هل الفن حرام.. ولماذا يتخلى فنانو المهرجانات عن أغانيهم؟
السبت، 03 يناير 2026 11:00 م
وصايا المطربين الشعبيين بحذف أغانيهم بعد الوفاة تثير جدلاً.. والصراع النفسى السبب الرئيسى
الأزهر والأفتاء: الإسلام لم يأتِ لتحريم الجمال أو التعبير الفني وإنما وضع ضوابط أخلاقية تحكم المحتوى
عاد الجدل حول حكم الفن والغناء في الإسلام إلى الواجهة بقوة، بعد تكرار ظاهرة لافتة في الوسط الشعبي ومجال أغاني المهرجانات، تمثلت في وصايا عدد من المطربين بحذف أعمالهم الغنائية، إما قبل وفاتهم أو بعدها مباشرة، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول العلاقة الملتبسة بين الفن والدين، وبين الشهرة والضمير، وبين النجاح الدنيوي والخوف من الحساب الأخروي.
لم تعد المسألة مجرد اجتهاد فقهي أو نقاش ثقافي، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تعكس صراعًا داخليًا يعيشه بعض الفنانين، خاصة المنتمين إلى التيار الشعبي والمهرجانات، وهو صراع يتفاقم مع المرض، أو التقدم في العمر، أو الاقتراب من فكرة الموت، فيدفعهم إلى مراجعة حياتهم الفنية، بل ومحاولة محوها.
وصية أحمد دقدق.. الشرارة الأخيرة
أحدثت وفاة المطرب الشعبي أحمد دقدق بعد صراع مع سرطان المخ، حالة من الصدمة والتعاطف، لكن ما فجّر الجدل الحقيقي لم يكن خبر الرحيل، بل الوصية التي كشف عنها زميله المطرب الشعبي شحتة كاريكا، والتي قال فيها إن دقدق أوصاه صراحة بحذف جميع أغانيه بعد وفاته.
وخلال مداخلة هاتفية في أحد البرامج التليفزيونية، روى شحتة كاريكا تفاصيل إنسانية عن صديقه الراحل، مؤكدًا أنه كان شخصًا طيبًا، كثير الخير، محبوبًا من الجميع، وأن المرض لازمه قرابة عام كامل، عاش خلاله حالة من المراجعة والتأمل.
بحسب كاريكا، فإن أحمد دقدق لم يكن يرى في أغانية إساءة أو انحرافًا، لكنه مع ذلك كان يشعر بثقل المسؤولية، وكان يفكر جديًا في ترك الغناء وفتح مشروع آخر، قبل أن يطلب من أصدقائه بشكل صريح حذف أغانيه إذا وافته المنية، معتبرًا ذلك "أمانة أمام الله".
حين يتحول الفن إلى عبء
لم يكن حديث شحتة كاريكا مجرد رثاء صديق، بل كشف عن شعور مشترك بين عدد من فناني هذا التيار، إذ أكد أنه هو الآخر أوصى بحذف أغانيه بعد وفاته، قائلًا إن الإنسان يحاسب وحده، وإن الشهرة نعمة لكنها في الوقت ذاته اختبار ومسؤولية.
هذا الاعتراف يسلط الضوء على زاوية نفسية مهمة في فهم الظاهرة؛ فالكثير من فناني المهرجانات خرجوا من بيئات شعبية محافظة، لم تكن ترى في الفن مسارًا طبيعيًا أو مقبولًا، بل اضطرارًا فرضته الظروف الاقتصادية، ومع الصعود السريع والشهرة المفاجئة، يبدأ الصدام بين ما يقدمه الفنان، وما تربى عليه، وما يسمعه من المجتمع من اتهامات دائمة بأن ما يقدمه "حرام" أو "يفسد الذوق والأخلاق".
ظاهرة متكررة لا حالة فردية
وصية أحمد دقدق ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة. فقد سبقتها وصايا مشابهة أثارت جدلًا واسعًا، أبرزها وصية المطرب الشعبي الراحل أحمد عامر، الذي أوصى بحذف جميع أغانيه وعدم إذاعة أي أعمال مسجلة بعد وفاته، وأكد مدير أعماله حينها أن الراحل كان يكرر هذا الطلب باستمرار، وتم تنفيذ الوصية بالفعل قبل دفنه، في مشهد غير معتاد داخل الوسط الفني، ودفع عددًا من زملائه، وعلى رأسهم مؤدي المهرجانات حمو بيكا، إلى حذف أغاني الراحل من حساباتهم، ومطالبة شركات الإنتاج بالالتزام برغبة الأسرة.
كما أوصى المطرب الشعبي إسماعيل الليثي بحذف أغانيه بعد وفاته، وفقًا لما أكده مقربون منه، مشيرين إلى أنه كان يرغب في أن يتذكره الناس بالدعاء والرحمة لا بالأعمال الفنية.
هذه الوقائع المتتالية تؤكد أننا أمام ظاهرة لها أبعاد أعمق من مجرد قرارات فردية، وترتبط بتحولات فكرية ونفسية يعيشها الفنانون، خاصة في بيئة تتعامل مع هذا اللون الغنائي بنوع من الرفض أو الشك.
سعد الصغير.. الاعتزال بوصفه "رضا إلهي"
ومن بين التصريحات الأكثر صراحة، جاءت كلمات المطرب الشعبي سعد الصغير، الذي عبّر بوضوح عن شعوره بأن عدم اعتزاله الغناء حتى الآن قد يكون علامة على عدم رضا الله عنه، مؤكدًا أنه يتمنى الاعتزال والتفرغ للعمل الإعلامي وتقديم البرامج، خاصة فقرات الخير التي شعر فيها براحة نفسية أكبر.
هذا التصريح يعكس بوضوح كيف يتسلل الشعور بالذنب إلى وجدان بعض الفنانين، حتى أولئك الذين لم يقدموا أعمالًا فجة أو خارجة، لكنه صراع داخلي بين تصور ديني صارم للفن، وبين واقع مهني صنع لهم اسمًا وشهرة.
هل الفن حرام؟ سؤال قديم بإجابات متعددة
في مقابل هذه المشاعر الفردية، يقف الرأي الديني الرسمي أكثر اتزانًا ووضوحًا. إذ تؤكد دار الإفتاء المصرية أن الفن ليس محرمًا على إطلاقه، وأن الحكم يدور مع المضمون والغاية، لا مع الوسيلة نفسها، وأوضح أمين الفتوى بدار الإفتاء أن الموسيقى والغناء منها ما هو مباح ومنها ما هو محرم، مشددًا على أن الإسلام لم يأتِ لتحريم الجمال أو الفرح أو التعبير الفني، وإنما وضع ضوابط أخلاقية تحكم المحتوى، فالأناشيد الوطنية، والأغاني التي تعزز القيم الإيجابية، وتدعو للعمل والانتماء والفرح المشروع، لا حرج فيها، بينما يصبح الفن مرفوضًا إذا تحول إلى وسيلة لإثارة الفتنة أو نشر الفحش أو الترويج لسلوكيات مدمرة.
ويؤكد علماء الأزهر أن الخلاف حول الغناء والموسيقى خلاف قديم في الفقه الإسلامي، ولم يكن يومًا محل إجماع قاطع. فبينما استند بعض العلماء إلى أحاديث فسّروها على تحريم المعازف، رأى آخرون أن التحريم مرتبط بالسياق، لا بذات الموسيقى.
وأشار فقهاء كبار مثل الإمام الغزالي وابن حزم إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحريم لا يكون إلا بنص صريح، معتبرين أن الموسيقى في ذاتها ليست محرمة، وإنما تحرم إذا اقترنت بمحرمات أخرى.
يبقى السؤال الأهم: لماذا تتكرر هذه الظاهرة في فناني المهرجانات أكثر من غيرهم؟
يرى نقاد أن السبب يعود إلى طبيعة هذا الفن، الذي تعرض منذ ظهوره لهجوم حاد من قطاعات واسعة من المجتمع، واتهامات متكررة بالإسفاف والانحلال، ما خلق ضغطًا نفسيًا دائمًا على صانعيه، كما أن غياب التعليم الفني الأكاديمي لدى معظم فناني المهرجانات، واعتمادهم على التجربة والشارع، جعلهم أكثر تأثرًا بالخطاب الديني والاجتماعي المحافظ، وأقل قدرة على الدفاع النظري عن فنهم بوصفه تعبيرًا ثقافيًا.
إن وصايا حذف الأغاني تعكس حسابًا فرديًا خالصًا، نابعًا من قناعات شخصية وخوف من الآخرة، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا أكبر حول مدى عدالة الضغط المجتمعي الذي يدفع الفنان إلى كراهية تاريخه، بدل تقييمه نقديًا، فالفن، كما يقول الفقهاء، ليس حرامًا لذاته، وإنما يُحاسب الإنسان على ما يقدمه من مضمون، وعلى نيته وأثر عمله في الناس. وبين هذا الرأي، وتلك المشاعر الفردية، تستمر حالة التوتر.