من مجرد طرح تفسيرات سطحية أو اتهامات جاهزة او معلبة، لإن السياسة وتوازنات القوة كثيرًا ما تُدار في خلف الستار، حيث تتقاطع المصالح وتُنسَج التحالفات بعيدًا عن أعين الرأي العام، ولا يظهر لنا الا النتائج.
 
وفي عالم السياسة خاصة الخارجية، لا تُدار الأمور والتحالفات دائمًا في العلن، بل تمتلئ الغرف المغلقة باتفاقات سرية، وحروب شُنّت بذريعة وأُخفيت دوافعها الحقيقية، وهو ما يستدعى أن نقف على النتيجة النهائية لأى حدث، ثم نبدأ في قراءة خريطة المصالح وتشابك القوى، وتفكيك هذه الخريطة لنصل إلى أقرب تحليل لما يجري خلف الكواليس، حتى لا تقودنا نظرية المؤامرة إلى تحليلات غير متفقة مع الواقع، بل مرتبطة بوقائع محددة، ومصالح واضحة.
 
الأسبوع الماضى، فاجأت إسرائيل، دول المنطقة بإعلانها الاعتراف بأقليم "أرض الصومال" أو "صومالى لاند"، وجرت مكالمة "بالفيديو" بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ووزير خارجيته جدعون ساعر، مع عبد الرحمن محمد عبد الله، رئيس ما يسمى بأقليم أرض الصومال، حيث تبادل الأثنان الأعتراف المتبادل.
 
هذا الأمر لا يمكن قراءته بعيداً عن حدثين، الأول، جرى في بداية 2024، حينما وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، تسمح لأديس أبابا غير الساحلية باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة تتيح لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر لمدة 50 سنة لأغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف الإثيوبى بأرض الصومال، ولم تكتفى إثيوبيا بذلك، بل في نهاية أغسطس 2024 أرسلت مندوباً جديداً بدرجة سفير إلى أرض الصومال، وذلك لأول مرة منذ بدء العلاقات بين أديس أبابا والإقليم.
 
وكلنا نعلم حجم العلاقة بين إسرائيل وإثيوبيا، حيث تعد الاراضى الإثيوبية بيئة نشطة للتحركات الإسرائيلية تجاه القرن الأفريقي والقارة الأفريقية بأكملها.
والناتج أمامنا الأن أن إثيوبيا وإسرائيل هما فقط من أبرموا اتفاقات مع أقليم أرض الصومال، وهو ما يؤكد التنسيق المشترك بينهما.
 
الحدث الثانى، كان في تحرك أخر مفاجئ لكن على أرض اليمن، حيث خالف "المجلس الانتقالي الجنوبى" اتفاق الرياض للمرحلة الانتقالية في اليمن، وأعلن السيطرة على محافظتى "حضرموت والمهرة"، كنواة لإعادة أحياء فكرة دولة اليمن الجنوبية، رغم أن المجلس الانتقالي الجنوبى ممثل بـ3 أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي اليمنى، من بين 7 أعضاء.
 
قد تسأل، وما علاقة ما حدث في أرض الصومال، مع ما يحدث في اليمن؟
كلنا نعلم وندرك أن التحركات الكبرى في السياسة الدولية لا يمكن النظر إليها بوصفها وقائع منفصلة، بل توضع ضمن أطار تحالفات مترابطة، ورؤية تجاه هندسة سياسية متكاملة، واذا ما نظرنا إلى مكان أرض الصومال ومعها حضرموت اليمنية، سنجد أننا أمام واقع جديد يتشكل فيما يمكن تسميته بفضاء البحر الأحمر، الذى تحول إلى منطقة استراتيجية، وتتركز عليه الأعين، خاصة من الدول الكبرى قبل الإقليمية، ونجد منذ فترة مساعى من البعض لإعادة السيطرة على هذا الفضاء، من خلال تشكيل كيانات سياسية وأخرى امنية، بعدما ظهرت منطقة البحر الأحمر كمسرح عمليات دولية واسعة النطاق، وزادت أهميتها بعد حرب غزة الأخيرة، بإطلاق ميليشيا الحوثيين صواريخ تجاه الإراضى المحتلة، وهو ما زاد من رغبات البعض وفى مقدمتها إسرائيل إلى إعادة هندسة المنطقة، وتشكيلها من جديد، ولتكن البداية بظهور كيانات جديدة، ومنحها الوصفة الشرعية، لتكون نقطة أنطلاق لسيطرة إسرائيلية على "البحر الأحمر"، وبناء شبكات نفوذ وتواجد في هذه المنطقة الأستراتيجية، لتكون منطلقاً لتنفيذ بقية الهدف، وهو زيادة تفكيك بعض الدول العربية من الداخل، وانطلاق السيطرة الإسرائيلية ومعها ما يمكن تسميتهم بأصدقاء تل أبيب، وفى مقدمة هؤلاء بطبيعة الحال إثيوبيا، التي تريد أن تنتقل من الدولة الحبيسة إلى صاحبة المنفذ على البحر الأحمر.
 
ولا يمكن فصل ذلك عن تزايد الاهتمام الدولى بمنطقة البحر الأحمر، وإنشاء بعض الدول لقواعد عسكرية على سواحل البحر الأحمر.
 
اذن نحن لا نتحدث انطلاقا من نظرية مؤامرة وإنما وقائع لهندسة أقليمية يجرى تنفيذها بخطط طويلة الأمد وأخرى قصيرة الأمد، ولا يمكن أيضاً أن نبعد عن تفكيرنا وقائع ما يجرى حاليا في السودان، حيث تتلقى ميليشيا الدعم السريع دعماً من بعض الأطراف قريبة الصلة بإسرائيل، وهدفهم واضح، وهو تقسيم السودان مجدداً، لزيادة النفوذ والسيطرة على البحر الأحمر، الذى تريد إسرائيل ان تجعله ساحة واسعة لتحركاتها، والاستفادة من موقعه الاستراتيجي وكذلك الثروات التي يتوقع استكشافها به.
 
والحق أن مصر كانت أول من تنبه لهذه الأفكار الخطيرة التي بدأت إسرائيل ومعها بعض أصدقائها تنفيذها "على نار هادئة"، لذلك وقفت بقوة للمحاولة الإثيوبية منح إقليم ارض الصومال الشرعية، لأن القاهرة وقتها كانت تدرك أن هذه مقدمة لسيناريو قادم، فأكدت على وحدة السودان، وحشدت الدعم الدولى خلف هذا الموقف. واليوم تقود القاهرة تحركاً إقليميا ودولياً لمجابهة كافة تفاصيل السيناريو الإسرائيلي، ومن ينظر إلى البيان الصادر باسم مصر عن وزارة الخارجية في 27 ديسمبر الماضى، سيجد أن القاهرة وهى تتحرك تركز على الثوابت، وتبنه إلى خطورة التحركات التي تسعى من خلالها إسرائيل إلى خلق كيانات وهمية في المنطقة، تكون تحت أمرة تل أبيب، وهنا أنقل البيان كما هو:
 
تؤكد جمهورية مصر العربية الرفض التام للاجراءات الأحادية التي تمس سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها وتتعارض مع الأسس الراسخة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".
 
وقبل هذا البيان وفور الإعلان الإسرائيلي، تحركت القاهرة، باتصالات مكثفة من وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى، مع وزراء خارجية الصومال وتركيا وجيبوتي، تم التأكيد خلالها على الرفض التام وإدانة اعتراف اسرائيل باقليم أرض الصومال، وشددوا على الدعم الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو تقويض أسس الاستقرار في البلاد، وشددوا  على دعم مؤسسات الدولة الصومالية الشرعية، ورفض أي محاولات لفرض كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة الصومالية، كما جري خلال الاتصالات التأكيد على أن الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول يُعد سابقة خطيرة وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين وللمبادئ المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأن احترام وحدة وسيادة وسلامة أراضي الدول يمثل ركيزة أساسية لاستقرار النظام الدولي، ولا يجوز المساس به أو الالتفاف عليه تحت أي ذريعة، مع التأكيد على رفض أي محاولات لفرض واقع جديد أو إنشاء كيانات موازية تتعارض مع الشرعية الدولية وتقوض فرص تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وتم التأكيد على الرفض القاطع لأية مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه، التي ترفضها الغالبية العظمي لدول العالم شكلاً وموضوعاً وبشكل قاطع.
 
وبعدها وسعت الدبلوماسية المصرية مروحة اتصالاتها، وانتهت إلى إصدار بيان مشترك من مجموعة دول عابرة للأقاليم، ضم 21 دولة بالإضافة إلى منظة التعاون الإسلامي، أكدوا على 5 نقاط رئيسية وأساسية وهى:
 
1- الرفض القاطع لإعلان اسرائيل يوم ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ عن اعترافها بإقليم "أرض الصومال" الكائن في جمهورية الصومال الفيدرالية، على ضوء التداعيات الخطيرة لهذا الإجراء غير المسبوق على السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وتأثيراته الخطيرة على السلم والأمن الدوليين، وهو ما بعكس كذلك عدم اكتراث اسرائيل الواضح والتام بالقانون الدولي. 
 
2- الإدانة بأشد العبارات لهذا الاعتراف، الذي يمثل خرقا سافرا لقواعد القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، الذي أكد على الحفاظ على سيادة الدول، ووحدة وسلامة أراضيها.
 
3- الدعم الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية، ورفض أي إجراءات من شأنها الإخلال بوحدة الصومال، وسلامته الإقليمية، وسيادته على كامل أراضيه.
4- التأكيد على إن الاعتراف باستقلال اجزاء من أراضي الدول يمثل سابقة خطيرة وتهديد للسلم والأمن الدوليين وللمبادئ المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. 
 
5- الرفض القاطع للربط بين هذا الإجراء وأي مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه، المرفوضة شكلا وموضوعا وبشكل قاطع.
 
كل هذه التحركات كانت اتصالا بقراءة مصرية مسبقة بإن "إقليم أرض الصومال" سيكون محور اهتمام من بعض الدول، وان الخطوة الإثيوبية كانت مجرد البداية، كما ان الدبلوماسية المصرية، كانت تدرك أن ما يحدث في اليمن قد يدخل ضمن هذه التحركات، وأيضاً ما يحدث في السودان من خلال الإعلان عن كيانات موازية، لذلك علت النبرة المصرية وأكدت تمسها بوحدة الدول العربية، وعدم المساس بها، تحت أي مسمى.
 
وأشير هنا إلى البيان الصادر عن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية، الأسبوع الماضى، الذى أدان بأشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال ما يسمى (إقليم أرض الصومال) طمعًا في تحقيق أجندات سياسية وأمنية واقتصادية مرفوضة رفضًا قاطعًا، مؤكدًا رفضه الكامل لأية إجراءات تترتب على هذا الاعتراف الباطل بهدف تسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني أو استباحة مواني شمال الصومال لإنشاء قواعد عسكرية فيها.
 
فالبيان إشار إلى ما أتحدث عنه، بقوله إن "التحركات الإسرائيلية محاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في خليج عدن والبحر الأحمر قبالة السواحل الصومالية"، مطالبا المجتمع الدولي بالتصدي لتلك الإجراءات بوصفها مهددة للسلم والأمن الإقليميين والدوليين والحرية الملاحة والتجارة الدولية، كما أكد المجلس على الرفض القاطع لاستخدام أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية أو أي جزء منها، بواسطة أذرع خارجية كمنصة أو منطلق لأي أعمال عدائية أو استخباراتية تستهدف الدول الأخرى أو من شأنها المساس بأمنها واستقرارها.
 
هذا هو مربط الفرس في التحركات الإسرائيلية، فهى لا تريد فقط صومالى لاند، وإنما هندسة منطقة البحر الأحمر، واللعب على أوراق في السودان واليمن والصومال، ليكون لها أوراق تابعة لها، تحركها وقتما شاءت، وتساعدها في ذلك إثيوبيا، التي كانت قناة التواصل بين تل أبيب وصومالى لاند، ووربما تكشف الأيام المقبلة عن أدوار أخرى لأطراف أقليمية منخرطة مع تل أبيب في هذا المخطط. 
 
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق