الذكاء الاصطناعي خطر على الصحة
تحذيرات طبية من الاعتماد على التطبيقات في التشخيص الطبي.. ونقيب الأطباء: chatgpt أداة مساعدة وليست بديلاً عن الطبيب
الأحد، 01 فبراير 2026 12:14 م
أحمد سامي
"طبيبك في جيبك".. في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة تقنية غير مسبوقة في مختلف المجالات، ظهرت فكرة التطبيقات الطبية التي يمكن لأي شخص فتحها على هاتفه والحصول على تشخيص طبي ووصفة علاجية خلال دقائق، دون فحص سريري أو تاريخ مرضي مفصل، يبدو المشهد مثيرًا، وربما مغريًا لمن يسعى لتوفير الوقت أو المال، لكن الحقيقة أكثر خطورة مما يبدو.
وزارة الصحة أطلقت تحذيرات رسمية من الاعتماد على هذه الأدوات في التشخيص الطبي أو وصف العلاج، مؤكدة أن اللجوء إلى منصات رقمية غير معتمدة طبيًا قد يؤدي إلى أخطاء تشخيصية خطيرة وتداعيات صحية جسيمة، تهدد حياة المرضى في مختلف الأعمار.
تأتي هذه التحذيرات في وقت يشهد فيه الإقبال على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبية ارتفاعًا متسارعًا، حيث يسعى المواطنون إلى الاستفادة من الخدمات الرقمية لتوفير الوقت أو تقليل تكلفة الكشف الطبي، هذا الاتجاه فتح باب التساؤلات حول الحدود الدقيقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، والفارق بين كونه أداة مساعدة للتقنيات الطبية وبين تحوله إلى بديل غير آمن للممارسة الطبية التقليدية، التي تعتمد على الفحص السريري والخبرة الإنسانية.
وأكد الدكتور حسام عبد الغفار، مساعد وزير الصحة والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، أن الوزارة تتابع بقلق تزايد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات، مهما بدت متقدمة، لا يمكن أن تحل محل الطبيب في التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي، كما أوضح أن السبب الرئيس وراء هذا التحذير هو افتقار هذه الأدوات للقدرة على إجراء الفحص الإكلينيكي المباشر ولتفسير العلامات الحيوية والتاريخ المرضي بشكل متكامل، وهو ما يجعلها غير قادرة على تقييم الحالة الصحية بدقة، مضيفا أن الانسياق وراء "إغراء التشخيص الأرخص والأسرع" قد يكون محفوفًا بالمخاطر، خاصة في حالات الطوارئ أو الإصابات الحادة، حيث أن التدخل الطبي في الساعات الأولى غالبًا ما يكون الفاصل بين التعافي أو حدوث مضاعفات خطيرة.
وأشار عبد الغفار إلى أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة لتحليل البيانات يمكن أن تصيب وقد تخطئ، وقد تظهر أحيانًا ما يعرف بـ«الهلوسة الرقمية»، ما يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة أو توصيات دوائية خاطئة، وهو ما يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين. وأكد أن التكنولوجيا مهما بلغت دقتها، لا تستطيع قراءة الأعراض المتداخلة والمعقدة التي يدركها الطبيب من خلال خبرته وحدسه الإكلينيكي، مشددًا على ضرورة عدم الاستهانة بالقيمة الحقيقية للفحص الإكلينيكي التقليدي.
وشدد على أن محاولة توفير تكلفة الكشف أو تجنب زيارة المستشفى لا تعوض عن فقدان فرصة التدخل الطبي في التوقيت المناسب، داعيًا إلى وضع أطر قانونية وتنظيمية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي لضمان حماية المرضى والممارسين الصحيين على حد سواء.
نقيب الأطباء: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة وليست بديلًا
وحذر الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها منصة «شات جي بي تي»، في التشخيص الطبي أو وصف العلاج، موضحا أن اللجوء إلى هذه الأدوات في الشكاوى الصحية يشكل خطورة كبيرة على صحة المواطنين، معتبرًا أن التشخيص السليم يتطلب فحصًا إكلينيكيًا وخبرة لا يمكن لأي أداة رقمية تعويضها، وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة تكنولوجية مفيدة يمكن للطبيب الاستفادة منها لتطوير العمل الطبي وتحليل المعلومات، لكنها ليست بديلاً عن الطبيب المؤهل، الذي يمتلك القدرة على تفسير البيانات الطبية ضمن السياق الكامل للحالة الصحية لكل مريض، مضيفا أن التطور التكنولوجي يمكن أن يسهم في تحسين الأداء الطبي ورفع كفاءة المنظومة الصحية، لكنه لا يغني عن العنصر البشري، وأن أي اعتماد كامل على هذه التقنيات يشكل تهديدًا مباشرًا لصحة المواطنين.
وشدد نقيب الأطباء على أن التوجه نحو استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يقتصر على دعم القرار الطبي وليس استبداله، مؤكدًا أن الطبيب وحده قادر على تحديد خطة العلاج المناسبة بعد إجراء الفحص المباشر وسماع التاريخ المرضي وطرح الأسئلة المتخصصة، موضحاً أن مصر تواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بالكوادر الطبية، بما في ذلك ظاهرة هجرة الأطباء ونقص الكوادر المؤهلة في المستشفيات العامة والخاصة، لافتاً إلى أن تحسين الرواتب ورفع كفاءة منظومة التدريب والتعليم يمثلان عناصر أساسية للحفاظ على الكوادر الطبية، خصوصًا أن مصر تخرج نحو 12 ألف طبيب سنويًا، بينما لا تتوافر إمكانيات الدراسات العليا إلا لنحو 6 آلاف فقط، ما يشكل تحديًا أمام تطوير المنظومة الصحية.
ودعا نقيب الأطباء إلى إلزام الجامعات الخاصة بإنشاء مستشفيات جامعية لتدريب الطلاب عمليًا منذ سنوات الدراسة الأولى، لضمان اكتساب المهارات الإكلينيكية اللازمة، وتطوير قدرة الطلاب على التعامل مع الحالات الطبية المعقدة بعد تخرجهم، وأكد أن هذا النهج يضمن إعداد جيل جديد من الأطباء القادرين على التعامل مع التحديات المستقبلية، ويعزز من جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين، موضحاً أن التطورات التقنية الحديثة يمكن أن تسهم في رفع كفاءة العمل الطبي إذا تم استخدامها بالشكل الصحيح، لكنها لا تغني عن التدريب العملي والخبرة البشرية، موضحًا أن المنظومة الصحية بحاجة إلى توازن بين التكنولوجيا والعنصر البشري لضمان تقديم خدمات صحية آمنة وفعالة.
خبراء: التجربة محدودة والمخاطر قائمة
وأكد الدكتور محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص لا يزال ضمن نطاق التجارب المحدودة على المستوى العالمي، ولم يعتمد بعد كبديل كامل للتشخيص الطبي البشري في أي دولة، موضحا أن الخطورة الحقيقية تكمن في طبيعة الفضاء الرقمي، الذي يضم مواقع مجهولة وأخرى مزيفة تقدم معلومات طبية غير موثقة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للمرضى، مشيراً إلى أن أي اعتماد جاد على الذكاء الاصطناعي يتطلب وضع إرشادات واضحة وأطر قانونية دقيقة من قبل وزارة الصحة، مع مراعاة البنية التحتية الصحية والكوادر المؤهلة. وأكد أن الظروف الحالية لا تسمح بالاعتماد على هذه التقنيات في التشخيص الطبي، وأن التركيز يجب أن يكون على تطوير المهارات الطبية البشرية والبنية التحتية الصحية أولاً.
وأوضح فؤاد أن الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي يجب أن يبقى أداة مساعدة وليست بديلاً عن الطبيب، فالتقنيات الرقمية يمكن أن تدعم التحليل وتسهيل بعض الإجراءات، لكنها غير قادرة على إجراء الفحص السريري أو التعامل مع التعقيدات الخاصة بكل حالة، كما أن أي اعتماد كامل على الذكاء الاصطناعي يشكل خطرًا على حياة المرضى، ويجب أن يصاحبه وضع أطر قانونية واضحة، وتطوير البنية التحتية، وتأهيل كوادر طبية مدربة بشكل كافٍ، وشدد على أن دمج التكنولوجيا مع الخبرة البشرية هو الطريق الأمثل لتطوير المنظومة الصحية، مع ضرورة رفع كفاءة التدريب الطبي ومواجهة تحديات نقص الكوادر. ويظل العنصر البشري هو الضامن الأساسي لجودة التشخيص وسلامة العلاج، فيما يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورًا داعمًا فقط، دون أن تحل محل الخبرة الطبية.
كل هذه التحذيرات تؤكد أن الرعاية الصحية الرقمية، رغم فوائدها المحتملة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الطبيب، وأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده في التشخيص أو العلاج يشكل خطورة كبيرة على صحة المواطنين، مما يستدعي الحذر والتوجيهات القانونية الدقيقة قبل أي خطوة في هذا الاتجاه.