قلب على أوتار الحزن..فيروز من أسطورة الغناء إلى أمٍ كسرتها فواجع الأبناء
الأحد، 11 يناير 2026 12:27 م
إيمان محجوب
يحمل صوت فيروز في نبراته حكايات الأرض وذاكرة الأجداد ووجع المحبة، فغدت «جارة القمر» رمزًا للجمال والصفاء والصمود في الوجدان العربي، غير أن خلف هذا الصوت السماوي تختبئ حكاية إنسانية قاسية، حكاية أم عانقها الفقد مرارًا، وأنهكها وجع رحيل الأبناء بعد غياب شريك العمر.
نهاد وديع حداد، التي عرفها العالم باسم فيروز، بدأت رحلتها الفنية حين التقت بالموسيقار عاصي الرحباني، زوجها وشريكها الإبداعي، لتنشأ مع شقيقه منصور تجربة فنية استثنائية صنعت واحدة من أهم المدارس الموسيقية في العالم العربي. وقدمت فيروز مع الأخوين رحباني أكثر من 800 أغنية وعشرات المسرحيات الغنائية التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة، وتجاوز تأثيرها حدود الجغرافيا والسياسة.
تزوجت فيروز من عاصي الرحباني عام 1954، وأنجبت أربعة أبناء: زياد، ليال، هلي، وريما، وبدا للعلن أن العائلة تعيش حالة من الانسجام الفني والإنساني، غير أن القدر كان يخبئ لها اختبارات قاسية، كانت الصدمة الأولى برحيل عاصي الرحباني عام 1986، وهو الحدث الذي شكّل جرحًا عميقًا في حياة فيروز الزوجة والأم.
ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى تلقت الفاجعة الثانية بوفاة ابنتها ليال عام 1988 إثر جلطة دماغية مفاجئة، لتتضاعف آلام الأم التي لم تبرأ بعد من حزنها الأول.
أما الضربة الأقسى فجاءت برحيل ابنها زياد الرحباني، أحد أبرز المجددين في الموسيقى العربية والمسرح السياسي الساخر، وصاحب التجربة الفنية الجريئة التي مزجت بين الجاز والموسيقى الشرقية، وحملت نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا، شكّل رحيله صدمة عنيفة لفيروز، لا سيما أنه جاء بعد فترة من الخلاف انتهت بعودة التواصل بينهما.
واكتملت دائرة الحزن برحيل هلي الرحباني، الابن الأقرب إلى قلبها، الذي عاش بعيدًا عن الأضواء، ولقّبته فيروز بـ«ملاك البيت»، عانى هلي منذ ولادته من إعاقات ذهنية وحركية، وظل رمزًا للهدوء والسلام داخل العائلة، قبل أن يرحل بعد صراع صحي، ليكون الفقد الثالث الذي يثقل قلب الأم.
ورغم صمتها الإعلامي وابتعادها عن الأضواء، ظل ألم فيروز حاضرًا في نبرات صوتها وذاكرتها. لم تتحدث كثيرًا عن وجعها، وكانت الموسيقى دائمًا ملاذها الأصدق للتعبير عما تعجز الكلمات عن حمله. وبعد رحيل أبنائها، وُصفت بـ«الأم الحزينة»، لكنها لم تفقد مكانتها كأيقونة للفرح والجمال.
وتبقى فيروز، رغم كل ما قاست، رمزًا للأمل والصمود في الوجدان العربي، صوتًا يمنح الملايين عزاءً وطمأنينة، ويؤكد أن الفن الحقيقي قادر على أن يولد من قلب الألم، ويحوّل الفقد إلى خلود.