يوسف أيوب يكتب: 4 لاءات تحدد خطوط مصر الحمراء

السبت، 14 فبراير 2026 06:59 م
يوسف أيوب يكتب: 4 لاءات تحدد خطوط مصر الحمراء

 

لا.. لتقسيم دول المنطقة أو اقتطاع أجزاء من أراضيها

لا.. لإنشاء ميليشيات وكيانات موازية للمؤسسات الوطنية

لا.. لأية إملاءات خارجية أو محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية

لا.. للحلول العسكرية ونعم لاحتواء حدة التوتر بالتسوية السياسية

 

جغرافياً، تعيش مصر وسط اقليم مشتعل من كافة أطرافه وجوانبه، وعلى جميع الاتجاهات الاستراتيجية للأمن القومي المصري، بحيث أصبحت جميع حدودنا البرية متماسة بشكل مباشر مع أزمات مشتعلة تهدد كل دول جوار مصر المباشر.

تاريخيا، ترتبط مصر بعلاقات وثيقة ومتينة مع كل الدول العربية، ومع دول الجوار العربى، خاصة تركيا وإيران، وهذه العلاقات مبنية على أسس راسخة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

من هنا، وجدت الدولة المصرية نفسها في مكانة شديدة الصعوبة، مطلوب منها أن تدير علاقاتها بتوازن مع الجميع، وفى الوقت نفسه الحفاظ على أمن واستقرار الأقليم، والتصدى لكل محاولات زعزعة امنه، والأهم من ذلك أن تحافظ على أمن الدولة المصرية، التي كانت قبل سنوات عرضة لتحولات وتغيرات دراماتيكية، نتيجة أحداث داخلية، أثرت سلباً على نطاق التحرك المصرى وسط أقليمها.

ولكى تحافظ الدولة المصرية على هذا الخط الرفيع في علاقاتها الأقليمية، تبنت سياسة تعتمد مبادئ أساسية، وهي: التمسك بالحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض أي فراغ سياسي يفضي لأن تحل محل هذه المؤسسات ميليشيات أو تنظيمات ذات طابع ديني أو مذهبي أو جهوي، والإصرار على الحل السياسي للأزمات في المنطقة، مع ضمان الملكية الوطنية للحلول السياسية ورفض أي إملاءات خارجية أو محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وفرض حلول عليها لا تتسق مع مصالحها الوطنية، أو تتجاهل دور المؤسسات الوطنية وتسعي لتوجيه التسويات السياسية لخدمة مصالح لأطراف بعينها، خصمًا من المصلحة الوطنية الجامعة لشعوب دول الجوار.

والحقيقة أن مصر تعاملت طيلة السنوات الماضية، وتحديداً بعد 2014 مع الأزمات المفتوحة، والمتجددة والمستمرة في كل دول الجوار، عملاً بمبدأ إستعادة الاستقرار عبر الدفاع عن، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية في حالات السودان وليبيا، أو عبر تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق حقه المشروع وغير القابل للتصرف في إقامة دولته الوطنية، هو الشرط الضروري لتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية للسلم والأمن الدوليين، ومن ثم طي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ المنطقة، وتوفير الظروف المواتية لتلبية التطلعات المشروعة لشعوب المنطقة في السلام والأمن والرخاء، كما وضعت مصر نصب أعينها هدفين أساسيين، الأول، مساعدة الدول العربية التي مرت بأزمات داخلية، سياسية وأمنية واقتصادية حادة، على استعادة استقرارها، ودعم جهود الدول العربية الأخرى للحفاظ على استقرارها وعدم امتداد مخاطر عدم الاستقرار وما يرتبط بها من فراغ أمني وتحديات إرهابية إليها.

والثانى، تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول العربية ليتكامل مع جهود التنمية الوطنية التي أطلقتها مصر منذ 2014.

والملاحظ أن القيادة المصرية لم تبادر مطلقاً لافتعال مشكلة أو أزمة مع أيا من الاشقاء العرب، او الدول الأقليمية المرتبطة بالأمن القومى العربى، بل حرصت على إعادة التوازن مع هذه الدول، وإنهاء إى خلاف منطلقة من المصلحة الوطنية، ودون المساس بحقوق مصر.

وفى الاحتفال بالعيد الـ74 للشرطة المصرية في يناير الماضى، تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى، عما يمكن وصفه بالمبادئ الحاكمة والاستراتيجية الوطنية التي تسير عليها الدولة، بقوله: تواصل مصر أداء دورها الإقليمى والدولى التاريخى، ثابتة على مبادئها الراسخة برفض العنف، والدعوة إلى السلام، والتمسك بسياسة البناء والرخاء، ورفض الاستيلاء على مقدرات الآخرين.

كما قال الرئيس السيسي: "وفي السياق ذاته وانطلاقاً مما تشهده بعض الدول من محاولات باتت نمطاً متكرراً، تؤكد مصر رفضها القاطع والحاسم لأي مساعٍ تستهدف تقسيم دول المنطقة أو اقتطاع أجزاء من أراضيها أو إنشاء ميليشيات وكيانات موازية للجيوش والمؤسسات الوطنية الشرعية"، مؤكداص على أن مصر تعتبر هذه الممارسات في دول جوارها خطاً أحمر، لن تسمح بتجاوزه لمساسه المباشر بأمن مصر القومي.

كما أكد الرئيس السيسى أن مؤسسات الدولة هي عنصر استقرار وأمن للدولة، فالميليشيات لا تحمي دول، والدول التي تصورت أن إنشاء الميليشيات يمكن أن يكون لها دور في حماية الأنظمة، تحولت تلك الميليشيات إلى اداة لتدمير الدول، ومن فعلوا ذلك رحلوا، وأن الله سبحانه وتعالى هو من حفظ هذه الدولة.)

ما قاله الرئيس السيسى في هذه المناسبة الوطنية، كان مهماً جداً، خاصة أنه جاء في وقت تشد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية، وتدخلات خارجية تعمل على إعادة الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، بما يفيد مصالح القائمين على هذه التدخلات، والإضرار بمصالح دول المنطقة، لذلك تحركت مصر لكى تجابه هذه التحركات، وتعمل على إعادة القرار في المنطقة لأصحابها، وليس للخارج.

هنا يمكن فهم تحرك الرئيس السيسى الأسبوع الماضى، في مسارين، الأول، استقبال رئيس الصومال الدكتور حسن شيخ محمود، الأحد الماضى، ثم زيارته لأبو ظبى في اليوم التالى، ولقاءه الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن قبلها، استقبال الرئيس التركى رجب طيب أردوغان في القاهرة، فضلاً عن استمرار تحركات الدبلوماسية المصرية في مسارين أخرين، الأول مرتبط بالتهدئة في ملف إيران النووي، والثانى، بدء المرحلة الثانية من أتفاق غزة.

فكل هذه التحركات تستهدف أولاً، أمن واستقرار المنطقة، والعمل على حل الازمات والمشاكل الأقليمية بالحوار وليس بمبدأ الصدام العسكرى المسلح.

اللقاء مع الرئيس الصومالى، تركز على دعم الأمن والاستقرار فى منطقة القرن الإفريقى، وأيضا عدم المساس بتخوم الأمن القومى المصرى، وشدد الرئيس السيسى على أهمية تفعيل إعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع في يناير 2025، كما تم التأكيد على عدة نقاط شديدة الأهمية:

تأكيد موقف مصر الثابت، الداعم لوحدة الصومال الشقيق وسلامة أراضيه ورفضها القاطع؛ لأى إجراءات تمس هذه الوحدة، بما فى ذلك الاعتراف باستقلال أى جزء من إقليمه الأمر الذى يعد انتهاكا صارخا؛ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولى وسابقة خطيرة؛ تهدد استقرار القرن الإفريقى بأسره.استعداد مصر لمشاركة خبراتها فى مكافحة الإرهاب، مع الصومال إيمانا بأن مواجهة هذه الآفة، تتطلب مؤسسات وطنية قوية، وكوادر مدربة ومقاربة شاملة؛ تسهم فى إيجاد البيئة المواتية، لتحقيق تطلعات الشعب الصومالى، نحو التنمية والازدهار.مصر ماضية فى استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الإفريقى للدعم والاستقرار فى الصومال، فى إطار التزامها تجاه القارة الإفريقية، وفى ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار، فى كافة ربوع الصومال الشقيق.مسئولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصريا على عاتق الدول المشاطئة لهما.

وفى أبو ظبى، تم التأكيد خلال لقاء الرئيس السيسي، مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المُتحدة، على خصوصية العلاقات التي تجمع البلدين، وحرص الإمارات على دفع العلاقات الثنائية مع مصر إلى آفاق أرحب، بما في ذلك في مجالي التجارة والاستثمار، كما أكد الرئيس السيسى انفتاح مصر على تلقي المزيد من الاستثمارات الاماراتية، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين تُمثل ركيزة أساسية للأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي.

وناقش الرئيسين التطورات الإقليمية الراهنة، حيث تم التأكيد على ما يمثله التضامن العربي من أهمية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، كما تناول الرئيسان مستجدات الوضع في قطاع غزة، حيث تم التأكيد على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في القطاع، والتنفيذ الكامل لخطة الرئيس "ترامب" للسلام، وتعزيز دخول المساعدات الإنسانية للقطاع دون قيود، خاصة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، بالإضافة إلى سرعة البدء في عمليات التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، مشددين على أهمية الدفع تجاه مسار السلام العادل والشامل في المنطقة الذي يقوم على أساس "حل الدولتين" بما يضمن تحقيق السلام الدائم والأمن والاستقرار الإقليميين.

كما أكد الرئيسان أهمية مواصلة الجهود لتسوية الازمات التي تمر بها المنطقة بالوسائل السلمية، وبما يحافظ على وحدة وسلامة الدول ومقدرات شعوبها وتجنب أي تصعيد في المنطقة لما سوف يترتب على ذلك من تداعيات سوف تطول الجميع.

كما شهدت الأيام الماضية، مواصلة القاهرة لاتصالاتها الدبلوماسية مع الأطراف المعنية بالأزمة النووية الإيرانية، مؤكدة في كل اتصالاتها أهمية خفض التصعيد في الإقليم وتجنب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يسهم في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع، مع تشجيع المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، وأن مصر ستواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد واحتواء حدة التوتر فى المنطقة.

والرسالة المصرية واضحة، وهى مواصلة كافة الجهود الرامية الي خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف، مع التشديد على أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، وتجنب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار.

كل هذه التحركات من جانب الدولة المصرية، تسعى من خلالها إلى التهدئة والاستقرار، والأهم من كل ذلك أن يكون قرار المنطقة من داخلها وليس مفروضاً عليها من الخارج.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق