أعاد مقتل سيف الإسلام القذافي فتح واحد من أعقد ملفات المشهد الليبي وهو ملف الفراغ السياسي المرتبط بغياب الرموز الجدلية التي شكّلت لسنوات عنصر توازن هش بين قوى متصارعة.
فالاغتيال لم يكن مجرد حدث أمني عابر بل حمل رسائل عميقة إلى مختلف الفاعلين في ليبيا مفادها أن الصراع لم يعد محكوما فقط بصناديق السياسة أو مسارات التفاوض بل بات عرضة لإعادة تشكيل قسرية عبر أدوات العنف.
هذا الغياب المفاجئ يطرح سؤالا جوهريا حول آليات ملء الفراغ هل ستتجه القوى المتنافسة إلى البحث عن شرعية مؤسسية جديدة أم أن السلاح سيبقى الأداة الأسرع لفرض النفوذ في ظل هشاشة الدولة وتعدد مراكز القوة.
قبل الاغتيال كان سيف الإسلام يمثل حالة سياسية خاصة لا تنتمي كليا إلى الشرق ولا الغرب ولا تذوب في الكيانات القائمة بل تستند إلى رمزية تاريخية وشبكات اجتماعية وقبلية ممتدة. ومع غيابه انتهى فعليا هذا المسار الشخصي تاركا فراغا لا تمتلك أي جهة قائمة القدرة الكاملة على وراثته.
القوى السياسية القائمة تبدو أمام خيارين متناقضين الأول محاولة استيعاب هذا الفراغ عبر ترتيبات سياسية جديدة تضمن إعادة توزيع الأدوار داخل المشهد والثاني استغلاله لتصفية حسابات مؤجلة عبر توسيع النفوذ الميداني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
خبراء يرون أن الاحتمال الثاني هو الأقرب في المدى القصير في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وغياب توافق وطني جامع قادر على ضبط الإيقاع السياسي ومنع الانزلاق نحو منطق الغلبة.
الفصائل المسلحة كانت من أكثر الأطراف ترقبا لتداعيات الاغتيال فبعضها رأى في غياب سيف الإسلام فرصة لإعادة ترتيب خرائط السيطرة خاصة في المناطق التي كانت تشهد توازنا حساسا بين الولاءات.
في المقابل فضلت مجموعات أخرى الترقب خشية أن يؤدي التصعيد إلى تدخلات خارجية أو صدامات مفتوحة لا يمكن التحكم في مآلاتها. هذا التباين يعكس حالة السيولة الأمنية التي تجعل أي حدث كبير قابلا لأن يتحول إلى شرارة نزاع واسع إذا لم يتم احتواؤه سياسيا.
ويحذر متابعون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل مؤسسي قد يؤدي إلى موجة اغتيالات أو تصفيات متبادلة تستهدف رموزا أخرى تحت ذريعة إعادة التوازن أو الردع.
على المستوى الاجتماعي كان للاغتيال أثر بالغ خاصة داخل الأوساط التي رأت في سيف الإسلام ممثلا لحقبة أو خيار سياسي لم يُتح له الاكتمال. هذه الشرائح تشعر اليوم بأنها مستبعدة مرة أخرى من معادلة القرار ما قد يدفع بعضها إلى البحث عن أدوات ضغط خارج الإطار السياسي التقليدي.
القبيلة في ليبيا لا تزال فاعلا مؤثرا لا يمكن تجاوزه ومع غياب شخصية جامعة يمكن أن تتحول الانقسامات القبلية إلى مصدر توتر إضافي خاصة إذا استُخدمت في الصراع على النفوذ المحلي أو الموارد.
ويرى مراقبون أن تجاهل هذا البعد الاجتماعي يمثل خطرا حقيقيا على أي محاولة لإعادة الاستقرار لأن الفراغ السياسي غالبا ما يُملأ بمشاعر الغبن قبل أن يُملأ بالمشاريع.
لم تقتصر تداعيات الاغتيال على السياسة والأمن بل امتدت إلى الاقتصاد والخدمات. حالة عدم اليقين التي أعقبت الحادث دفعت بعض المستثمرين المحليين إلى تجميد أنشطتهم بينما زادت مخاوف المستثمرين الأجانب من الدخول في سوق تعاني أصلا من اضطرابات متكررة.
كما تأثرت سلاسل التوريد والتصدير في بعض المناطق نتيجة التوترات الأمنية المؤقتة وتراجعت حركة النقل والخدمات ما انعكس سلبا على حياة المواطنين اليومية.
قطاع السياحة الذي يعاني منذ سنوات من عدم الاستقرار تلقى ضربة جديدة مع تجدد المخاوف الأمنية بينما تزايدت الهجرة غير النظامية مستغلة حالة السيولة السياسية وغياب الرقابة الفعالة.
الاغتيال بعث برسائل واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن ليبيا لا تزال ساحة مفتوحة للصراع غير المباشر وأن أي تسوية لا تأخذ في الحسبان موازين القوة الحقيقية على الأرض ستظل هشة.
سياسيون يرون أن بعض القوى الخارجية قد تعيد تقييم رهاناتها داخل ليبيا على ضوء هذا التطور سواء عبر دعم مسارات سياسية جديدة أو عبر تعزيز حضورها الأمني بشكل غير مباشر.
في ضوء هذه المعطيات يبدو أن ليبيا دخلت مرحلة إعادة تشكيل توازنات دقيقة حيث يمكن للفراغ السياسي أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء المسار الوطني أو إلى مدخل لفوضى أعمق.
خبراء وسياسيون أكدوا أن احتواء هذا الفراغ يتطلب تحركا عاجلا على ثلاثة مسارات متوازية الأول تعزيز دور المؤسسات الرسمية ومنحها غطاء سياسيا وأمنيا واضحا الثاني إطلاق حوار اجتماعي حقيقي يستوعب الشرائح المتأثرة ويمنع انزلاقها نحو العنف والثالث ضبط دور الفصائل المسلحة عبر ترتيبات مرحلية تمنع فرض الأمر الواقع.
من دون هذه الخطوات سيظل الفراغ مفتوحا على احتمالات خطيرة وقد يتحول الاغتيال من حدث صادم إلى نقطة بداية لمرحلة أكثر تعقيدا في تاريخ الأزمة الليبية.