دستور أخلاقى.. المؤتمر الدولى للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يطلق «وثيقة القاهرة» لتجديد الخطاب الديني في عصر الذكاء الاصطناعي

السبت، 24 يناير 2026 11:50 م
دستور أخلاقى.. المؤتمر الدولى للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يطلق «وثيقة القاهرة» لتجديد الخطاب الديني في عصر الذكاء الاصطناعي
منال القاضي

رؤساء المجالس والهيئات الإسلامية يتفقون على ضرورة إنقاذ الدين من أن يكون ساحة صراع أو جدل أو إساءة

 

في لحظة عالمية تتسارع فيها التحولات التقنية، ويعاد فيها تشكيل سوق العمل وأنماط الإنتاج والمهن، لم يعد السؤال المطروح هو: ماذا تفعل الآلة؟ بل: أين يقف الإنسان؟ وأي منظومة قيم يمكنها أن تضبط العلاقة بين الكفاءة التقنية والضمير الأخلاقي؟

من هذا المنطلق، جاء إطلاق «وثيقة القاهرة لتجديد الخطاب الديني وتعزيز قيم العمران والإحسان»، بوصفها محاولة فكرية وحضارية لإدماج قضايا العمل والمهن والإنتاج إدماجًا واعيًا في الخطاب الديني المعاصر، ونقله من دائرة الوعظ المجرد إلى فضاء الإسهام الحضاري الفاعل.

وأُطلقت الوثيقة خلال أعمال المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي عُقد بالقاهرة برعاية رئاسية، تحت عنوان: «المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، بمشاركة أكثر من 180 شخصية علمية وفكرية من أكثر من 50 دولة، وبمساهمة علمية تجاوزت 100 بحث متخصص.

ولم يكن اختيار عنوان المؤتمر ولا توقيته عابرًا، بل جاء استجابة مباشرة لتحولات عميقة يشهدها العالم، حيث بات الذكاء الاصطناعي عنصرًا حاسمًا في إعادة تعريف المهن، وطرح إشكاليات أخلاقية ومعرفية غير مسبوقة، تهدد بفصل التقنية عن القيم، والإنتاج عن المسؤولية.

«وثيقة القاهرة» وفلسفة العمران

وشهد المؤتمر إطلاق «وثيقة القاهرة في الإسلام وفلسفة العمران»، التي تنطلق من مجموعة مبادئ تؤسس لأخلاقيات المهن في الإسلام، وتعيد تأصيل العلاقة بين الإيمان والعمران في المناهج التعليمية، والبرامج الدعوية، والدورات التدريبية.

وترتكز الوثيقة على فكرة محورية مفادها أن الإيمان الحق هو المحرك الأول للبناء، وأن النهضة لا تقوم إلا على إنسان يجمع بين صفاء العقيدة، وحسن العمل، وعمارة الأرض وفق ميزان القيم والعدل، فالعمل، في الرؤية الإسلامية التي تطرحها الوثيقة، ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل عبادة إذا اقترن بالإتقان، والإنتاج رسالة اجتماعية، والعطاء مسؤولية جماعية تتجاوز الفرد إلى المجتمع.

وتولي الوثيقة اهتمامًا خاصًا بموقف الخطاب الديني من العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، داعية إلى تبني خطاب ديني إيجابي ومتوازن يبدد المخاوف غير المنهجية، ويقاوم الانغلاق، ويؤكد أن العلم أداة للتكريم الإنساني متى ضُبط بالقيم.

كما ترفض الوثيقة تصوير التقنية باعتبارها نقيضًا للأخلاق، مؤكدة أنها ميدان حقيقي لاختبارها، ومن هنا، شدد المؤتمر على ضرورة تشبيك الجهود الدولية للتوافق على ضوابط ومعايير أخلاقية جامعة تحكم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، بما يحقق العدالة، ويحفظ الخصوصية، ويصون القيم الإنسانية المشتركة، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الاستغلال.

 بعد بيئي ومسؤولية دولية

ولم يغفل المؤتمر الأبعاد البيئية المصاحبة للتطور التقني، حيث أوصى بتعزيز التعاون الدولي، حكوميًا وغير حكومي، لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، واحتواء الأثر الكربوني المتنامي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، في إطار يوازن بين الابتكار التقني، والمسؤولية البيئية، وحق الأجيال القادمة في مستقبل آمن وعادل.

وأكد وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري أن تجديد الخطاب الديني ليس منصبًا ولا تشريفًا ولا ادعاءً، بل فرض شرعي تفرضه طبيعة المرحلة، ويقوم على إزالة كل صور التطرف والإرهاب، وتقويم السلوكيات، وبناء الإنسان بناءً صحيحًا.

وشدد الأزهري على أن «وثيقة القاهرة» تمثل رؤية فكرية وحضارية شاملة، تنطلق من مقاصد الإسلام الكبرى، وتهدف إلى تقديم نموذج عملي يربط بين الدين والعمران ونفع الإنسان، كاشفًا عن عزم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية طرح الوثيقة للتوافق والتوقيع من العلماء المشاركين، ثم تعميمها على علماء العالم الإسلامي، ورفعها لاحقًا إلى المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة واليونسكو، باعتبارها رسالة حضارية باسم الأمة الإسلامية إلى البشرية.

الدولة والخطاب الديني: بناء الإنسان أولًا

وبالتوازي مع المؤتمر، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية اضطلاع العلماء بدورهم في مواجهة الأفكار المتطرفة والإرهابية، مع التركيز على أن هذه المواجهة يجب أن تمتد بقوة إلى فضاء الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأكد الرئيس أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا ببناء الإنسان، وهو ما جعل الدولة المصرية تتبنى الاستثمار في الإنسان نهجًا أساسيًا، لإعداد جيل واعٍ ومستنير، قادر على مواجهة تحديات العصر، والمساهمة في مسيرة البناء والتنمية، كما شدد على ضرورة إنقاذ الدين من أن يكون ساحة صراع أو جدل أو إساءة، أو أن تختطفه تيارات التطرف فتحوله إلى إرهاب وعنف وخراب.

وخلال استقباله الوزراء ومفتي الدول ورؤساء المجالس والهيئات الإسلامية، أكد الرئيس أن انعقاد المؤتمر في هذه اللحظة الفارقة يجسد جسرًا بين القيم الإسلامية الراسخة في العمل وآفاق المستقبل الرقمي، مشددًا على أن الإسلام دين حي، لا ينفصل عن واقع الحياة ولا عن تطورات العصر.

وشهد اللقاء حوارًا تفاعليًا ركز على إعلاء الفكر الوسطي، ومكافحة التطرف، والارتقاء بمكانة العالم الإسلامي، مع التأكيد على الدور الريادي لمصر والأزهر الشريف في العالمين العربي والإسلامي.

«وثيقة القاهرة» كدستور أخلاقي

بدوره، أوضح الدكتور أحمد نبوي مخلوف، الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الوثيقة تمثل «دستورًا أخلاقيًا» يهدف إلى الحفاظ على سلوكيات أصحاب المهن والحرف في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وحماية المجتمع من الانحراف الفكري أو الإلحاد.

وكشف عن إطلاق أكبر منصة إلكترونية دينية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل: ChatGPT و  Chatbot،  لتقديم إجابات واعية وصحيحة للمسلمين حول العالم، ونشر ثقافة الاعتدال، واستخدام أدوات العصر الحديثة في تفكيك خطاب التطرف.

وأكد الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، أن مستقبل المهن لا يُقاس فقط بسرعة الآلة ودقتها، بل بمدى حفاظ الإنسان على دوره المحوري في التوجيه والضبط وتحمل المسؤولية، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على «أنسنة المهن» في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يفتقر، رغم تطوره، إلى الضمير والرحمة والمسؤولية الأخلاقية.

وهو الطرح ذاته الذي أكده عدد من الوزراء والعلماء المشاركين، مشددين على أن المهنة في الإسلام أمانة ورسالة وعبادة، وأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة في يد الإنسان، لا وسيلة للهيمنة عليه أو إقصائه.

وشدد المشاركون على الدور المصري الثابت في القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مؤكدين أن الموقف المصري الحاسم مثّل سدًا منيعًا أمام محاولات تهجير الشعب الفلسطيني، في انسجام كامل مع الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي.

الخطاب الديني أمام اختبار حقيقي

في المحصلة، لا تقدم «وثيقة القاهرة» مجرد نص أخلاقي أو إعلان نوايا عابر، بل تضع الخطاب الديني أمام اختبار تاريخي حقيقي، يتجاوز حدود الصياغات النظرية إلى سؤال الفاعلية والتأثير. فالوثيقة، بما تحمله من مفاهيم حول العمران، وأخلاقيات المهن، وأنسنة العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، تحاول أن تعيد تعريف وظيفة الدين في المجال العام، لا باعتباره سلطة رمزية أو خطابًا تعبويًا، بل باعتباره إطارًا قيميًا منظمًا للعلاقة بين الإنسان والتقنية، وبين الإنتاج والمسؤولية، وبين التقدم والعدالة.

غير أن قوة الوثيقة لا تُقاس بثراء لغتها أو اتساع دائرة الموقعين عليها، بل بقدرتها على الانتقال من مستوى الرؤية إلى مستوى السياسة العامة. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد المؤتمرات والبيانات، حين تُطرح أسئلة التطبيق: هل ستُترجم هذه المبادئ إلى مناهج تعليمية تعيد الاعتبار لقيم العمل والإتقان؟ وهل تنعكس على برامج تدريبية تُؤهل الإنسان للتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لا بديلًا؟ وهل تجد طريقها إلى تشريعات مهنية تضبط استخدام التقنية، وتحمي الإنسان من التهميش أو الاستغلال؟

كما أن الوثيقة تضع المؤسسات الدينية نفسها أمام مسؤولية مضاعفة؛ فالتجديد الذي تتحدث عنه لا يمكن أن يتحقق بخطاب جديد فقط، بل يتطلب أدوات جديدة، ولغة مختلفة، وحضورًا فاعلًا في الفضاء الرقمي، حيث تُصنع اليوم عقول الأجيال وتُشكّل منظومات القيم. فإما أن يكون الخطاب الديني حاضرًا بوعي ومعرفة، أو يترك هذا المجال لقوى أخرى قد تفرغ التقنية من بعدها الإنساني.

وفي بعدٍ أوسع، تفتح «وثيقة القاهرة» نقاشًا حضاريًا يتجاوز الإطار الإسلامي، يتعلق بموقع القيم في عالم تحكمه الخوارزميات، وبإمكانية أن تساهم المرجعيات الدينية والثقافية في صياغة أخلاقيات عالمية للتكنولوجيا، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو السوق الخالص. وهنا، تتحول الوثيقة من شأن ديني داخلي إلى مساهمة فكرية في نقاش عالمي مفتوح.

ويبقى السؤال الجوهري معلقًا: هل تتحول «وثيقة القاهرة» إلى مسار ممتد يراكم أثرًا ويصنع تغييرًا؟ أم تظل شاهدًا على لحظة إدراك عميقة لم تُستكمل أدواتها التنفيذية؟ الإجابة لا تتعلق بالدين وحده، بل بمستقبل العلاقة بين الإنسان والعالم الذي يصنعه بيده.. وهو سؤال حضاري بامتياز.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة