حزمة الإصلاحات تفتح باب التمويل الأوروبي وتعيد تشكيل الاقتصاد المصري من الموازنة إلى الاستثمار والطاقة الخضراء
الخميس، 15 يناير 2026 01:04 م
طلال رسلان
أعلنت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، اليوم الخميس 15 يناير 2026، صرف تمويل تنموي ميسر بقيمة مليار يورو من الاتحاد الأوروبي، في إطار الشريحة الأولى للمرحلة الثانية من آلية مساندة الاقتصاد الكلي ودعم الموازنة (MFA)، تنفيذًا لإعلان ترفيع العلاقات بين الجانبين الذي وقّعه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في مارس 2024.
تكشف الإصلاحات الهيكلية التي نفذتها مصر ضمن المرحلتين الأولى والثانية من آلية مساندة الاقتصاد الكلي ودعم الموازنة مع الاتحاد الأوروبي (MFA) عن تحول مؤسسي عميق يمس إدارة المالية العامة، ومناخ الاستثمار، والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، في إطار ربط واضح بين التمويل التنموي الميسر وتنفيذ سياسات إصلاحية قابلة للقياس.
فعلى مستوى الاستقرار الاقتصادي الكلي والقدرة على الصمود، اتجهت الدولة إلى رقمنة النظام الضريبي للرواتب وتوسيع تطبيقه على القطاعين العام والخاص، وتفعيل تعديلات قانون المالية العامة عبر وضع سقف سنوي للدين العام، وإنشاء وحدات محاسبة في 59 هيئة اقتصادية لتوحيد البيانات ونشر إحصاءات الحكومة العامة دوريًا. كما جرى إرساء إطار الميزانية متوسطة الأجل، وإعداد موازنة البرامج والأداء، ووضع معايير جديدة لتقييم الاستثمارات العامة، إلى جانب تعزيز إدارة المخاطر المالية وإدارة الاستثمار العام وفق توصيات دولية (OECD وPIMA). هذه الحزمة تعني عمليًا انتقال الموازنة من إدارة آنية إلى تخطيط متعدد السنوات، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، وضبط الدين، بما يعزز الثقة الائتمانية ويخفض تكلفة الاقتراض.
وفي بعد العدالة الاجتماعية وبناء رأس المال البشري، توسعت شبكة الأمان الاجتماعي بزيادة المستفيدين من «تكافل وكرامة»، ورفع عدد مشروعات التمويل متناهي الصغر، وإطلاق «مرصد الحماية الاجتماعية» ومنصة «مهني 2030» لتنمية مهارات الشباب ودمج الاقتصاد غير الرسمي. هذه الإجراءات تُظهر أن الإصلاح المالي لم يأتِ على حساب الحماية الاجتماعية، بل سعى إلى توجيه الإنفاق نحو الفئات الأولى بالرعاية وتعزيز فرص العمل المنظم.
أما محور القدرة التنافسية وبيئة الأعمال، فيعكس انتقالًا من البيروقراطية إلى الحوكمة الرقمية: إنشاء قاعدة بيانات موحدة للشركات المملوكة للدولة ونشر تفاصيل التخارجات، إصدار «القائمة السلبية الموحدة» للاستثمار الأجنبي، مركزية المعلومات الاستثمارية على منصة واحدة باللغة الإنجليزية، وميكنة تراخيص الاستثمار. وفي المرحلة الثانية، أُدخل نظام المزايدات التنافسية لتسعير الأراضي الصناعية، وأُطلقت منصة إلكترونية موحدة للتراخيص، مع خطة لتعميمها على أغلب الخدمات. اقتصاديًا، تعني هذه الخطوات تقليص عدم اليقين التنظيمي، وزيادة الشفافية، وتحسين تخصيص الأصول العامة، ورفع جاذبية مصر للاستثمار الأجنبي المباشر القائم على الطلب، بما يدعم النمو القابل للتصدير.
وعلى صعيد التحول الأخضر، ربطت الدولة التمويل بالإصلاح البيئي: اعتماد استراتيجية الطاقة المستدامة ولوائح شهادات منشأ الطاقة، تنظيم استخراج المياه الجوفية برسوم وضوابط تراخيص، إقرار تعريفة تغذية لمشروعات تحويل النفايات إلى طاقة، إعلان النظام البيئي للبحر الأحمر منطقة محمية لدعم استدامة السياحة، وتعزيز التخطيط لكفاءة استخدام الطاقة. هذه السياسات تدمج البيئة في قلب النمو الاقتصادي، وتفتح المجال للاستثمارات الخضراء والتمويل المناخي، وتقلل المخاطر طويلة الأجل المرتبطة بندرة الموارد وتغير المناخ.
خلاصة المشهد أن مصر استخدمت آلية MFA ليس فقط كمصدر تمويل، بل كرافعة لإعادة هندسة السياسات الاقتصادية: انضباط مالي متعدد السنوات، بيئة أعمال رقمية أكثر شفافية، وحزمة تحول أخضر مرتبطة بالعائد الاقتصادي. ومع انتقال البرنامج من المرحلة الأولى إلى الثانية، تتضح معادلة جديدة: التمويل الميسر مقابل إصلاحات مؤسسية قابلة للقياس. وإذا استمر التنفيذ بالوتيرة نفسها، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك في تحسن مؤشرات الاستدامة المالية، وتدفقات استثمارية أعلى، وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، ما يضع الاقتصاد المصري على مسار نمو أكثر استقرارًا وتنافسية خلال السنوات المقبلة.