ثورة تصحيح داخل الفصول.. وزير التعليم يرفع سن الإلزام ويغلق ملف العجز ويعيد رسم خريطة المدارس

الجمعة، 13 فبراير 2026 06:41 م
ثورة تصحيح داخل الفصول.. وزير التعليم يرفع سن الإلزام ويغلق ملف العجز ويعيد رسم خريطة المدارس
طلال رسلان

لم يكن اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب مجرد عرض تقليدي لأرقام الموازنة أو بيانات إنفاق، بل بدا أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في مسار إصلاح التعليم قبل الجامعي.
 
فالتصريحات التي أدلى بها وزير التربية والتعليم حملت إشارات واضحة إلى أن الوزارة تتحرك في أكثر من اتجاه متوازٍ: تشريعي، إداري، رقمي، وهيكلي، في محاولة لإعادة تعريف دور المدرسة المصرية خلال السنوات المقبلة.
 
الخبر الأبرز تمثل في دراسة إعداد تشريع لزيادة عدد سنوات التعليم الإلزامي إلى 13 عامًا، بإدخال مرحلة رياض الأطفال ضمن سنوات الإلزام، ليصبح سن بدء التعليم الإجباري خمس سنوات بدلًا من ست.
 
هذا الطرح لا يمكن قراءته بمعزل عن فلسفة أوسع ترى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ مبكرًا. فإدماج رياض الأطفال في الإلزام يعني الاعتراف الرسمي بأن السنوات الأولى ليست تمهيدًا، بل أساسًا تكوينيًا للمهارات المعرفية والسلوكية.
 
لكن الوزير لم يتحدث عن تطبيق فوري، بل أشار إلى فترة انتقالية تمتد لعامين أو ثلاثة، تسمح باستيعاب دفعتين دراسيتين دون إرباك المنظومة. هذه الإشارة تكشف إدراكًا لحساسية القرار؛ فزيادة سنة إلزامية تعني احتياجًا إلى فصول إضافية، ومعلمين، ومخصصات مالية، وإعادة ضبط للهرم التعليمي بالكامل.
 
من زاوية تحليلية، فإن نجاح هذا التوجه مرهون بمدى قدرة الدولة على التوسع المنضبط في البنية التحتية، حتى لا يتحول القرار من إصلاح نوعي إلى ضغط كمي على المدارس.
 
إعلان الوزير عدم وجود عجز في معلمي المواد الأساسية على مستوى الجمهورية يمثل تحولًا لافتًا، خاصة أن ملف العجز ظل لسنوات عنوانًا دائمًا لأزمات التعليم.
المعالجة – بحسب ما طُرح – تمت عبر إجراءات فنية وتنظيمية أعادت توزيع الموارد البشرية، ورفعت كفاءة الاستفادة من المعلمين المتاحين.
 
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سد العجز العددي، بل في ضمان جودة الأداء داخل الفصل. فمرحلة ما بعد سد العجز تتطلب تطويرًا مستمرًا للتدريب، وتقييمًا دوريًا للأداء، وربطًا واضحًا بين الكفاءة المهنية وتحسين نواتج التعلم.
 
التحول الأكثر دلالة جاء في أرقام الحضور المدرسي. فبعد أن كانت نسب الحضور في بعض مدارس التعليم الحكومي تتراوح بين 9% و15%، قفزت إلى نحو 90% وفق ما عرضه الوزير.
 
هذا التغير يعكس تحولا في علاقة الطالب بالمدرسة. فعزوف السنوات السابقة كان مرتبطًا باتجاه واسع نحو التعليم الموازي خارج المدرسة. ومع انتظام الحضور، تتراجع تدريجيًا ظاهرة الاعتماد الكامل على مصادر بديلة.
 
تحليليًا، فإن استعادة المدرسة لدورها تمثل حجر الزاوية لأي إصلاح تعليمي. فلا يمكن تطوير مناهج أو إدخال تكنولوجيا أو تطبيق تقييمات عادلة في ظل مدرسة شبه خالية من طلابها.
 
أحد المحاور الاستراتيجية التي طُرحت بقوة يتعلق بتحويل التعليم الفني إلى تعليم فني دولي. التعاون مع إيطاليا لتطوير 103 مدارس فنية، والتفاوض مع إنجلترا لإنشاء 100 مدرسة جديدة، إلى جانب شراكات مع ألمانيا، يعكس توجهًا نحو ربط الشهادة الفنية بمعايير عالمية.
 
التحول هنا لا يقتصر على تغيير الاسم أو الشعار، بل يمتد إلى إدخال شهادات دولية معتمدة، وربط المدارس بمؤسسات صناعية حقيقية، بحيث يصبح الخريج جاهزًا لسوق العمل المحلي والعالمي.
 
إذا ما تم تنفيذ هذه الرؤية بكفاءة، فإنها قد تعيد الاعتبار للتعليم الفني، وتفك ارتباطه التاريخي بصورة اجتماعية نمطية، وتحوله إلى مسار مهني جاذب.
 
 
إدخال مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي بالتعاون مع اليابان، وترجمة منصة تعليمية يابانية بالكامل إلى العربية، يمثل خطوة نوعية في تحديث المحتوى التعليمي.
 
أداء نحو 750 ألف طالب للاختبار عبر المنصة خلال فترة قصيرة يشير إلى قابلية المنظومة للتوسع الرقمي. كما أن منح شهادة معتمدة من جامعة يابانية لطلاب الصف الأول الثانوي يعكس ربطًا مبكرًا بين التعليم قبل الجامعي والاعتراف الأكاديمي الدولي.
 
لكن التحدي هنا يتمثل في ضمان استدامة البنية التكنولوجية، وتدريب المعلمين على استخدام هذه الأدوات بكفاءة، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى عبء إداري إضافي بدلًا من كونها رافعة تعليمية.
 
 
انخفاض كثافات الفصول إلى أقل من 50 طالبًا، وفق ما أُعلن، يمثل تحسنًا نسبيًا مقارنة بسنوات سابقة. كما أن خطة إنهاء الفترات المسائية في المرحلة الابتدائية بحلول 2027 تكشف عن توجه واضح لإعادة تنظيم اليوم الدراسي.
 
المرحلة الابتدائية، كما شدد الوزير، هي الأساس في بناء شخصية الطالب، وبالتالي فإن إنهاء الفترات المسائية لا يعد مجرد قرار إداري، بل استثمارًا في جودة التعلم المبكر.
 
تحقيق هذا الهدف يتطلب تسارعًا في بناء الفصول الجديدة، وصيانة القائم منها، وتوزيعًا عادلًا للطلاب، وهي عملية معقدة تتداخل فيها الجوانب المالية والهندسية والإدارية.
 
 
إعادة هيكلة نظام الثانوية العامة، عبر تقليل عدد المواد وإتاحة فرص امتحانية متعددة ضمن نظام “البكالوريا المصرية”، تعكس محاولة لتخفيف الضغط النفسي عن الطلاب، وقياس قدراتهم بصورة أكثر شمولية.
 
المقارنة بالأنظمة الدولية التي تعتمد عددًا أقل من المواد كانت دافعًا لإعادة النظر في النظام التقليدي. وإذا ما تم تطبيق النظام الجديد بكفاءة، فقد يحقق قدرًا أكبر من العدالة وتكافؤ الفرص.
 
ما طُرح في الاجتماع يعكس رؤية طموحة لإعادة بناء المنظومة التعليمية على أسس جديدة: توسع في الإلزام، ضبط للمدرسة، تحديث للمناهج، رقمنة للتعليم، تدويل للتعليم الفني، وإصلاح لهيكل الثانوية العامة.
 
لكن نجاح هذه الرؤية يتوقف على عنصرين حاسمين: الاستدامة المالية، والمتابعة التنفيذية الدقيقة. فالإصلاح التعليمي لا يقاس فقط بالإعلانات الكبرى، بل بمدى انعكاسه الفعلي داخل الفصل الدراسي، وفي سلوك الطالب، وكفاءة المعلم، وجودة المخرجات.
 
تبدو الوزارة وكأنها تحاول الانتقال من مرحلة معالجة الأزمات المزمنة إلى مرحلة إعادة هندسة المنظومة. والسؤال الذي ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة هو: هل تتحول هذه الخطوات إلى تحول هيكلي دائم، أم تبقى في إطار الطموح المرحلي؟

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة