يوسف أيوب يكتب: المبادئ المصرية الرئيسية في أزمة السد الإثيوبى
السبت، 31 يناير 2026 11:01 م
القاهرة لا تقف ضد التنمية ولم تعرقل أية مشروعات سدود بدول حوض النيل طالما التزمت بقواعد القانون الدولى
إثيوبيا أخفت معلومات تفصيلية وافية عن سد النهضة وأمانه.. وتجاوزت قواعد الإخطار المسبق والتعاون مع دولتى المصب
الموقف المصرى من أزمة سد النهضة الإثيوبى، واحد لم يتغير، منذ أن طرقت القاهرة كل الأبواب الدبلوماسية والسياسية، للوصول إلى حل. وهذا الموقف قوامه الاساسى أن نهر النيل شريان الحياة للشعب المصري الذي يعيش في ندرة مائية حادة، وأن مصر تلتزم بثوابت واضحة تقوم على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل، وفق مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، مع الرفض التام للإجراءات الأحادية.
وفى الكتاب الأبيض الذى أصدرته وزارة الخارجية في 17 ديسمبر الماضى، تحت عنوان: "الاتزان الاستراتيجي؛ ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات"، والذى وصفته الخارجية بأنه "مرجعًا توثيقيًا وتحليليًا لمفهوم الاتزان الاستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية"، يمكن التعرف على كافة تفاصيل الموقف، بل والتحركات المصرية فيما يخص بالسد الإثيوبى، منذ بدابيته وحتى اللحظة الراهنة.
ولأهمية ما ورد في هذا الكتاب، خاصة وأن الرئيس الامريكى دونالد ترامب، طرح مجدداً تدخله كوسيط في هذه الأزمة، وقال إن "قضية السد أصبحت خطيرة" وأنه "سينظر فيما يمكن القيام به بشأنها"، فمن المهم إعادة توضيح الموقف والتحركات المصرية.
وفى 17 يناير 2026، بعث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، برسالة شكر وتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة "حماس" وإسرائيل، والوصول إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، وتقديره للدور المصري والعلاقات المتميزة بين البلدين، وجاء في الرسالة أيضاً قوله إنه "وفي إطار صداقتنا الشخصية، والتزام الولايات المتحدة بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فإنني مستعد لإعادة إطلاق الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل بشكل مسؤول إلى حل لمسألة "تقاسم مياه نهر النيل" مرة واحدة وإلى الأبد.. إنني وفريقي نتفهم الأهمية العميقة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، وأرغب في مساعدتكم على تحقيق نتيجة تضمن الاحتياجات المائية لمصر وجمهورية السودان وإثيوبيا على المدى الطويل".
وتابع الرئيس الأمريكي قائلا "وتؤكد الولايات المتحدة أنه لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر من طرف واحد على الموارد الثمينة لنهر النيل، وأن تضر بجيرانها في هذه العملية.. واعتقد أنه من خلال الخبرات الفنية المناسبة، والمفاوضات العادلة والشفافة، ودور قوي للولايات المتحدة في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم يخدم جميع دول حوض النيل، وسيضمن النهج الناجح إطلاق كميات مياه يمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الطويلة لصالح مصر والسودان، مع السماح لإثيوبيا بتوليد كميات كبيرة جدًا من الكهرباء، يمكن أن يُمنح بعضها، أو يُباع، لمصر و/أو السودان".
وأنهى ترامب رسالته بقوله: "أشكركم مرة أخرى على الصداقة والشراكة التي قدمتموها لي ولشعب الولايات المتحدة.. إن حل التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) يأتي على رأس أولوياتي، بينما أعمل من أجل تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا.. وآمل بشدة ألا يؤدي هذا النزاع المفهوم تمامًا بشأن سد النهضة (السد!) إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا.. شكرا لكم على اهتمامكم بهذا الأمر".
الكتاب يشير في البداية إلى أن مصر تعد الدولة الأفقر مائيًا بين كافة دول العالم، حيث تأتي على رأس قائمة الدول القاحلة، وتعد أقل دولة الإطلاق من حيث معدل هطول الأمطار "18 مم/ سنة"، مقارنة بإثيوبيا مثلاً " 868 مم/ سنة"، كما بلغ نصيب الفرد السنوي في مصر من المياه 515 متر مكعب سنوياً في عام 2023، أي ما يقرب من نصف معدل خط الفقر المائي المحدد عند 1000 متر مكعب سنويًا للفرد، وقد تفاقم هذا الوضع بسبب عامل الزيادة السكانية وتغير المناخ حتى باتت التقديرات تشير إلى أنه من المتوقع أن تنخفض هذه النسبة إلى ما دون ال 500 متر مكعب بنهاية عام 2025، لذلك، فإن اعتماد مصر على مياه النيل يعتبر اعتمادًا شبه مطلق، إذ تصل نسبته إلى 98 %، وتعد مصر ثاني دولة في العالم اعتمادًا على مصدر مائي يأتي من خارج حدودها، وتأتي 85 % من إيرادات مياه النيل لمصر من الهضبة الإثيوبية، أهمها من النيل الأزرق، لذلك فإن مسألة إنشاء أي سدود بشكل أحادي، وخاصة السدود ذات السعة التخزينية الكبيرة، دون الإخطار المسبق والتشاور بشأنها لتعظيم الاستفادة منها ودرء الأضرار، يشكل مصدر قلق بالغ بالنسبة لمصر.
من هنا تنطلق الرؤية المصرية، بأنها ليست معارضة لفكرة إنشاء سدود في المطلق، حيث توجد سدود منشأة بالفعل لا تشكل مصدر قلق بالنسبة لمصر في ظل احترامها للقواعد الدولية الواجبة مثل السدود الستة في السودان، وسدين في أوغندا، وثلاثة سدود في إثيوبيا منها سد "تيكيزي" المخصص لتوليد الطاقة الكهرومائية، كما طرحت مصر حلولاً فنية تتيح للجانب الإثيوبي لتوليد الكهرباء بأعلى كفاءة، وهو الهدف الإثيوبي المعلن لبناء السد، دون الإضرار بمصر، الا أن إثيوبيا استمرت في تعنتها والتصرف بشكل أحادي، وهو ما يثير الشكوك حول الدافع الحقيقي وراء إنشاء السد الإثيوبي.
ويشير الكتاب أيضاً إلى نقطة مهمة مرتبطة بالسد الإثيوبى، والمتعلقة بغياب معلومات تفصيلية وافية عن السد الإثيوبي وأمانه، مما يسبب قلقًا جديًا من مخاطر انهياره، وتأثير ذلك على دولتي المصب، حيث يتكون السد الإثيوبي من سدين: السد الرئيسي والسد الركامي، الذي ظهرت فيه شروخ عام 2022، وخاطبت مصر مجلس الأمن طالبةً من الجانب الإثيوبي تفسير أسباب ذلك وما تم اتخاذه من إجراءات لإصلاحه، إلا أن الجانب الإثيوبي لم يتجاوب، ومن أكبر المخاطر المتعلقة بأمان السد، مسألة وقوع السد في منطقة محفوفة بالمخاطر الجيولوجية والطبيعية تشهد زلازل كثيرة وتتعرض لسقوط أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة قد تؤدي إلى سقوط الجبال المحيطة به والإضرار بجسم السد لوقوعه في منطقة منخفضة.
ويركز الكتاب على الناحية القانونية، بقوله إن الإجراءات الإثيوبية تمثل تجاوزاً صارخاً لقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، وعلى رأسها عدم الإضرار، والإخطار المسبق والتعاون الذي يشمل إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومشاركتها مع الدول المعنية، لتحقيق أقصى استفادة من الموارد المائية والعمل على تنميتها وحمايتها من التلوث، بما يحقق الاستخدام الأمثل للنهر، إلا أن التحركات الإثيوبية لا تشير إلى أنها تستهدف تحقيق هذه الأهداف في مشروعاتها المائية الخاصة، كما أن هناك تاريخ موثق للأضرار التي تسببت فيها السدود الإثيوبية للدول المشتركة معها في الأنهار العابرة للحدود.
وأظهرت مصر حسن النية خلال سنوات التفاوض الثلاث عشرة، وقدمت العديد من البدائل والأطروحات الفنية للمحافظة على التوازن بين المصالح المائية المصرية، وفي ذات الوقت تلبية طموحات التنمية الإثيوبية، كما قدمت مقترحات فنية تعتمد على اتباع نهج الطريقة التعاونية والمتوائمة أثناء ملء وتشغيل السد مع اتخاذ التدابير اللازمة لمنع التسبب في ضرر، واتخاذ إجراءات فعالة للحد من آثار فترات الجفاف، ووضع قواعد محكمة تنظم التشغيل طويل الأمد للسد، وآلية مشتركة للتنبؤ والرصد.
وتبنت أثيوبيا في الفترة الأخيرة استراتيجية تهدف لتوسيع نطاق الخلاف حول مسألة السدود الإثيوبية ليضم الدول الأخرى في الحوض، وذلك من خلال إقحام ما يسمى باتفاق التعاون الإطاري المنقوص ومفوضيته المزعومة، والتي تضم إثيوبيا وخمس دول في حوض النيل "أوغندا – تنزانيا – بوروندي - رواندا - جنوب السودان"، والذي تم فتح الباب للتوقيع عليه في عام 2010 في عنتيبي - أوغندا بدون اكتمال التفاوض عليه، وهو اتفاق يأخذ في الاعتبار فقط مصالح دول المنبع. وهدف المسعى الإثيوبي إلى اعتبار هذا الاتفاق المنقوص الإطار القانوني المستقبلي للتعاون في حوض النيل، والذي ستنشئ إثيوبيا مشروعاتها المستقبلية بناء عليه.
ويقوم الموقف المصري، المستند إلى القواعد المستقرة للقانون الدولي، على أن هذا الاتفاق لا يمثل أي التزام على دول حوض النيل التي لم تنضم إليه، بما فيها مصر، كما أن المفوضية الناشئة عنه هي مفوضية جزئية لست دول فقط، ستنضم لمفوضيتين قائمتين "الهيئة الفنية الدائمة المشتركة بين مصر والسودان"، و"مفوضية بحيرة فيكتوريا"، وهو أمر يمكن أن يفضي لتزايد الانقسام بين دول الحوض. والحل لتجنب ذلك هو العودة للصيغة الأصلية التوافقية لمبادرة حوض النيل.
وقد أظهر الخطاب الذي وجهته إثيوبيا لمجلس الأمن الدولي بشأن السد الإثيوبي، رداً على خطاب مصر إلى مجلس الأمن في 1 سبتمبر 2024 اعتراضًا على الملء الخامس للسد، نية إثيوبيا في استغلال ذلك الاتفاق للترويج لسدودها المقبلة، حيث زعمت أن ما يسمى باتفاق التعاون الإطاري ومفوضية الست دول التي سينشئها هو الإطار المستقبلي للتفاوض حول السد الإثيوبي وأية سدود مستقبلية، وأصدرت الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان بيانًا في أكتوبر 2024 تدعو فيه دول حوض النيل إلى إعادة اللحمة لمبادرة حوض النيل، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها زيادة الانقسام بين دول المنابع ودول المصب، والأخذ بالتجارب الناجحة في هذا الإطار، بما في ذلك تجارب أفريقية رائدة مثل حوض نهر الزامبيزي والسنغال، والتي تضمن استمرارية التعاون واستدامة التنمية للجميع. واقتناعاً من مصر والسودان بأن استعادة مبادرة حوض النيل لشموليتها هو الطريق الأمثل للتوافق بين دول الحوض، نجحت مصر والسودان في إقناع مجلس وزراء مياه دول حوض النيل خلال اجتماعه في نوفمبر 2024 بكمبالا بتبني عملية تشاورية لمدة تسعة أشهر مع إمكانية مدها حسب الاقتضاء مع الدول غير المنضمة لما يسمى الاتفاق الإطاري، على أمل التوصل لنتيجة مقبولة للدول الأربع غير المنضمة ولدول الحوض الجنوبي، والاحتفاظ بمبادرة حوض النيل كإطار شمولي للتعاون بين كافة دول حوض النيل بعد تطوير قواعدها وإعادة لقاعدة التوافق المؤسسية.
من جانب آخر، تؤكد مصر باستمرار أنها لطالما دعمت التنمية في كافة دول حوض النيل، ولن تعرقل أية مشروعات سدود بدول حوض النيل الشقيقة طالما أنها التزمت بقواعد القانون الدولي، خاصة وأن مصر نفسها شاركت في إنشاء وتمويل عدد من المشروعات على مجرى نهر النيل مثل سد أوين في أوغندا، وسد جوليوس نيريري بتنزانيا، وتأكيداً للاهتمام المصري بتنمية دول حوض النيل، أعلنت مصر في 16 أكتوبر 2024 عن تدشين آلية استثمار جديدة في دول حوض النيل الجنوبي، بهدف تعزيز الاستثمار في المشروعات التنموية ومشروعات البنية الأساسية، بما في ذلك المشروعات المائية، على أن يتم ذلك وفقًا للقانون الدولي والمعايير الاقتصادية لتعزيز فرص نجاحها، وسوف تساهم الحكومة المصرية في هذه الآلية بمبلغ 100 مليون دولار، مع دعوتها للقطاع الخاص المصري ولشركاء التنمية للمشاركة فيها أيضاً، وتدرس الحكومة المصرية حالياً بالتعاون مع الأشقاء في دول حوض النيل كيفية استخدام هذه الآلية الجديدة لدعم مشروعات السدود في دول الحوض، وأعلنت مصر في نوفمبر ٢٠٢٤ مساهمتها في مشروع سد مبانكانا في دولة الكونجو الديمقراطية، وجاري دراسة دعم سد انجولولو مع دولتي أوغندا وكينيا، وكذا سد نشونجيزي الذي يقع بين رواندا وأوغندا وتنزانيا.
هذه هي المبادئ الحاكمة لمصر في تناولها لأزمة سد النهضة الإثيوبى، مبادئ لا تنظر فقط للمصالح والامن المائى المصرى، بل أيضاً حقوق إثيوبيا في التنمية.