دينا الحسيني تكتب: من «ثقة الشارع» إلى «الإشادة الدولية».. هكذا حصنت «الداخلية» جبهة مصر وصاغت نموذجًا إنسانياً للأمن

الأحد، 08 فبراير 2026 11:42 م
دينا الحسيني تكتب: من «ثقة الشارع» إلى «الإشادة الدولية».. هكذا حصنت «الداخلية» جبهة مصر وصاغت نموذجًا إنسانياً للأمن
جولة سابقة لوزير الداخلية - أرشيفية

يظل ملف وزارة الداخلية نموذجاً ملهماً في مسار بناء الدولة المصرية الحديثة، ليس فقط كونه أحد أكثر الملفات التي شهدت تراكمًا هادئًا واحترافيًا في الأداء منذ عام 2018 وحتى اليوم، بل باعتباره ركيزة صلبة في مواجهة مرحلة إقليمية اتسمت بالاضطراب، وحروب المعلومات، ومحاولات تفكيك الدول من الداخل.

فعلى مدار هذه السنوات، لم تكن وزارة الداخلية تخوض مجرد معركة تقليدية لإنفاذ القانون، بل كانت بصدد إعادة تعريف دور المؤسسة الأمنية، وصياغة ما يشبه «عقدًا اجتماعيًا» جديدًا بين المواطن ورجل الشرطة، في مواجهة مركبة لم تقتصر على الإرهاب، بل امتدت إلى الفوضى، والشائعات، ومحاولات كسر الثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة.

اللافت في هذه المرحلة أن الوزارة، تحت قيادة اللواء محمود توفيق، اختارت العمل بعيدًا عن الأضواء، لم تُكثر من التصريحات، ولم تنخرط في سجالات، لكنها اعتمدت استراتيجية «الأمن الهادئ» أو «النفس الطويل»، وهي مقاربة استبدلت الضجيج بالنتائج، وانعكست تدريجيًا على الشارع في صورة استقرار أمني ملموس، وتراجع واضح في العمليات الإرهابية، وعودة الهدوء إلى مناطق كانت قبل سنوات مسرحًا للتوتر.

وخلال هذه المرحلة، لم تقتصر المواجهة على الضربات الأمنية المباشرة، بل امتدت إلى تفكيك البنية التنظيمية والمالية للتنظيمات المتطرفة، و ضبط كيانات وأموال مرتبطة بهذه التنظيمات تُقدر بنحو 2.9 مليار جنيه، إلى جانب إحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية.

هذا التطور في الأداء لم ينفصل عن إدراك مبكر لطبيعة التهديدات الحديثة، وعلى رأسها حروب الجيل الرابع والخامس، حيث لم تعد المعركة تُدار بالسلاح فقط، بل بالمعلومة، ومن هنا، أعيد بناء منظومة الإعلام والعلاقات داخل وزارة الداخلية، لتتحول إلى غرفة عمليات رقمية ترصد الشائعات لحظة بلحظة، وتفند الأكاذيب، وتطرح الرواية الصحيحة في توقيت قياسي.

ولم يكن تصنيف مؤسسة «Emplifi» العالمية للصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في المركز الثاني عالميًا بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً  بعد البيت الأبيض مباشرة  مجرد إنجاز رقمي عابر، بل شهادة مهنية على نجاح «الإعلام الأمني» كحائط صد للوعي الجمعي، أكثر من 24 مليون تفاعل خلال ثلاثة أشهر عكست حجم الثقة التي استعادتْها الوزارة مع المواطن، بعدما تحولت الصفحة إلى منصة تواصل يومية لا تكتفي بالبيانات، بل تتفاعل وتوضح وترد.

الاحترافية الأمنية لم تتوقف عند الفضاء الرقمي، بل تجلت بوضوح خلال الاستحقاقات الدستورية، وعلى رأسها انتخابات مجلسي النواب وسبقها الشيوخ، هنا، لم يقتصر دور وزارة الداخلية على تأمين مقار اللجان، بل لعبت دور «الضامن القانوني» لنزاهة العملية الانتخابية، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بحماية إرادة الناخب وعدم المساس بصوته.

وخاضت الوزارة مواجهة مباشرة مع ظاهرة المال السياسي، حيث جرى ضبط محاولات شراء الأصوات في عدد اللجان بالدوائر الإنتخابية، وإحالة المتورطين إلى النيابة العامة، في رسالة حاسمة بأن إرادة المصريين ليست محل مساومة، وأن الأمن شريك في ترسيخ الديمقراطية لا أداة للهيمنة عليها.

هذا الأداء المتوازن بين الحسم والانضباط لم يغب عن الرصد الدولي، فحين زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدينة شرم الشيخ، جاءت تصريحاته عن مصر بوصفها «دولة قوية، منظمة، وآمنة» بمثابة شهادة ثقة مباشرة نسفت كثيرًا من الروايات التي تروجها منظمات وصحف مشبوهة في الخارج، وأكدت أن صورة مصر الأمنية تُبنى على الواقع لا على التقارير المفبركة.

على صعيد موازٍ، خاضت وزارة الداخلية مواجهة واسعة مع الجريمة المنظمة، خصوصًا في ملفات المخدرات وغسل الأموال، وأسفرت هذه الجهود عن ضبط كميات ضخمة من المواد المخدرة، من بينها مخدرات تخليقية تجاوزت قيمتها 27 مليار جنيه، إلى جانب قضايا غسل أموال تخطت 19 مليار جنيه، في إطار حماية الأمن المجتمعي والاقتصاد الوطني من أخطر أشكال الاستنزاف الخفي.

وفي ملف المرور، الذي يمس حياة المواطنين بشكل مباشر، اتجهت الوزارة إلى الجمع بين الردع والتكنولوجيا، فجرى التوسع في منظومات المرور الذكية، وتشديد الرقابة على الطرق السريعة، وضبط أكثر من 18 مليون مخالفة، خاصة المتعلقة بالسرعة وتعاطي المخدرات بين السائقين، في محاولة جادة للحد من نزيف الطرق، بعيدًا عن الحلول الشكلية أو الموسمية.

أما التحول الأعمق، فكان في ملف الحماية المجتمعية، حيث انتقلت الدولة من مفهوم «العقاب» إلى مفهوم الإصلاح والتأهيل ، تبدلت الصورة النمطية القديمة لصالح منظومة تراعي كرامة الإنسان، تعتمد على التصنيف الدقيق للنزلاء، وتوفر رعاية صحية متقدمة، وبرامج تعليمية ومهنية، مكّنت نحو 10 آلاف نزيل من استكمال تعليمهم الجامعي، وآلاف آخرين من محو الأمية، في تجربة حظيت بإشادات دولية، واعتمدتها الأمم المتحدة كنموذج تدريبي في ملف حقوق الإنسان.

بلغة الأرقام لا الشعارات نجحت وزارة الداخلية في خفض معدلات الجريمة بنسبة 14.4%، ضربات قاصمة لمنابع تمويل الإرهاب، وإحباط محاولات إغراق البلاد بالمخدرات، وهي مؤشرات تعكس قدرة الدولة على استباق المخاطر قبل وقوعها، لا الاكتفاء بإدارتها بعد حدوثها.

بهذا المسار، يمكن قراءة ما تحقق داخل وزارة الداخلية منذ عام 2018 باعتباره تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الأمن، قائمًا على العمل المؤسسي الرصين، والتوازن بين القبضة الحاسمة والبعد الإنساني، وبناء الثقة كأحد أدوات الاستقرار.

في زمن تُستهدف فيه الدول من الداخل قبل الخارج، نجحت وزارة الداخلية في تثبيت دعائم الجبهة الداخلية، ليبقى الأمن واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في الشارع، لا شعارًا يُرفع في المناسبات.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة