مصر وبوصلة التهدئة وسط طبول الحرب بين واشنطن وطهران
الأربعاء، 28 يناير 2026 11:59 ص
طلال رسلان يكتب:
تتصاعد طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في إيقاع مقلق يعيد إلى الواجهة مشاهد الاستقطاب الحاد وحافة الانفجار المفتوح في إقليم لم يتعاف بعد من أزمات متراكمة وصراعات ممتدة فكلما ارتفعت نبرة التهديد وتقدمت لغة القوة خطوة تراجعت فرص الاستقرار واتسعت دوائر القلق في الشرق الأوسط بأسره.
المواجهة الأميركية الإيرانية لم تعد مجرد خلاف سياسي أو صراع نفوذ تقليدي بل باتت معادلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها ملفات النووي والأمن الإقليمي والممرات الاستراتيجية وحروب الوكالة وهو ما يجعل أي خطأ في الحسابات كفيلا بإشعال مواجهة واسعة لا رابح فيها وتدفع ثمنها شعوب المنطقة قبل غيرها.
في خضم هذا المشهد المشحون تبرز مصر كرقم صعب وبوصلة عقلانية تسعى إلى كبح الانزلاق نحو المجهول فالقاهرة تدرك بحكم خبرتها التاريخية وموقعها الجيوسياسي أن الحروب الكبرى تبدأ غالبا بسوء تقدير وأن إطفاء الشرارة قبل تحولها إلى حريق شامل هو الخيار الأكثر واقعية وحكمة.
التحرك المصري الأخير عبر قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وطهران يعكس فلسفة ثابتة في السياسة الخارجية المصرية تقوم على خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية ورفض منطق كسر العظام فمصر لا تنحاز إلى معسكر ضد آخر بقدر ما تنحاز إلى استقرار الإقليم وحماية شعوبه من كلفة الصدام.
البوصلة المصرية في هذا السياق تتحرك على أكثر من مسار مسار سياسي يركز على إعادة فتح قنوات الحوار وتدوير الزوايا الحادة ومسار أمني يهدف إلى منع تمدد التوتر إلى بؤر ملتهبة قائمة بالفعل ومسار إقليمي يسعى إلى تحصين دول الجوار من تداعيات أي مواجهة محتملة.
وتدرك القاهرة أن أي صدام أميركي إيراني لن يبقى محصورا بين طرفين بل ستتسع دائرته لتشمل الخليج وشرق المتوسط وملفات الطاقة والملاحة الدولية وهو ما يهدد مصالح دولية وإقليمية على السواء من هنا تأتي أهمية الدور المصري باعتباره صوت العقل القادر على مخاطبة الجميع بلغة متوازنة تحترم المخاوف وتبحث عن مخارج سياسية.
الرهان المصري لا يقوم على تسجيل مواقف إعلامية أو اصطفافات آنية بل على بناء مسار تهدئة مستدام يفتح الباب أمام تسويات أوسع سواء في الملف النووي أو في أزمات الإقليم المرتبطة به فالقاهرة تعلم أن الاتفاقات الهشة لا تصمد وأن الحلول الجزئية لا تعالج جذور الأزمات.
وسط ضجيج التهديدات وحشد الأساطيل تبدو الدبلوماسية المصرية وكأنها تعزف لحنا هادئا في ساحة صاخبة لكنه لحن ضروري لتذكير الجميع بأن البديل عن الحوار هو الفوضى وأن كلفة السلام مهما بدت عالية تظل أقل بكثير من كلفة الحرب.
هكذا تواصل مصر لعب دور صمام الأمان الإقليمي مستندة إلى ثقلها السياسي ورصيدها التاريخي وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف مؤكدة أن خفض التوتر ليس ضعفا بل شجاعة سياسية وأن إنقاذ المنطقة من دوامات الصراع هو المعركة الأهم في هذه المرحلة الدقيقة.