"مقابر تحيا مصر للخالدين" تعيد رسم خريطة الذاكرة الوطنية
"صوت الأمة" ترصد الأعمال الأخيرة للمشروع.. نقل رفات أمير الشعراء واستعدادات لاستقبال رفات العظماء والرموز
الأحد، 11 يناير 2026 01:20 م
على بعد عشرات الأمتار من المتحف القومى للحضارة، وفى منطقة عين الصيرة، تقبع "مقابر تحيا مصر للخالدين" التي أنشأتها الدولة لنقل رفات الشخصيات التاريخية إليها ضمن مشروع "تطوير القاهرة التاريخية"، وبدأت عملية النقل بإعادة دفن رفات الشاعر أحمد شوقي وكذلك التراكيب الخاصة بمقبرته، حيث وُضعت في المكان الذي يليق بمكانته الأدبية والتاريخية.
وأكد المهندس محمد أبوسعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري التابع، أن الهدف من "مقبرة الخالدين" تكريم هذه الشخصيات، حيث تقع بجوار متحف الحضارة، وتوجد داخلها لوحات تعريفية بكل شخصية وإنجازها التاريخى، إذ سيتم نقل التراكيب التي لها قيمة تراثية إليها، بعد أن تم فكها بالشكل العلمى والتاريخى، بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار من المقابر التي تمت إزالتها مؤخرًا.
.jpg)
وفى يونيو 2023 وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي بإنشاء بـ«مقبرة الخالدين» في موقع مناسب، لتكون صرحًا يضم رفات عظماء ورموز مصر من ذوي الإسهامات البارزة في رفعة الوطن، على أن تتضمن أيضًا متحفًا للأعمال الفنية والأثرية الموجودة في المقابر الحالية، ويتم نقلها من خلال المتخصصين والخبراء«.
وبعد توجيهات الرئيس السيسى، تم تشكيل لجنة من الخبراء والمتخصصين لوضع سيناريوهات متعددة وبدائل مناسبة للتعامل مع بعض مناطق المقابر بالقاهرة، وتُعقد رئاسة هذه اللجنة لرئيس مجلس الوزراء، وتضم في عضويتها وزراء الإسكان والتنمية المحلية، ومحافظ القاهرة، وممثلي الهيئة الهندسية، وكافة الجهات المعنية، إلى جانب الأثريين المتخصصين، والمكاتب الاستشارية الهندسية، وعدد من الخبراء.
وخلال جولة "صوت الأمة" داخل "مقبرة الخالدين"، وجدت أنه تم إنشائها كمزار حضاري مركزي يضم رفات الرموز الوطنية من السياسيين والأدباء والعلماء والفنانين خاصة أولئك الذين تقع مقابرهم الأصلية داخل مسارات تطوير الطرق والمحاور الجديدة أو في مناطق تعاني من مشكلات إنشائية وبيئية مزمنة مثل ارتفاع منسوب المياه الجوفية وهو ما كان يهدد سلامة هذه المقابر واستمرارها، حيث اختيرت منطقة عين الصيرة موقعًا للمشروع في واحدة من أكثر المناطق رمزية في القاهرة الحديثة بجوار المتحف القومي للحضارة المصرية بما يمنح المشروع بعدًا ثقافيًا وسياحيًا واضحًا.
.jpg)
وسبق أن أكد الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، أن المقابر تضم 26 تركيبه من مقابر رموز الوطن المقرر نقلهم الى هذه المنطقه، كما انه تم الحفاظ على كل التراكيب لتخليدها في متحف يليق ورموز الوطن، لافتاً إلى الافتتاح الرسمي سيكون قريبا.
ويتميز المشروع بأنه يعيد توظيف القيمة المعمارية للمقابر القديمة حيث يجري نقل الشواهد الرخامية المميزة والنقوش والقباب ذات الطراز الفريد وإعادة تركيبها داخل الموقع الجديد في محاولة للحفاظ على الطابع التاريخي والإنساني لكل شخصية وتحويل المكان إلى ما يشبه “متحفًا مفتوحًا” للذاكرة الوطنية وليس مجرد مدافن حديثة، كما يتضمن إنشاء متحف تعريفي داخل نطاق المقبرة يعرض السير الذاتية للرموز المدفونة وإسهاماتهم الفكرية والسياسية والفنية بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على هذه الشخصيات في سياق توثيقي منظم على غرار ما هو معمول به في التجارب العالمية المشابهة.
وتستند فكرة المشروع إلى نماذج عالمية مشابهة، أبرزها «البانثيون» الفرنسي، الذي يُعد المقبرة الرسمية لعظماء فرنسا من فلاسفة وأدباء وعلماء تركوا بصمتهم في تاريخ الدولة، الا أن النسخة المصرية جاءت في سياق مختلف، يوازن بين الحفاظ على القيمة الرمزية للمدفونين ومتطلبات التطوير العمراني وحماية المقابر الواقعة داخل مسارات الطرق والمحاور الجديدة.
ورصدت "صوت الأمة" أعمال ترميم التركيبات الخاصة بمقبرة أحمد شوقي، بتنظيف الرخام لاظهار النقوش وترميمه على أيدي خبراء الآثار، وذلك عقب نقل رفاته إلى العَظْامة، وتشمل أعمال الترميم عددًا من مقابر الرموز السياسية والفنية والأدبية، التي تضرر بعضها بسبب الغرق في المياه الجوفية، لا سيما في مناطق السيدة عائشة والإمام الشافعي، وقد تم نقل جميع التركيبات الرخامية الخاصة بالرموز الوطنية من هذه المقابر، وإخضاعها لعمليات ترميم دقيقة للحفاظ عليها.
وأوضح المهندس محمود البحيري، ممثل شركة إبداع المتخصصة في أعمال الترميم، أنه جرى التعامل مع 26 تركيبة رخامية تخص عددًا من الرموز الوطنية، من بينها تركيبات الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، إلى جانب عدد كبير من المشايخ والأدباء، مشيراً إلى أن معظم هذه المقابر كانت غارقة بالكامل في المياه الجوفية، كما تضررت التركيبات والشواهد الرخامية من ارتفاع منسوب المياه، ما استدعى تدخل محافظة القاهرة لإنقاذ أغلب هذه التركيبات.
وأضاف "البحيرى" لـ"صوت الأمة" أن آلية العمل اعتمدت على الفصل بين الرفات والتركيبات، بحيث يُحفظ الرفات في مكان مخصص، بينما تُنقل التركيبات إلى مواقع آمنة بعد تكويدها وتوثيقها، حفاظًا على كرامة المتوفين وقيمة الأثر، وتضم التركيبات التي جرى إنقاذها مقابر عائلات وشخصيات بارزة في التاريخ المصري، من بينها عائلة العَظَمي السورية، وعائلة علي باشا رضا، وعائلة يكن، إلى جانب تركيبة الإمام ورش، التي وُضعت بجوار الإمام الشافعي، ومقابر علي باشا رضا فهمي من حوش إسماعيل سليم، فضلًا عن مقبرة محمود باشا الفلكي.
وأوضح البحيري أن جميع التركيبات في المقابر التراثية كانت تُحفظ أسفل قباب مخصصة، وحاليا يتم تنفيذ أغطية رخامية مزودة بأنظمة لتصريف مياه الأمطار، تمهيدًا لنقل الرفات وفق المخطط المعتمد، لافتاً إلى أن الشواهد الرخامية تعكس السمات الاجتماعية لعصرها، حيث يظهر الرجال على الشواهد وهم يرتدون الطربوش، بينما تُجسَّد السيدات بتيجان، في دلالة على المكانة الاجتماعية والتاريخية لأصحابها.
عين الصيرة.. موقع يحمل دلالات تاريخية
واختيرت منطقة عين الصيرة مقرًا للمقبرة ، لما تحمله من رموز تاريخية، حيث تقع بجوار المتحف القومي للحضارة من ناحية، وبجوار مسجد السيدة نفسية من ناحية اخري بما يمنح «مقبرة الخالدين» بعدًا ثقافيًا وسياحيًا، ويجعلها نقطة التقاء بين التاريخ المصري القديم والتاريخ الحديث.
أحمد شوقي.. أولى خطوات التنفيذ
وفي ديسمبر 2025، تم نقل رفات أمير الشعراء أحمد شوقي إلى «مقبرة الخالدين»، في خطوة مثّلت أول تطبيق عملي معلن للمشروع، بعد جدل واسع أثير حول مصير مقبرته القديمة الواقعة ضمن مناطق التطوير بالقاهرة، وسيضم تباعًا أسماء أخرى من رموز مصر الذين ارتبطت مقابرهم بمناطق التطوير، من شعراء ومفكرين وقادة سياسيين شكّلوا محطات مفصلية في تاريخ الدولة مثل حافظ ابراهيم شاعر النيل والشيخ الادريسي.
وأكد كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، مجدي شاكر، أن مشروع «مقبرة الخالدين» ينبغي أن يراعي مجموعة من الضوابط الأساسية، من بينها نقل العنصر المعماري للمقابر مع الرفات، بما يضمن إنشاء مدينة ثقافية متكاملة تحافظ على القيمة التاريخية للموقع، لافتاً إلى أن مصر سبق أن خاضت تجربة مماثلة خلال ستينيات القرن الماضي، حين جرى نقل نحو ستة عشر معبدًا بما تحويه من مقابر تاريخية، وأشار إلى أن عددًا من الدول، مثل اليونان وفرنسا، تمتلك مدنًا ثقافية على هذا النحو وتوظفها بنجاح في الترويج السياحي، مؤكدًا أهمية الاستفادة من هذه التجارب الدولية.