الدكتور محمد أبو عفش مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة لـ"صوت الأمة": 12 ألف مريض سرطان في القطاع ينتظرون الموت لرفض الاحتلال إدخال الأدوية والأجهزة الطبية
السبت، 10 يناير 2026 11:50 م
إسرائيل علقت عمل المؤسسات الإنسانية لإجبار الفلسطينيين على الهجرة.. وأملنا في بدأ المرحلة الثانية من اتفاق السلام
المساعدات المصرية خففت المعاناة وساهمت في إنقاذ الوضع الإنساني والصحي المتردي.. والقائمين عليها يوزعونها بعدالة
نسبة الدمار في القطاع تجاوزت 90%.. والمباني السكنية والمدارس والجامعات والمستشفيات دُمرت بالكامل
في ظل تصعيد غير مسبوق للقيود الإسرائيلية على العمل الإنساني في قطاع غزة، بعد قرار حظر أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية كبرى، تتفاقم المخاوف من انهيار شامل للمنظومة الصحية والإغاثية في واحدة من أكثر المناطق تضررًا في العالم.
القرار يأتي بينما يعيش القطاع شتاءً قاسيًا، ونقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية والمأوى، وسط ارتفاع مقلق في معدلات الوفيات بين الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.
في هذا الحوار، يكشف مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة الدكتور محمد أبو عفش حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة، وأهداف إسرائيل من التضييق على المنظمات الإنسانية، وتداعيات ذلك على المرضى، خاصة مرضى السرطان، إضافة إلى العراقيل التي تواجه دخول المساعدات عبر المعابر، والدور المصري المحوري في دعم صمود القطاع، كما يطرح أبو عفش رؤيته للخطوات العاجلة المطلوبة لمنع الانهيار الإنساني، ومستقبل غزة في ظل تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وإلى نص الحوار..
أكدت إسرائيل أنها ستنفذ الحظر على أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية كبرى في غزة، كيف تقييم خطورة هذا القرار على الاستقرار الإنساني في القطاع؟
بالفعل حظرت إسرائيل 37 منظمة إنسانية، وسبق ذلك حظر لمؤسسات فلسطينية، هذه السياسة، للأسف الشديد، قد تؤثر سلباً على الوضعين الإنساني والصحي داخل قطاع غزة، وهما مترديان أصلاً منذ فترة طويلة.
إننا نعاني من نقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية، بالإضافة إلى النقص في المآوى والبيوت المتنقلة (الكرفانات)؛ وكل هذه الأمور يئن تحت وطأتها النظامان الإغاثي والصحي بشكل كبير. وتأتي هذه الأزمات المتمثلة في حظر المؤسسات التي تقدم الخدمات الإنسانية والصحية لتزيد من الأعباء الكبيرة الملقاة على عاتق سكان القطاع، ونحن الآن في فصل الشتاء، حيث نواجه موجات من البرد القارس وحالات إعياء شديدة تسود المجتمع الفلسطيني.
وللأسف الشديد، ينتج عن كل هذه الظروف مآسٍ وحالات وفاة؛ فقد رصدنا ارتفاعاً في أعداد الوفيات سواء بين كبار السن أو الأطفال، نتيجة لغياب المأوى المناسبة وتفشي الأمراض وحالات الإعياء الشديد داخل القطاع.
ما هو الهدف الرئيسي من اتخاذ إسرائيل قرارا بتعليق عمل المنظمات الإنسانية؟
هناك أهداف كثيرة لإسرائيل في تعليق عمل المؤسسات الإنسانية، سواء الفلسطينية أو الدولية، حتى تتمكن هي من التحكم في كل جوانب الحياة داخل غزة، سواء بإدخال مؤسسات تابعة لها، أو بعدم السماح للمؤسسات الدولية والفلسطينية بالعمل بحرية كما يتطلبه العمل الإنساني داخل قطاع غزة.
الأهداف كثيرة لقوات الاحتلال في عدم السماح لهذه المؤسسات الكبيرة، والمؤسسات التي عملت خلال فترة الحرب، والتضييق عليها لأسباب كثيرة، حتى تتمكن هي من التحكم بما يدخل إلى القطاع وما يخرج منه.
كل هذه السياسات التي تتبعها إسرائيل هدفها إجبار الفلسطينيين على الخروج والنزوح خارج غزة؛ وعدم السماح لهم بحياة كريمة.
كيف تواجهون هذه الخطوات من جانب إسرائيل؟
وضعنا خطة لتعافي النظام الصحي تمتد لستة أشهر، لكن للأسف الشديد، مر أكثر من شهرين والاحتلال يواصل تعطيل دخول المستلزمات الطبية والمواد الأساسية اللازمة للمراكز الصحية والمستشفيات.
كنا نأمل قبل انتهاء المرحلة الأولى وبداية المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وأن يتم السماح بإدخال كافة احتياجات النظام الصحي، بما في ذلك تخصيص جزء كبير من الـ 500 شاحنة -التي كان من المفترض دخولها يومياً- لهذا القطاع، ومع ذلك، لا يزال هناك تعنت وتسويف من قبل الاحتلال، مما حال دون تحقيق التعافي المرجو بشكل جيد.
كما أن هناك خططاً استراتيجية موضوعة للتعافي؛ منها خطة قصيرة الأمد لمدة ستة أشهر، وأخرى متوسطة لمدة سنتين، وخطة طويلة الأمد لمدة أربع سنوات، تهدف هذه الخطط جميعها إلى إعادة ترتيب الوضع الصحي، سواء في نظام الرعاية الأولية أو نظام المستشفيات، خاصة بعد خروج أكثر من 32 مستشفى عن الخدمة وتردي الأوضاع الصحية في القطاع بشكل كبير.
الحديث يدور حول أن مرضى السرطان يواجهون حكمًا بالإعدام البطيء، كيف يواجه هؤلاء أزمة متفاقمة؟
الكثير من المشاكل الصحية داخل غزة، وهناك ملفات صعبة للغاية، وخاصة ملف مرضى السرطان، نتحدث عن 12 ألف مريض سرطان يحتاجون إلى تحويلات خارجية، وعلاج بيولوجي، وجلسات كيميائية، ومتابعة طبية مستمرة، للأسف الشديد، يمنع الاحتلال إدخال هذه الأدوية والأجهزة الطبية، كما يمنع سفر هؤلاء المرضى لتلقي العلاج بالخارج.
لقد عانى الكثير من هؤلاء المرضى خلال فترة الحرب، وتوفي العديد منهم بسبب غياب المتابعة الصحية ونقص الأدوية، هذا الأمر الخطير قد يودي بحياة المزيد من المواطنين إذا استمر منعهم من السفر، وهو ما يضع أعباءً إضافية وصعوبات بالغة على النظام الصحي المنهك أصلاً.
نأمل في المراحل القادمة أن يتم تسهيل خروج هؤلاء المرضى عبر وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية وبشكل عاجل لتفادي فقدان المزيد من الأرواح، فقد توفي حتى الآن أكثر من 1200 مواطن، بين جريح ومريض سرطان، وهم على قوائم الانتظار للسفر.
وفي ظل التضييقات المستمرة ومنع دخول المستلزمات الطبية الضرورية، لا يستطيع النظام الصحي والمستشفيات تقديم أكثر من بعض المسكنات لهؤلاء المرضى، لعجزها عن توفير العلاج اللازم لهم.
أطلقت اليونيسف والأمم المتحدة دعوات متكررة لضمان الوصول الآمن وغير المقيّد لفرق الإغاثة؛ ما المطلوب من المجتمع الدولي لضمان وصول المساعدات دون عوائق؟
المطلوب توفير الحماية الكاملة للطواقم الطبية وطواقم الإغاثة الإنسانية. إن الاستهدافات التي تعرضت لها المنظومة الصحية، سواء من خلال اعتقال الأطباء والعاملين في المستشفيات أو استشهاد عدد كبير منهم، لا تزال مستمرة؛ فهناك أطباء وممرضون وعاملون في القطاع الصحي رهن الاعتقال حتى اللحظة.
يجب على المنظومة العالمية والمؤسسات الدولية المعنية الضغط على الاحتلال لوقف هذه الانتهاكات، والسماح لكافة المؤسسات الدولية والفلسطينية العاملة في المجالين الصحي والإنساني بالعمل بحرية كاملة، لكي نتمكن من استعادة الأوضاع الطبيعية في قطاع غزة بعد أكثر من سنتين من التدمير الممنهج الذي استهدف كل شيء؛ من مستشفيات ومقومات الحياة الأساسية، بما في ذلك إمدادات المياه والغذاء، ونأمل بشدة أن يتم السماح لهذه المؤسسات بالعمل وتقديم كافة الإمكانيات اللازمة خلال الفترة القادمة.
كيف تؤثر العراقيل الإسرائيلية المستمرة على إدخال المساعدات في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان؟
طبعاً من أبرز المعوقات التي تواجه الطواقم العاملة في قطاع غزة هو منع الاحتلال إدخال المستلزمات الضرورية لهذه المؤسسات والطواقم، والتي تشهد نقصاً كبيراً في مواردها، وما يتم إدخاله عبر المعابر هي كميات قليلة جداً، لا تتجاوز 20% من احتياجات السكان، لا سيما في ظل ظروف فصل الشتاء الصعبة.
الاحتلال يسلب مقومات الحياة من قطاع غزة؛ فنحن بحاجة ماسة إلى بيوت متنقلة (كرفانات)، ومساكن، ومآوٍ ملائمة، بالإضافة إلى ضرورة إنشاء مراكز صحية، فتوفير هذه المتطلبات يعد حاجة ملحة لسكان قطاع غزة، ويجب السماح بإدخالها بشكل دائم ومستمر.
كيف تنظر إلى الدور المصري الداعم لاستقرار قطاع غزة إنسانيا وسياسياً؟
الدور المصري الكبير نعتبره الامتداد الأول والأخير لنا كشعب فلسطيني، وتحديداً في قطاع غزة؛ فنحن نعتبر أنفسنا امتداداً للقيادة والشعب المصري.
إن الكميات الكبيرة من المساعدات التي دخلت عبر مصر ساهمت بشكل فعال في إنقاذ الوضع الإنساني والصحي المتردي الذي كنا نعاني منه، هذه الحملات والقوافل والبعثات التي دخلت، والتي زاد عددها عن 120 بعثة، خففت الكثير من المعاناة داخل قطاع غزة.
ومصر لا تنتظر شكراً من أحد؛ فهي تعتبر قطاع غزة امتداداً طبيعياً لها وصمام أمان لجمهورية مصر العربية، ونحن كفلسطينيين نعتبر أنفسنا أبناءً لهذه الدولة الكبيرة العظيمة، فمصر هي الأم للوطن العربي ككل.
وساهمت هذه المساعدات في التخفيف الكبير عن كاهل المواطنين، خاصة وأن المؤسسات التي تقوم بتوزيع هذه المساعدات تتبع نهجاً يتسم بالعدالة الواضحة، لقد شعر الجميع داخل غزة بوصول هذه المساعدات إلى شريحة واسعة من السكان، ونأمل في إدخال المزيد من المساعدات لتصل إلى من لم يحصلوا بعد على هذه الاحتياجات الضرورية والمهمة.
ما الخطوات العاجلة التي ينبغي اتخاذها لمنع انهيار العمل الإنساني في قطاع غزة؟
أولاً السماح بإدخال ما يلزم القطاع -سواء في المجال الإنساني أو الصحي- من كل النواقص، وفتح المعابر حتى يتمكن المرضى والطلاب وأصحاب الإقامات الخارجية من الخروج لممارسة دراستهم وحياتهم وعلاجهم خارج قطاع غزة.
ثانياً السماح بإعمار القطاع، فالقطاع الآن للأسف الشديد لا يوجد به حياة؛ لا حياة زراعية ولا مائية ولا حياة دراسية، ولا توجد به أي مقومات للحياة. لذلك، على الضامنين وعلى الجميع كفالة دخول ما يلزم القطاع، سواء في المجال الإغاثي أو الصحي، وتوفير كل هذه النواقص.
نحن نأمل بشدة البدء في المرحلة الثانية، والتي تتضمن -كما هو مسرد في الاتفاقيات- عمليات الإعمار وإدخال ما يلزم القطاع بشكل كامل، لا زلنا نأمل في تقديم المساعدة لنا في هذا الأمر، حتى نتمكن من تقديم خدمات صحية وإغاثية كاملة لأهلنا في قطاع غزة."
وما توقعاتك حول مستقبل قطاع غزة في الفترة المقبلة؟
لو تعثرت المفاوضات، فنحن نتحدث عن مستقبل قاتم لقطاع غزة؛ فمن المؤسف جداً ألا يكون هناك إعمار، ولا مستشفيات، ولا نظام صحي أو غذائي، ولا حتى كرافانات أو مآوٍ، مما سيؤدي إلى مأساة حقيقية، سنشهد وفاة العديد من الحالات المرضية، وسنرى انجرافات في التربة والعديد من المشاكل الأخرى داخل قطاع غزة.
وكما ذكرنا سابقاً، لدينا أمل كبير في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، والضغط على الاحتلال من قبل الضامنين والكفلاء لهذا الاتفاق للسماح بإعادة إعمار غزة، وتوفير كل ما تحتاجه القطاعات المختلفة للعمل من جديد بعد التدمير الكامل الذي لحق بها. إن نسبة الدمار في قطاع غزة تجاوزت 90%، حيث شمل ذلك المباني السكنية، والمدارس، والجامعات، التي دُمرت بالكامل.
للأسف الشديد، لا توجد حياة حالياً في قطاع غزة، والأوضاع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وإذا لم يتم تنفيذ الاتفاق، لا سمح الله، فلن يكون بمقدورنا الاستمرار في ظل هذه الظروف القاسية جداً، هذا الوضع قد يؤدي إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين، وهجرة العقول والشباب والأطباء والمهندسين من مختلف الفئات إلى خارج القطاع، وهو ما يسعى إليه الاحتلال، لذا، يجب على الجميع الضغط من أجل إعمار غزة، وتوفير كل الاحتياجات الضرورية لعمل القطاعات المختلفة، لتعزيز صمود القطاع في وجه الاحتلال.
إلى أي مدى يشكل إقرار عقوبة الإعدام الإلزامي وتطبيقها حصريًا على الفلسطينيين في الضفة الغربية انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني وحظر التمييز العنصري؟
تنفيذ هذا القانون يعد جريمة بحق الإنسانية وبحق الشعب الفلسطيني، فنحن شعب يرزح تحت الاحتلال، وجميع القوانين والمواثيق الدولية تمنحنا الحق في مقاومته بكافة السبل المتاحة.
ما يتم تداوله حول إعدام المعتقلين وتقديمهم لمحاكمات تهدف لإعدامهم هو جريمة نكراء بحق الشعب الفلسطيني ولا ينبغي السماح بحدوثها، وللأسف الشديد، يقف المجتمع الدولي صامتاً أمام ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، دون تدخل فعال لإنقاذ الموقف.
نشهد الآن عمليات تدمير وتهجير وقتل ومصادرة أراضٍ في الضفة الغربية، بالإضافة إلى الحفريات الجارية تحت المسجد الأقصى، على المجتمع الدولي التدخل الفوري لوقف هذا التغول على ممتلكات الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية، إن الشعب الفلسطيني يحب الحياة وينشد السلام، بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي التنصل من كافة المواثيق والعهود بشكل واضح ومباشر.