"صوت الأمة" تفكك شبكة الكذب الإخوانية
السبت، 10 يناير 2026 11:00 م
الفبركة والمصادر المجهولة وإعادة تدوير وقائع قديمة 3 عناصر يعتمدها إعلام "الإرهابية" في هندسة الأكاذيب والكراهية
الجماعة حولت المنصات الرقمية والسوشيال ميديا إلى غرف عمليات تضم نشطاء "مأجورين" لإطلاق حملات التضليل
الإعلام الإخواني يستهدف إثارة الفوضى في الداخل وتفكيك الروابط بين الدول الشقيقة وبث رسائل التخوين والتشكيك
في ظل تصاعد الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية، برز إعلام تنظيم الإخوان الإرهابى كأداة تخريبية متكاملة تستهدف الدولة الوطنية من الداخل، وهذا الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر أو مساحة للنقد السياسي، بل أصبح سلاحًا ممنهجًا لتفكيك الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، واستهداف الجيوش الوطنية وأجهزة الأمن باعتبارها الركيزة الأساسية لحفظ الاستقرار.
ويعتمد الإعلام الإخواني على استراتيجية متكاملة لبث الفوضى عبر تضخيم الأخطاء الفردية وتحويلها إلى دليل على فشل الدولة ككل، وإعادة تدوير الوقائع القديمة خارج سياقها، واستخدام مصادر مجهولة غير موثوقة لتضليل الجمهور، واستثارة العواطف عبر خطاب تحريضي يبالغ في المظلومية ويشحن الرأي العام بالغضب والاحتقان.
ولا يقتصر تأثير هذا الخطاب على الداخل الوطني، بل يمتد إلى وحدة الصف العربي، حيث يعمل الإعلام الإخواني على تفكيك الروابط بين الدول الشقيقة، وبث رسائل التخوين والتشكيك، واستغلال أي أزمة لتأجيج الخلافات الداخلية والإقليمية.
ومن خلال هذه الأدوات، يتم تحويل المواطن إلى طرف مشكك في الدولة، والجيوش الوطنية إلى أهداف عدائية، فيما تتجلى الجماعة كممثل وحيد لمشروعها الأيديولوجي العابر للحدود، الذي يرفض الاعتراف بشرعية الدولة الوطنية.
ويتضح أن إعلام الإخوان هو أكثر من مجرد منصة إعلامية؛ إنه جهاز متكامل لإعادة تشكيل الوعي العام وفق أيديولوجيا معادية للدولة، تهدف إلى إضعاف المؤسسات، وزعزعة الاستقرار، وإعداد البيئة الداخلية لتقبل الفوضى، بما يتيح للجماعة استثمار الفراغ السياسي وفرض مشروعها على أنقاض الدولة الوطنية.
من الدعوة إلى الهدم: التحول الوظيفي لإعلام الإخوان
شكّل إعلام جماعة الإخوان الإرهابية منذ نشأته ذراعًا وظيفيًا خاضعًا بالكامل لأهداف الجماعة الأيديولوجية، فمنذ البدايات، لم يكن الخطاب الموصوف بـ«الدعوي» سوى غطاء يُستغل لتعبئة سياسية مؤجلة، تُربط فيها المفاهيم الدينية بالولاء التنظيمي، ويُعاد عبرها تشكيل وعي الجمهور بما يخدم مشروع الجماعة طويل المدى، فلم يُستخدم لبناء نقاش عام أو إنتاج معرفة، بل لصناعة جمهور قابل للتوجيه، ومهيأ نفسيًا للانتقال من التعاطف إلى الاصطفاف.
ومع فشل الجماعة في ترجمة هذا الرصيد التعبوي إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار داخل الدولة الوطنية، دخل إعلام الإخوان مرحلة جديدة أكثر خطورة، وهنا لم يعد الإعلام أداة مرافقة للتنظيم، بل تحوّل إلى بديل عملي عنه، خاصة مع انحسار القدرة على الحشد الميداني، وتآكل القواعد التنظيمية، وانكشاف عجز الجماعة عن إدارة الدولة أو التعايش مع مؤسساتها، أُعيد توجيه الإعلام ليصبح ساحة صدام مفتوح مع الدولة ذاتها، لا مع سياساتها فقط.
ولم يكن هذا التحول رد فعل ظرفي، بل انتقالًا وظيفيًا محسوبًا من خطاب يسعى لاختراق المجتمع، إلى خطاب يعمل على تقويض الدولة من الداخل، فلم يعد الهدف كسب الشرعية أو تقديم بدائل سياسية، بل نزع الشرعية عن الدولة ومؤسساتها، عبر خطاب عدائي يُعيد اختزال الدولة في صورة القمع والفساد والانهيار، ويحوّل أي أزمة اقتصادية أو إدارية أو أمنية إلى دليل شامل على فشل الكيان السياسي برمته.
هنا يظهر الفارق الجوهري بين الإعلام ذي الطابع الأيديولوجي والإعلام الهدّام، فالأول، مهما بلغ انحيازه، يعمل داخل الإطار العام للدولة، بينما الثاني يستهدف الإطار نفسه، والإعلام الإخواني في صورته الراهنة لا يناقش السياسات ولا يطرح رؤى إصلاحية، بل يضرب الأساس الرمزي للدولة: شرعية القانون، هيبة المؤسسات، والثقة العامة، يبث الشائعات، وهو بذلك ينتقل من كونه فاعلًا سياسيًا إلى كونه أداة تفكيك ممنهجة لبنية الدولة الوطنية.
الأخطر أن هذا الإعلام بات أداة لتعويض الانهيار التنظيمي والسياسي للجماعة، فمع فقدان القدرة على الفعل الواقعي، تحوّلت المنصات الإعلامية والرقمية إلى المجال الوحيد لإدامة حضور الجماعة الإرهابية في المشهد العام، غير أن هذا الحضور لا يقوم على مشروع أو برنامج، بل على خطاب دائم للهدم والتحريض، يهدف إلى إبقاء المجتمع في حالة توتر دائم، وإضعاف أي بديل وطني مستقر، وخلق بيئة شك مزمنة تجاه الدولة ومؤسساتها.
الدولة الوطنية كعدو أيديولوجي للإخوان
قبل الدخول في تفاصيل مخطط "هندسة الأكاذيب" الذي ينتهجه إعلام الجماعة الإرهابية، علينا أن نفهم، كيف يتعامل تنظيم الإخوان الإرهابى مع مفهوم الدولة الوطنية، فهم تبنوا مشروعًا أيديولوجيًا يضع مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة مباشرة مع رؤيتهم لسلطةٍ دينية عابرة للحدود. جوهر هذه الرؤية يقوم على مبدأ الحاكمية - الذي طوّره منظرو الجماعة وأكسبوه بعدًا عمليًا - مفاده أن السيادة الحقيقية تعود لله وحده، وأن أي شرعية سياسية لا تستند إلى هذا المعيار تظل ناقصة وغير مقبولة، وهذا المبدأ ليس تفصيلًا فقهيًا؛ بل قاعدة نظرية تبرر رفض شرعية المؤسسات القائمة وتعطي حقل الإعلام تفويضًا لتعطيلها سياسياً ومعنوياً.
من هنا ينبع موقف الجماعة من فكرة الدولة الحديثة: ليست مسألة غضب تكتيكي من سياسات معينة، بل رفض جوهري لمفهوم الدولة الوطنية بوصفها إطارًا نهائيًا للولاء، فبالنسبة لقراءة الإخوان الإرهابية، تمثّل الدولة القومية عائقًا أمام مشروع أوسع - مشروع أُممي - يستعيد حيزًا سياسيًا موحَّدًا للمسلمين، وهذه المفاهيم التاريخية لدى حسن البنا وسلفه لم تُلغَ عن قواعد التنظيم؛ بل وُظفت مرارًا كغطاء لشرعية انتقالية توظف الإعلام لاستقطاب تأييدٍ عابر للحدود بغية بناء بديل سياسي لاحق.
ولهذا السبب، لا تعترف الجماعة فعليًا بشرعية المؤسسات الوطنية بمعنى المؤسسات القومية التي تستند إلى وحدة الأراضي والحقوق المدنية والقانون الحديث، ولذا فالشرعية عند الإخوان مرتبطة بمطابقة الفعل السياسي لمقاييس الشريعة-كما يفهمونها-، وليس لمعايير مدنية وعقدية حديثة، والنتيجة أن أي مؤسسة تُصنَّف بوصفها جزءً من «نظام جباية السلطة» تصبح هدفًا مشروعًا لإعادة التأطير الإعلامي: مؤسسات القضاء، الجيش، الإدارة العامة، وحتى وسائل الإعلام الوطنية، وهنا يُستخدم الإعلام لتعيين هذه المؤسسات كأدوات طغيان أو عميلة أو فاسدة، وبالتالي إلغاء الأساس الرمزي الذي تقوم عليه شرعيتها.
ويتم إنتاج هذا العداء عبر آليات واضحة ينتهجها إعلام الجماعة، منها: استحضار نصوصية فقهية مختارة، تقديم خطاب يُعيد تعريف المواطنة كخيانة، وتصوير أي تعاون مع الدولة بوصفه بيعًا لمقدسات الأمة، والإعلام الإخواني لا يبتكر خطاب العداء من فراغ؛ إنه يترجمه ويُعيد توزيعه بصيغ قابلة للاستهلاك الشعبي - عناوينٍ تحريضية، مقاطع مصورة مقطوعة، شهادات مجهولة، وسرديات استثنائية تُعيد إنتاج الإطار الأيديولوجي باعتباره واقعًا سياسيًا.
وهنا فإن التمييز بين فكرة "الدولة المؤقتة" و"المشروع الأممي" محوري، فالأولى تُقدم كحيلة تكتيكية - موافقة شكلية على مؤسسات الدولة إلى حين بلوغ ظرف يسمح بإعادة تشكيلها - أما الثانية فهي الهدف النهائي؛ دولة أوسع تتجاوز الحدود الوطنية، والإعلام يعمل كجسر بينهما: يروّج لفكرة المؤقتية عندما يتطلب الأمر البقاء في اللعبة السياسية، ثم يشارك في حملة شرعنة المشروع الأكبر عبر تشويه أي بديل وطني أو مشروع إصلاحي داخل الإطار القومي، والنتيجة أن الخطاب الإعلامي ليس مجرد أداة تعبئة؛ بل أداة استراتيجية لتحويل منطق الحاكمية إلى مشهد سياسي عملي يسعى لإلغاء مشروعية الدولة الوطنية.
هندسة الكراهية: كيف يُصنع خطاب هدم الدول؟
كم مرة هاجم إعلام جماعة الإخوان الإرهابية الدولة المصرية؟.. كم مرة هاجمت مؤسسات الدولة؟.. كم مرة استهدفت مفاصلها؟.. كم مرة علقت على كل قرار بالسلب؟.. كثير، بل أكثر، تختلف الصيغ والآليات لكن المخطط واحد "مخطط نزع الشرعية وإسقاط الدولة".
ولا يعمل خطاب نزع الشرعية في إعلام الإخوان بوصفه رد فعل على وقائع بعينها، بل كعملية مُصمَّمة بعناية لإعادة تعريف الدولة في الوعي العام، تبدأ بإزاحة المعنى التقليدي للدولة بوصفها إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، واستبداله بصورة ذهنية أخرى تُقدَّم فيها الدولة كجهاز قمعي مغلق، لا يقوم إلا على الإكراه ومصادرة الإرادة الشعبية، وفي هذا السياق، لا تُعرض الأخطاء باعتبارها حالات قابلة للمساءلة أو الإصلاح، بل كسمات جوهرية ملازمة لوجود الدولة نفسها، بما يفرغ أي حديث عن الإصلاح المؤسسي من مضمونه.
ويتدرج هذا الخطاب ليطال القانون والمؤسسات، حيث يُعاد تأطير القوانين بوصفها أدوات تسلّط، وتُقدَّم المؤسسات القضائية والأمنية والإدارية كامتداد مباشر لمنظومة قمع واحدة، لا يُسمح بتمييز بين مؤسسة وأخرى، ولا بين قرار سياسي وخطأ إداري، بل يُصاغ المشهد باعتباره شبكة متكاملة من الفساد والاستبداد، وبهذه الطريقة، تُنتزع الهيبة الرمزية للمؤسسات، ويُزرع في وعي المتلقي شعور دائم بأن القانون ليس مرجعية محايدة، بل سلاحًا موجَّهًا ضد المجتمع.
في المقابل، يُعاد تشكيل صورة المواطن داخل هذا السرد بوصفه ضحية دائمة، محرومة من أي قدرة على الفعل داخل الإطار المؤسسي، فالمواطن لا يُقدَّم كفاعل سياسي يمكنه التأثير أو المحاسبة، بل ككائن مُستلب الحقوق، لا يملك سوى الغضب والرفض، وهذا البناء المتعمد لهوية الضحية لا يهدف إلى الدفاع عن حقوق الأفراد، بقدر ما يسعى إلى تعطيل ثقتهم بأي مسار قانوني أو سياسي، وتهيئتهم نفسيًا لتقبّل خطاب الصدام بوصفه الخيار الوحيد المتاح.
ومن خلال هذا البناء السردي، يُنتج إعلام الإخوان ثنائية حادة تفصل المجتمع إلى معسكرين متقابلين: شعب نقي في مواجهة دولة فاسدة، حيث تختفي التعقيدات الاجتماعية والسياسية، وتُمحى المساحات الرمادية، ليحل محلها خطاب أخلاقي تبسيطي يُحوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وفي هذا الإطار، لا يعود الخلاف حول السياسات أو الأداء، بل حول شرعية الدولة ذاتها، ما يُغلق الباب أمام أي تسوية أو إصلاح تدريجي.
ولا يستخدم هذا النمط من الخطاب للتأثير الآني، بل لإعادة برمجة الوعي الجمعي على المدى المتوسط، عبر التكرار، والانتقائية، والتضخيم العاطفي، ومع تراكم الرسائل، تتحول الكراهية من موقف عابر إلى حالة ذهنية مستقرة، تُضعف الالتزام الطوعي بالقانون، وتُقلل من حساسية المجتمع تجاه مخاطر الفوضى والانقسام.
وفي هذه المرحلة، يصبح نزع الشرعية وظيفة تمهيدية للفوضى، فحين تُقنع قطاعات من المجتمع بأن الدولة فاقدة للشرعية بطبيعتها، يصبح خرق القانون مبررًا أخلاقيًا، وتتحول الاحتجاجات إلى صدامات، والرفض إلى انفلات، وهنا تحديدًا تتقاطع وظيفة الإعلام مع الهدف السياسي الأوسع: خلق بيئة غير مستقرة تسمح بإعادة طرح الجماعة نفسها بوصفها البديل، أو على الأقل بوصفها القوة القادرة على استثمار الفوضى.
تضليل مركب: كيف يعمل الإعلام الإخواني عمليًا؟
لا يقوم التضليل في منظومة الإعلام الإخواني على كذبة واحدة كبيرة، بل على شبكة من تحويرات صغيرة تبدو مستقلة لكنها في مجموعها تصنع سردًا جديدًا يَحكُم وعي الجمهور، وفي هذه الشبكة، الانتقائية ليست خطأ في التغطية بل قانون إنتاج؛ تُختار اللحظات الأكثر استفزازًا أو السلبية وتُعرض خارج سياقها الزمني والسياسي، فتبدو الحوادث المعزولة كدليلٍ على نمطٍ دائم.
حذف السياق هنا ليس ثغرة، بل وسيلة؛ المتلقي لا يُعرض إلا لقطع من الحقيقة تكفي لتشكيل حكم مسبق، بينما تُستَبعد المواد التي قد تعيد الأمور إلى نصابها، وبجانب الانتقائية تعمل تقنية «الفبركة الناعمة»؛ لا ابتكار للوقائع من العدم بقدر ما هو تركيب متقن لعناصر حقيقية — صورة، تصريح معلّق، رقم ناقص — تُعاد هندستها لإنتاج معنى مختلف.
وهذه الفبركة ذكية لأنها تحتفظ بسمات المصداقية الشكلية، ما يجعل مهمة تفنيدها مرهقة للمواطن العادي، ثم تأتي إعادة التدوير كآلية تثبيت: مواد قديمة أو أحداث هامشية تُعاد ضخّها في سياقات جديدة بشكل متكرر، فتتحول بدورها إلى «نمط» لا يُساءل، وكأن الانهيار مستمر منذ زمن طويل.
كما يُستدعى في هذا السياق دائماً عنصر المصادر المجهولة أو الوهمية، باستخدام عبارات مثل «مصادر مطلعة» و«شهود عيان» تُقدَّم كمصداقية شكلية، بينما تخفي في الواقع غياب أي تحقق، ما يسمح بتسريب روايات تحريضية دون مساءلة حقيقية، وهذه الاستراتيجية تمنح السردية الأثر النفسي المطلوب على جمهور واسع، إذ يغيب عن المتلقي أدوات للتثبت، بينما تثبت في ذهنه صورة الدولة أو المؤسسات بوصفها فاسدة أو ظالمة.
العنوان في هذه الصناعة هو أداة الاشتباك الأولى، حيث تُصاغ العناوين بلغة قطعية، تُحكم مسبقًا على الحدث وتثير الانتباه قبل أن يدرك القارئ التفاصيل، ومع المونتاج العاطفي للمقاطع المرئية، حيث تُجمع لقطات موجزة مصحوبة بصوت متصاعد وموسيقى مؤثرة، تُستحث الاستجابة الشعورية الفورية: ذروة الانفعال تُسبق النقد والتدقيق، وفي قلب كل ذلك يظل خطاب «المظلومية» كخيطٍ موحّد، يُغلف الرسائل بمظلومية تبدو أخلاقية، فتتحول الاستنكار إلى تبرير لأفعال تصعيدية أو لرفض الشراكة مع المؤسسات الرسمية.
الأمر الأكثر خطورة هو أن هذه الآليات لا تعمل كحلقات مستقلة، بل تتشابك لتنتج وعيًا جماعيًا مشوَّهًا. تكرار الانتقائية والفبركة وإعادة التدوير يخلق إحساسًا دائمًا بأن الدولة منهارة، وأن أي محاولة للتفاعل مع مؤسساتها مضيعة للوقت أو خيانة للحقوق، ومع الوقت، يصبح الجمهور جزءً من آلة التضليل نفسه، حيث يشارك في نشر الرسائل، ويؤكدها ضمن شبكة اجتماعية واسعة، ما يحوّل التضليل الفردي إلى ظاهرة مجتمعية قائمة على التكرار والتحفيز العاطفي.
وبهذه الطريقة، يتحول الإعلام الإخواني من مجرد قناة لنقل الأخبار إلى أداة هندسية للوعي الجماهيري، تعمل على إعادة تشكيل تصور الدولة والمجتمع وفق أطر أيديولوجية مسبقة، والتضليل هنا ليس هدفًا لحظيًا أو صداميًا، بل استراتيجية ذكية تضع الأساس للفوضى، وتخلق أرضية نفسية وسياسية تجعل أي مواجهة مع الدولة الوطنية تبدو مبررة أخلاقيًا واجتماعيًا، حتى قبل أن تحدث الأحداث الفعلية.
كيف تُدار الحرب الإعلامية وتحوّل الوعي العام؟
في العقد الأخير تحولت المنصات الرقمية من فضاءات تواصل اجتماعي إلى غرف عمليات متكاملة تُدار فيها حملات تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والمعنوي، ففي نموذج عمل إعلام الإخوان المضلل، لا تقتصر الإدارة على نشر رسالة؛ بل تشمل تصميم منظومة اتصال تتكامل فيها السردية، الآليات التقنية، ودوائر التضخيم بحيث تنتقل المعركة من حلبة المؤسسات إلى ساحة الوجدان الجمعي.
وتُبنى الحملة بداية على رواية مركزية تُجوّف الوقائع الحقيقية من سياقها، ثم تُطلق عبر قنوات متوازية - حسابات قيادية، صفحات مزيفة، قنوات وسائط قصيرة، ومجموعات مغلقة - تعمل جميعها على تكرار نفس الإطار السردي بصيغ متدرجة تُصنع انطباعًا متواصلاً لدى متلقٍ لا يملك وقت أو أدوات للتحقق.
وتمثل الحسابات الوظيفية العمود الفقري لهذه الغرفة العملياتية، فهي ليست مجرد روبوتات؛ بل منظومة هجينة تضم حسابات آلية، مستخدمين مدفوعي الأجر، ونشطاء متطوعين ينسقون توقيت النشر، اختيار الوسائط، وتصعيد الوسوم وصولًا إلى تحويلها إلى ترند اصطناعي، وهذه الحسابات ليست مجرد ناقلات للمحتوى، بل وحدات تنفيذية تنقل الموضوع من مستوى الخبر إلى مستوى الانفعال: تنتقل الصورة أو المقطع من حساب صغير إلى شبكة حسابات متقاطعة، ثم إلى حسابات مؤثرة، فتصبح مادة استهلاك سريع على نطاق واسع، والنتيجة ليست فقط انتشارًا للمعلومة المزيفة، بل خلق ذيل إعلامي يجعل من الرواية المنقوصة تبدو كما لو أنها كانت الانطباع العام السائد.
وحين تنتقل المعركة من السياسة إلى الوعي تسقط قواعد المناقشة المؤسساتية، تتعامل السياسة مع عمليات وأدلة وصلاحيات؛ الوعي الجماعي يتأثر بالعواطف والاختصارات الرمزية، والمؤكد أن "إعلام الإخوان" يعمل على تغييب الوسائل الوسيطة - الحقائق والتحقق - ويُبقي الوسيط العاطفي في الواجهة، وبهذا يتحول النقاش من تقييم أداء إلى سؤال شرعية: هل هذه الدولة تستحق أن تمثلني؟ هذه النقلة حرِجة لأنها تحوّل مواطنًا مشاركًا إلى متلقي مبرمج عاطفيًا، يقبل الاستنتاجات القاطعة قبل التثبت، ومع الوقت، يُصنع عبر هذا الأسلوب «رأي عام زائف» يبدو وكأنه ناتج طبيعي عن إجماع شعبي بينما هو، في الواقع، نتاج هندسة اتصالية مقصودة.
إن التأثير التراكمي لهذا العمل المعنوي لا يظهر في ساعة أو يوم، بل يتكّون عبر دورات متكررة، وهنا يظهر الشك الأولي - ذلك التساؤل المحايد حول أداء المؤسسة - يتحوّل بفعل التكرار والانتقائية إلى شبه يقين، ثم إلى ازدراء، وفي النهاية إلى كراهية، وهذه السلسلة النفسية ليست عشوائية: تكرار الرسائل المليئة بالمظلومية، والمشاهد المصمّمة لإثارة الغضب، والتأكيد على الخيانة المزعومة يؤدي إلى تجذير موقف عدائي يصبح من الصعب قلبه بالحجة أو الدليل، فعندما يتحول الشك إلى كراهية، لا تقف المسألة عند تغيير رأي انتخابي؛ بل تشمل فقدان الالتزام الاجتماعي بقواعد السلوك المدني، وتراجع الموثوقية في المؤسسات التي تعتاش عليها الدولة.
إن تفكيك الثقة المجتمعية هو الهدف الاستراتيجي لإعلام الإخوان، فالإعلام المصمم بهذه الطريقة لا يسعى فقط إلى نقد المؤسسة؛ بل إلى إفراغها من رصيدها الرمزي: تهميش الشرعية القانونية، تقويض هيبة الأجهزة الأمنية، وتشكيل تصور عام مفاده أن الدولة تعمل ضد مصالح المواطنين، ومع تآكل هذا الرصيد، تصبح الاستجابات الشعبية لأزمات بسيطة أكثر عنفًا وأكثر تسرعًا، وتضعف مقاومة المجتمع أمام الدعوات إلى الخروج على القانون أو دعم بدائل عنيفة، وهكذا تُتهيأ بيئة قابلة للفوضى، بيئة تُسهّل ظهور نزاعات ميدانية أو تبررها في ذهن قطاعات واسعة من الجمهور.
وتبرز هنا العلاقة بين الخطاب والتحريض الميداني واضحة في التجارب الميدانية: خطاب مركب وممنهج يولّد اشتعالًا شعوريًا، والاشتغال الشعوري يولّد اندفاعات ميدانية غالبًا ما تستدعي تظهيرًا أمنياً يُستخدم لاحقًا كأداة تضخيم جديدة ضمن نفس السرد، والإعلام يسبق الانفجار؛ ليس لأنه يصنع الأحداث الميدانية وحده، بل لأنه يهيّئ الذهنية الجمعية التي تتفاعل مع الاستفزازات بسرعة، وتنتقل من التداول الرقمي إلى السلوك العملي، وبهذا المعنى، الأخبار الميدانية ليست أسبابًا مستقلة دائمًا، بل في كثير من الحالات نتائج لعملية نفسية واجتماعية ابتدأت على شاشات الهواتف.
الإخوان وحروب الوعي
لا يُفهم الإعلام الإخواني بمعزل عن السياق الأكبر الذي يتحرك فيه، فما من مرة تحدث أزمة في السياق الإقليمي وتحديداً داخل الوطن العربي؛ إلا ويحاول ضرب النسيج العربي، بما يؤكد أن الجماعة الإرهابية ليست جزيرة فكرية منعزلة؛ بل نقطة ارتكاز في منظومات إقليمية ودولية تتبادل المصالح والأجندات، حيث يتقاطع خطابها الإعلامي أحيانًا مع مصالح فاعلين خارجيين يسعون إلى تقويض استقرار دول معينة أو استغلال الانقسامات لمآرب جيوسياسية، وفي هذا السياق، يصبح إعلام الجماعة أداة مُيسّرة للعملية الأكبر: تغذية التوترات، تشويه سمعة مؤسسات الدولة أمام جمهور إقليمي أو دولي، واستدعاء انتقادات تضغط على الحكومات المتأثرة.
والاستثمار في الفوضى هنا ليس هدفًا محليًا فحسب، بل فرصة سياسية للتآكل الإقليمي: الفوضى تضعف قدرة دول على التعاون، تُشغّل مواردها داخليًا، وتفتح باب التدخّلات الإقليمية، ويستغل الإعلام الإخواني هذه الديناميكية، فيعيد توظيف الأزمات المحلية كأدوات لتفكيك التضامن العربي، ويحول الانقسامات الداخلية إلى قضبان ضغط إقليمي، وبهذا يصبح الخطاب الإخواني جزءً من لعبة دولية أكبر، حيث تتلاقى مصالح فاعلين متعددين على الأرض الإعلامية.