جرائم الـDark Web.. كشفتها قضية شبرا وسفاح التجمع.. بيئة سرية تستخدم لتجارة الأعضاء البشرية والمخدرات والأسلحة
السبت، 03 يناير 2026 11:30 م
دراسة لجامعة بورتسموث البريطانية تكشف: النوع الأكثر شيوعا على الدارك ويب هو الاستغلال الجنسى للأطفال وتنفيذ الجرائم
العملات الرقمية المشفرة وسيلة التعامل.. وتنظيمات متطرفة تستخدمه لنشر المحتوى الإرهابي وتجنيد عناصر جديدة وتمويل العمليات الإرهابي
خبراء معلومات: برامج التشفير Tor وشبكات VPN توفر حماية جزئية فقط ولا تمنع الأجهزة الأمنية من تتبع المجرمين
وحدة الجرائم الإلكترونية بالداخلية تلعب الدور الأبرز في التحقيق والمتابعة وتستخدم أحدث الأدوات التقنية لتتبع الشبكات المشفرة والمراقبة الرقمية
رغم أن الإنترنت بات جزءًا أساسيًا من حياة المصريين، فإن جزءًا خفيًا منه يتحول تدريجيًا إلى تهديد حقيقي يتجاوز حدود الشاشات، حيث ينمو عالم "الدارك ويب" كغابة رقمية مظلمة توفر ملاذًا آمنًا للجرائم المنظمة، من تجارة الأعضاء والمخدرات وحتى الاستغلال الجنسي للأطفال.
وفي اللحظة التي يبدو فيها هذا العالم بعيدًا عن الواقع اليومي، جاءت جريمة شبرا الخيمة لتعيده إلى الواجهة بقوة، بعدما تحولت محاولة طفلين استكشاف هذا الفضاء المظلم إلى واحدة من أبشع جرائم الاتجار بالأعضاء التي هزّت المجتمع المصري، حيث أقدم متهمين على استخراج الأعضاء الداخلية للضحية بهدف بيعها عبر شبكة الإنترنت المظلم، أو ما يُعرف بـ"الدارك ويب"، مقابل مبالغ مالية ضخمة وفق النيابة العامة، التي أكدت أن الجريمة تمت عن سبق الإصرار وبخطة مُعدة مسبقًا، شملت تحضير الأدوات اللازمة وتنسيق خطوات التنفيذ بدقة.
تأتي هذه الجريمة لتسليط الضوء على جانب مظلم للإنترنت، حيث يتيح الفضاء الرقمي غير المرئي للمستخدمين فرصة ارتكاب جرائم غير مسبوقة، بما في ذلك الاتجار بالأعضاء البشرية، وبتحليل الواقعة يظهر أيضًا هشاشة الوعي الرقمي بين الأطفال والمراهقين، حيث يندفع البعض وراء وعود الربح السريع أو المغامرة، دون أن يدركوا خطورة الدخول إلى مثل هذه البيئات.
ومؤخرًا كشفت دراسة لجامعة "بورتسموث" بإنجلترا، أن النوع الأكثر شيوعا من المحتوى والجرائم على الـ Dark Wem تعلق بمواد الاستغلال الجنسى للأطفال، وتجارة السلاح وطريقة صناعة المتفجرات وتجارة الأعضاء البشرية، يليها الأسواق السوداء في مجالات متعددة، ونشر الوثائق الحكومية السرية، وإثارة وتهيج الشعوب ومساندة الإرهاب.
الإنترنت المظلم.. فضاء الجرائم غير المرئية
الإنترنت المظلم، أو ما يُعرف بـ"الدارك ويب"، يمثل الجانب الخفي وغير المرئي للشبكة العالمية، ويثير قلق الخبراء والمجتمع على حد سواء بسبب استغلاله في أنشطة غير قانونية لا يمكن مراقبتها بسهولة.
ووفق مرصد الأزهر، يشكل الإنترنت المظلم جزءًا صغيرًا من إجمالي الشبكة، لكنه بيئة خصبة لارتكاب جرائم مثل تجارة المخدرات والأسلحة، الاتجار بالبشر، الابتزاز، وانتشار المحتوى الجنسي الاستغلالي، بما في ذلك الاعتداءات على الأطفال.
يتميز هذا الفضاء الرقمي بالسرية وإخفاء هوية المستخدمين، ما يمكّن المجرمين من التخطيط لتنفيذ أعمالهم دون خوف من الملاحقة القانونية المباشرة، فمثلاً، يمكن شراء أي نوع من المخدرات أو الأسلحة باستخدام العملات الرقمية مثل بيتكوين، أو حتى تنظيم عمليات ابتزاز واغتصاب إلكترونية، كما أشار المرصد إلى أن تجارة الأعضاء البشرية أصبحت واحدة من أخطر الجرائم التي يتم التخطيط لها وتنفيذها عبر هذه المنصة، بما في ذلك الجرائم التي تؤدي إلى قتل الضحية لتوفير الأعضاء للبيع أو الشراء.
3 أنواع للانترنت
وأشار أحمد السخاوي، خبير أمن المعلومات، إلى أن الإنترنت ينقسم إلى ثلاث طبقات: الإنترنت السطحي، الذي يستخدمه معظم الناس ويشكّل حوالي 4% من الشبكة؛ والإنترنت العميق Deep Web الذي يمثل نحو 90%، ويشمل قواعد البيانات والبريد الإلكتروني المحمي بكلمات المرور؛ والإنترنت المظلم Dark Web الذي يمثل حوالي 6% فقط، لكنه أخطرها وأكثرها قابلية للاستخدام في الأنشطة غير القانونية، لافتاً إلى أن برامج التشفير والمتصفحات الخاصة مثل Tor أو استخدام شبكات VPN توفر حماية جزئية فقط، ولا تمنع الأجهزة الأمنية من تتبع المجرمين عند الحاجة.
هذا الفضاء المظلم لا يقتصر دوره على الجرائم الفردية، بل يُستغَل أيضًا من قبل التنظيمات المتطرفة لنشر المحتوى الإرهابي، تجنيد عناصر جديدة، بيع الأسلحة والمتفجرات، وحتى تمويل العمليات الإرهابية، ما يجعل الإنترنت المظلم تهديدًا للأمن المجتمعي والأمن القومي في آن واحد.
ووفق مرصد الأزهر، فإن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب مزيجًا من الوعي، التعاون الدولي، تطوير استراتيجيات فعالة لمكافحة الجرائم الرقمية، وتعزيز التعليم الرقمي بين الشباب، بما يضمن الاستفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في فخ الانتهاكات القانونية والأخلاقية.
الأطفال والفخ المعرفي والسلوكي
تتعرض فئة الأطفال والمراهقين لمخاطر جسيمة نتيجة الدخول إلى الإنترنت المظلم، حيث تتجاوز الآثار الحدود الجسدية لتصل إلى التأثيرات المعرفية والسلوكية العميقة، وحذر الدكتور إيهاب عيد، أستاذ الصحة العامة والطب السلوكي، من أن التعرض لمحتوى الدارك ويب لا يقتصر على الصدمات العاطفية البسيطة، بل قد يؤدي إلى تشكيل دوائر عصبية جديدة في المخ، تجعل الطفل يستجيب للعنف والمشاهد البشعة بطريقة غير طبيعية، حتى وإن كان جسده حاضرًا بين أسرته.
وأشار عيد إلى أن المخاطر تكمن في ما سماه "مثلث الخطر"، الذي يشمل الطاقة العالية لدى الطفل، غياب الأهل أو ضعف الرقابة الأسرية، والفراغ القاتل، وهذا المزيج يجعل الطفل عرضة للانجراف نحو محتوى الإنترنت المظلم، أو ممارسات سلوكية ضارة كرد فعل على الفراغ والضغط النفسي، لافتاً إلى أن التعرض لمثل هذه المحتويات في سن مبكرة يؤدي إلى نضج معرفي مبكر مشوّه، واضطرابات سلوكية حادة، حيث يكتسب الطفل معلومات وأفكارًا لا تتناسب مع سنه، كما لو دخل "بيت رعب" افتراضي دون أي تحذيرات، مما يسبب صدمات نفسية عميقة.
وأظهرت الدراسات الحديثة، كما ذكر عيد، أن الأطفال الذين يتعرضون لمحتوى الدارك ويب غير العنيف غالبًا ما تظهر لديهم تغييرات في مناطق المخ المسؤولة عن الرعب والعنف، حيث تتشكل دوائر كهربائية عصبية تجعلهم أكثر انجذابًا لهذه المشاهد بدلاً من الخوف منها، وهذا النضج المبكر في مناطق العنف يجعل الأطفال يشعرون بالإثارة والتشويق تجاه ما هو محظور أو مريع، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تضليل إدراكي حول القيم الأخلاقية والسلوك الاجتماعي.
وشدد عيد على أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي، فحتى أفضل برامج الحجب أو المتصفحات الخاصة لا تمنع الأطفال من الوصول إلى المحتوى، خاصة مع تطور أساليب الاستدراج من خلال التطبيقات والألعاب، والحل يكمن في التوعية المستمرة، الرقابة الأسرية الفعالة، والمصادقة على الطفل كجزء من الأسرة، بالإضافة إلى تعزيز نقاط القوة في شخصيته وتشجيعه على أنشطة مفيدة تنمي التفكير الإبداعي والاجتماعي بعيدًا عن الانجراف إلى العنف الرقمي.
واختتم "عيد" نصيحته للأسر بالتأكيد على أهمية تخصيص جزء من الوقت والموارد للتقرب من الأبناء، ومتابعتهم بشكل دوري، فالتواصل الإيجابي والحوار المفتوح يُعد من أقوى الأدوات لحماية الأطفال من الانجراف نحو الإنترنت المظلم والانحرافات السلوكية المحتملة، وهو ما يشير إليه الخبراء على أنه وقاية أفضل من العلاج بعد وقوع الضرر.
وهم الأمان وخطورة الوصول
بينما يعتقد البعض أن استخدام متصفحات خاصة مثل Tor أو برامج VPN يمنح المستخدم حماية كاملة وأماناً مطلقاً على الإنترنت المظلم، إلا أن الواقع مختلف تمامًا، إذ يؤكد المهندس أحمد السخاوي، خبير أمن المعلومات، أن هذه الأدوات توفر طبقات حماية محدودة فقط، ولا تمنع الجهات الأمنية من تتبع المجرمين أو استرجاع البيانات عند الحاجة، فحتى المستخدم المتمرس على الدارك ويب يظل معرضًا لخطر الاختراق، سرقة البيانات، وبرمجيات الفدية التي قد تصيب جهازه بمجرد زيارة أحد المواقع المخفية التي تنتهي بـ "onion".
ويشرح السخاوي أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه البيئة لا تخضع لأي رقابة، مما يجعلها محمية لارتكاب الجرائم دون خوف من الملاحقة الفورية، وقد تطورت أساليب استغلال الأطفال والمراهقين، إذ لم يعد الخطر مقتصرًا على المتصفحات التقليدية، بل امتد إلى تطبيقات المواعدة، الغرف الصوتية داخل الألعاب، والروابط السحابية الخاصة، التي تُستخدم كبوابات خفية لتجنيد الضحايا والتواصل مع المراهقين بعيدًا عن رقابة الأهل.
ويؤكد السخاوي أن الحجب التقني وحده لا يكفي، حيث يمكن للمبرمجين إنشاء مواقع جديدة فور حجب القديمة، مما يجعل الحلول التقنية محدودة الفاعلية، ولذلك، يجب أن يركز المجتمع والأسرة على التوعية المستمرة، الرقابة الفعلية، وتعليم الأطفال أساليب الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، مع مراقبة أي سلوك مريب أو محاولة دخول لعالم الإنترنت المظلم.
مأساة شبرا الخيمة وسفاح التجمع
في قلب شبرا الخيمة، صدمت الرأي العام جريمة مروعة، بإقدام متهمين على قتل طفل 15 عامًا يُدعى أحمد محمد سعد داخل شقة سكنية بدائرة قسم أول شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، وكشف التحقيق أن الجثة كانت تحمل آثار شق طولي من أسفل البطن حتى العنق، مع انتزاع بعض الأحشاء ووضعها داخل كيس بجوار الجثة.
وأوضحت النيابة العامة في أمر الإحالة أن المتهم الأول، طارق أنور عبدالمتجلي (29 عامًا) يعمل قهوجيًا، والمتهم الثاني علي الدين محمد علي (15 عامًا) طالب مقيم بدولة الكويت، استدرجا المجني عليه بزعم تقديم “هدية”، ثم قاموا بتخديره بعقاقير طبية وخنقه بحزام جلدي حتى فارق الحياة، قبل أن يشرعا في استخراج أعضائه الداخلية بهدف بيعها عبر شبكة الإنترنت المظلم (الدارك ويب) مقابل 5 ملايين جنيه.
التفاصيل التي كشفتها التحقيقات تبرز مستوى التنظيم المسبق للجريمة، حيث أمدّ المتهم الثاني الأول ببيانات العقاقير اللازمة للتخدير، ونسّق معه خطوة بخطوة أثناء تنفيذ الجريمة، فيما أعد المتهمان أدوات الجريمة بدقة فائقة.
وبحسب مصادر قضائية موثوقة، تُعد هذه الواقعة من أبرز الجرائم المرتبطة بالإنترنت المظلم في مصر، وتفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول كيفية وصول مثل هذه الشبكات إلى المستخدمين المحليين، خاصة من القصر والمراهقين، مع ضعف الرقابة الأسرية والمجتمعية على استخدام الإنترنت.
وتعكس هذه الجريمة الوجه القاتم للدارك ويب، الذي يُعرف بكونه بيئة خصبة للجرائم المنظمة، بما في ذلك الاتجار بالأعضاء البشرية، وتجارة المخدرات والأسلحة، والمواد الإباحية للأطفال، والابتزاز المالي، كل ذلك تحت ستار السرية وإخفاء الهوية، كما حذر مرصد الأزهر من هذه المخاطر، مؤكداً أن الإنترنت المظلم يمثل تهديدًا للأمن المجتمعي والقومي في الوقت ذاته، ويستلزم تعاونًا دوليًا ومحليًا للحد من انتشاره.
وقبلها جاءت قضية "سفاح التجمع"، حيث كشفت التحقيقات عن أساليب معقدة استُخدمت في جرائم قتل وابتزاز رقمي، ما دفع الأجهزة الأمنية لإعادة النظر في آليات التعامل مع هذه الجرائم، وأثارت وقتها القضية صدمة بالمجتمع نظرًا لطبيعة الجرائم وطريقة استغلال الفضاء الرقمي لإخفاء الأدلة وممارسة النشاط الإجرامي.
وأكدت التحقيقات أن المتهم استغل الإنترنت المظلم والمنصات المشفرة للتواصل مع ضحاياه، وكذلك لشراء أدوات مساعدة في تنفيذ الجرائم، بما في ذلك أسلحة ومواد كيميائية، دون أن تُترك آثار واضحة يمكن تتبعها بسهولة عبر الشبكة التقليدية، كما أظهرت التحقيقات أن بعض الجرائم المرتبطة بالدارك ويب قد تخضع لشبكات معقدة تشمل أشخاصًا متعددين عبر عدة دول، ما يجعل التحقيقات المحلية أكثر تعقيدًا ويستلزم تعاونًا أمنيًا دوليًا.
وإعادة فتح هذا الملف في أعقاب "سفاح التجمع" دفعت الأجهزة الأمنية إلى تعزيز وحدة الجرائم الإلكترونية، وزيادة التدريب على استخدام تقنيات تعقب النشاطات المظلمة على الإنترنت، مع التركيز على مكافحة الابتزاز الإلكتروني، تجارة الأعضاء، والجرائم الرقمية المرتبطة بالدارك ويب، بما يتيح للجهات المختصة سرعة الاستجابة والحد من المخاطر على المواطنين، وخاصة الأطفال والمراهقين.
منصة محفوفة بالمخاطر
تستغل شبكات "الدارك ويب" في مصر مجموعة من الأدوات الرقمية المتقدمة التي تجعل ارتكاب الجرائم أكثر سهولة وأمانًا للمجرمين، وفي الوقت نفسه أكثر تعقيدًا على أجهزة الأمن في التتبع والملاحقة، من أبرز هذه الأدوات العملات الرقمية المشفرة مثل بيتكوين وإيثيريوم، التي تسمح بتحويل الأموال بعيدًا عن الرقابة المصرفية الرسمية، وهو ما يستخدم في عمليات الابتزاز، وغسل الأموال، وتمويل أنشطة غير قانونية.
كما تُستخدم برامج التشفير المتقدمة لحماية الاتصالات بين الجناة والضحايا، بما في ذلك البريد الإلكتروني المشفر، ومنصات المراسلة الآمنة، والمتصفحات الخاصة مثل Tor، التي تمنح المستخدم القدرة على تصفح المواقع المخفية دون كشف هويته، لكنها لا تمنع تمامًا تعقب الأجهزة الأمنية للجناة عند وجود الأدلة الرقمية.
على الجانب العملي، يلجأ المجرمون إلى منصات مزاد إلكترونية داخل الدارك ويب لبيع المواد غير القانونية، بدءًا من المخدرات والأسلحة، وصولًا إلى البيانات الشخصية المسروقة والأعضاء البشرية، حيث يتنافس المشترون على دفع أعلى الأسعار مقابل الحصول على البضائع أو المعلومات المطلوبة.
كما يظهر القرصنة والهجمات السيبرانية كوسيلة رئيسية لارتكاب الجرائم عبر الدارك ويب، حيث تُستخدم برمجيات الفدية لتشفير ملفات الضحايا وابتزازهم ماليًا، أو اختراق قواعد بيانات الشركات والمؤسسات للحصول على معلومات سرية يمكن بيعها أو استغلالها في ابتزاز الموظفين والعملاء.
وأكد خبراء أمن المعلومات أن هذه الجرائم في مصر ليست محصورة على الجرائم الفردية فقط، بل تشمل شبكات منظمة تستخدم الدارك ويب في الترويج لأنشطة غير قانونية متعددة، بما في ذلك تهريب المخدرات والأسلحة وتجارة الأعضاء البشرية، وهو ما يعكس تعقيد هذه البيئة الرقمية وضرورة تعاون جميع الجهات القانونية والاجتماعية لمواجهتها.
كيف يواجه القانون المصري الدارك ويب؟
في مصر، يُشكل الإطار القانوني والمؤسساتي الأساس في مواجهة الجرائم المرتبطة بالدارك ويب، حيث تجمع السلطات بين القوانين الوطنية والتعاون الدولي لضبط النشاطات غير المشروعة على الإنترنت المظلم.
ويُعتبر قانون مكافحة جرائم الإنترنت رقم 175 لسنة 2018 الركيزة الأساسية، إذ يعاقب على كل أشكال الابتزاز الرقمي، والاحتيال الإلكتروني، والاختراقات غير القانونية للأنظمة الإلكترونية، وكذلك تجارة المخدرات والأسلحة عبر الشبكة العنكبوتية، كما يغطي القانون جرائم النشر غير المشروع للمواد الإباحية، بما في ذلك استغلال الأطفال، ما يوفر إطارًا لملاحقة الجرائم المرتبطة بالدارك ويب.
على المستوى المؤسساتي، وحدة الجرائم الإلكترونية بوزارة الداخلية تلعب الدور الأبرز في التحقيق والمتابعة، بالتعاون مع النيابة العامة والجهات القضائية المتخصصة، وتستخدم أحدث الأدوات التقنية لتتبع الشبكات المشفرة والمراقبة الرقمية، بما يشمل تحليل بيانات العملات الرقمية (مثل بيتكوين) المستخدمة في التعاملات غير القانونية على الإنترنت المظلم. كما تقوم الوحدة ببرامج توعية أمنية للأهالي والمدارس للتصدي لظاهرة استدراج الأطفال والمراهقين عبر الدارك ويب، مع التركيز على التطبيقات الحديثة وألعاب الفيديو كأحد بوابات الوصول إلى هذه البيئة الخطرة.
الدارك ويب في العالم
على المستوى الدولي، يكشف تحليل نشاط الدارك ويب عن شبكة معقدة وعابرة للحدود تتجاوز قدرات أجهزة إنفاذ القانون التقليدية، ما يجعلها أكثر البيئات خطورة في العالم الرقمي.
ورغم أن الدارك ويب لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الشبكة العالمية، فإن حجم الجرائم التي تنطلق منه يفوق بكثير حجمه الفعلي، إذ تُدار عليه أكبر أسواق الاتجار بالمخدرات والأسلحة والبيانات المسروقة والمواد الإباحية غير المشروعة، إضافة إلى خدمات الاغتيال المأجور وتجارة الأعضاء، ولا يقتصر نشاطه على دول بعينها، بل تتفاوت أنماط الجرائم من منطقة إلى أخرى تبعًا للبيئة التشريعية والأمنية ومستوى الرقمنة.
ففي الولايات المتحدة وأوروبا، تُعد منصات الاتجار بالمخدرات هي النشاط الأكثر رواجًا على الدارك ويب، ولا سيما بعد توسع أسواق مثل Silk Road سابقًا و Hydra التي شكّلت أكبر منصة للمخدرات عالميًا قبل الإطاحة بها.
وتؤكد تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) واليوروبول (Europol) أن الأسواق الغربية على الدارك ويب تُدار عبر مجموعات منظمة تمتلك بنية تشغيلية كاملة: موردون، وسطاء، مطورون تقنيون، وخبراء تشفير، مع استخدام واسع للعملات المشفّرة مثل "بيتكوين" و"مونيرو"، كما تسجّل أوروبا أعلى معدلات تجارة البيانات البنكية المسروقة، حيث تشهد منصات مخصصة لبيع آلاف الهويات الرقمية يوميًا بأسعار تبدأ من 5 دولارات للبيانات الأساسية، وتصل إلى مئات الدولارات لملفات الهوية المتكاملة المسروقة من البنوك.
أما في روسيا ودول شرق أوروبا، فتنتشر عصابات متخصصة في اختراق البنوك وشركات التكنولوجيا، وتعمل على بيع "ثغرات جاهزة للاستغلال" (Exploits) وبرمجيات خبيثة متطورة، أبرزها برامج الفدية (Ransomware) والهجمات الموجهة ضد المؤسسات المالية، وقد وثّقت جهات دولية مثل “Group-IB” و“Kaspersky” أن هذه المنطقة تحتضن شبكات من الهجمات السيبرانية تُدر مليارات الدولارات سنويًا، وتُعد مصدرًا لأكثر برمجيات الاختراق خطورة في العالم.
في حين تشهد شرق آسيا، خصوصًا الصين وكوريا الشمالية، نمطًا مختلفًا يقوم على توظيف الدارك ويب في أنشطة الدولة نفسها، سواء للحصول على العملات الرقمية بطرق غير مشروعة أو لشن هجمات إلكترونية ضد البنى التحتية للدول الأخرى، وتعد مجموعات القرصنة مثل “Lazarus Group” مثالًا على ذلك، فهي متهمة دوليًا بتنفيذ عمليات غسل أموال رقمية عبر الشبكات المظلمة.
وفي أمريكا اللاتينية، يظهر الدارك ويب كامتداد للجريمة المنظمة التقليدية، وتستغله عصابات المخدرات الكبيرة في الاتجار بالأسلحة والمتفجرات وبيع القدرة على تنفيذ عمليات اغتيال مأجور. كما تنتشر فيه أسواق لتجارة البشر وتهريب المهاجرين، خاصة في المكسيك والبرازيل.
أما على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتكشف تقارير الإنتربول ومراكز الأبحاث أن النشاط الأكثر انتشارًا يتعلق ببيع البيانات الحكومية والشخصية المسروقة، إضافة إلى تجارة الأعضاء وابتزاز النساء والقُصّر، إلى جانب استغلال التنظيمات المتطرفة للدارك ويب في جمع التمويل ونشر المحتوى الإرهابي وتجنيد عناصر جديدة بطريقة سرية.
كيف يمكن التصدي لخطر "Dark Web" في مصر؟
تواجه مصر تحديًا مزدوجًا في مكافحة تهديدات الدارك ويب، يتضمن الجانب التقني والجانب الاجتماعي والقانوني، فمن الناحية التقنية، يُعد الدارك ويب بيئة شبه مجهولة، تعتمد على متصفحات مشفرة مثل Tor وشبكات VPN لإخفاء الهوية، ما يجعل تتبع المجرمين واستهدافهم تحديًا صعبًا لأجهزة الأمن السيبراني التقليدية.
ويعد الدارك ويب مصدر رئيسي للجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، بما في ذلك الابتزاز الرقمي، والاتجار بالبشر، وبيع المخدرات والأسلحة، وسرقة البيانات الشخصية، حتى تصل بعض العقود غير المشروعة لبيع الأعضاء البشرية بمبالغ مالية ضخمة.
أما الجانب الاجتماعي فيتعلق بتأثير الدارك ويب على فئات الشباب والأطفال، حيث تشير دراسات الطب السلوكي إلى أن الاطلاع المبكر على محتوى العنف أو الإجرام في هذا الفضاء يؤدي إلى تغييرات عصبية في المخ، تُكوّن دوائر كهربائية تعزز التكيف النفسي مع العنف، وتزيد من احتمالية الانحراف السلوكي، ويظهر هذا جليًا في حالات الإجرام الأخيرة المرتبطة بمحاولات الاتجار بالأعضاء أو محاكاة جرائم مأساوية على أرض الواقع.
وعلى صعيد المؤسساتي، أُنشأت وحدات متخصصة للأمن السيبراني تعمل بالتعاون مع أجهزة الأمن الدولية مثل الإنتربول والأوكسا Europol لتتبع الشبكات المظلمة وجمع الأدلة الرقمية، ويشمل هذا التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم التقني لتحديد المواقع والخوادم المستخدمة في الجرائم الرقمية.
وتشمل خطط المواجهة الحديثة استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل حركة البيانات الرقمية، ونظم التعلم الآلي للتنبؤ بالأنشطة الإجرامية قبل وقوعها، إضافة إلى حملات التوعية للأهالي والمدارس لتعزيز الرقابة الأسرية والوقاية من الانحراف السلوكي لدى الأطفال.
وتؤكد توصيات مرصد الأزهر لمكافحة الجرائم الإلكترونية ضرورة الجمع بين التعليم، والتوعية، والرقابة الأسرية، والتعاون الدولي، باعتبار أن الحل الكامل لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط، بل يحتاج إلى بيئة مجتمعية متكاملة تمنع الشباب من الانجراف نحو هذا العالم المظلم، وتقدم لهم بدائل آمنة للترفيه والتعلم والاكتشاف.
تتطلب مواجهة الدارك ويب تكاملًا بين القانون، والأجهزة الأمنية، والتكنولوجيا، والتربية المجتمعية، مع التركيز على الوقاية وليس الاكتفاء بالعقاب، لأن الفضاء الرقمي يتطور بسرعة كبيرة، ويجب أن تتقدم الاستراتيجيات المصرية خطوة أمام الجرائم قبل وقوعها، لا مجرد الرد بعد وقوعها.